لم يفصلني عنه سوى بضعة سنتيمترات قليلة، ولكنه استطاع أن يلفت نظري وأنظار الجميع من حوله عندما احتضن والده، ثم انكفأ على قدم أمه مقبلًا لها، ثم لملمها بين ذراعيه طويلًا مرددًا: «سامحيني يا أمي، الموضوع مطول شوية، مش بإيدي» ليبكيا سويًّا في مشهد أثر في نفوس المتابعين من حوله بل وأبكى بعضهم.

إنه مشهد جعلني لا أسيطر على عيني التي سقطت دمعاتها على خدي، واقشعر بدني لما رأيت، فالابن معتقل في سجن استقبال طرة، يعبر عن حبه على طريقته لأمه التي أتت من محافظة الشرقية في أول زيارة لها من أجل رؤية ابنها، وحاولت مرارًا وتكرارًا سحب قدميها رافضة أن يطأطئ ولدها أو يصل لحذائها، ولكنه الشباب الذي استطاع أن يقاوم وهن العمر وكبر السن وانتصر في النهاية في تنفيذ ما أراده.

ما حدث جعلني أتذكر زوجي محمد البطاوي عندما أتى من زنزانته لرؤيتنا حاملًا بيده ورودًا بيضاء، ومتسائلًا بنظرات عينيه عن والدته التي لم تأتِ معنا بسبب الإرهاق، ورغم أنه لم يكن السبب الوحيد حيث أنه غير مسموح بالزيارة إلا لثلاثة أفراد فقط، وهو ما يجعل ذهابها غير متاح دائمًا.

البطاوي الذي تجاوز في الحبس الاحتياطي تسعة أشهر بعيدًا عن أمه، وأتي بورداته البسيطة ليقدمها لها في عيدها لم يكن يعلم أنها ما أتت لرؤيته، بعد أن استأذنتها شقيقته في الذهاب مكانها هذه المرة، لأنها لم تره منذ مدة.

وبعد أن تطرقنا في السؤال والإجابة عن أحوالنا، قال هامسًا لي: «زعلان علشان تعبت أمي كتير، بس الموضوع مش بإيدي، كان نفسي أكون معاها وأجيب لها هدية عيد الأم، وأقبل رجليها ويديها، بس مش عارف الموضوع هيخلص امتى ولا عارف ابتدى ليه، بس أنا بحبها كتير وتربيتها لي ووقوفها جانبي ساعدني كتير في الأزمة اللي أنا فيها».

تلفتت النظرات ورأيت الكثير من المعتقلين الذين دخلوا قاعة الزيارة حاملين في أيديهم أطباق الفل التي زينوها خصيصًا لأمهاتهم كهدايا تعبيرية بسيطة عن مقدار حبهم لهم، أو من استغلوا وجود المناديل الورقية وصنعوا منها ورودًا ملونة جميلة كهدايا رمزية في عيد الأم، ولن أحدثك عن مقدار فرحة الأمهات بالهدايا التي ربما لو رأوها في أماكن غير السجون لما تقبلوها، أو لنظروا لها نظرة دونية.

لم تكن هذه الحالات الوحيدة التي أقابلها في السجن، ولكن الضجة التي حدثت قرب انتهاء مدة الزيارة جعلت الجميع يتسمر مكانه، عندما أتت البشرى لأحد المعتقلين بأنه أخذ إخلاء سبيل، لتصرخ والدته: «دي أحلى هدية عيد أم في حياتي. أنا مكنتش عايزة حاجة غير إني أشوفك خارج السجن».

المعتقلون الذين استطاعوا إعادة تدوير الأطباق والمناديل الورقية أو الخرز والخيوط كمواد أساسية في صنع الهدايا لزائريهم، ربما أثبتوا للحاضرين وللعالم أن السجن لا يمنع الفرحة، وأن الحبس لا يوقف التواصل، وأن الحب تضحية وثمنه غال.

تعلمت درسًا هناك أن الحبس رغم قسوته لا يعني موت الأمل، وأن رؤية الأهالي لأبنائهم المحبوسين تنسيهم كل ما عانوه طوال يوم الزيارة، كما تمحي الانتهاكات التي يلاقونها خصيصًا في ساعات هذا اليوم.

تعلمت أن الأيام التي مرت منذ اعتقال زوجي كفيلة بتغيير نمط حياتي وطريقة تفكيري ونظرتي للأمور بقدر لم أتخيله سابقًا، مثلما لم أتخيل يومًا أن أقف على أعتاب السجون، أو أتواصل مع المحامين، أو أنتظر قرارًا من القاضي لمعرفة مصير زوجي صحفي أخبار اليوم الذي ليس له سلاح سوى القلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد