البعض يكاد من شهرةِ اسمه ألَّا يُسمى، وكذلك الحديث عن الأم صعبٌ لدرجةٍ لا توصف؛ هذه الصعوبة مرجعها أنَّ جلال الأمهات وعبقرية الأمومة يفوق ما تحويه الكلمات من المباني والمعاني. هو جلالٌ يتجاوز الحروف ليظل الصمت في وجود الأم هو الجمال الأبدي، الجمال الذي لا تخطئه المشاعر هو عبق الأمومة الخالد. ومهما تباينت المستويات الثقافية والاجتماعية للأمم والحضارات تبقى مكانة الأم في سويداء قلوب العالمين بما يجسِّد عبقرية الأمومة.

في شتى الشرائع السماوية يأتي التأكيد على حق الأم وأهمية الإحسانِ إليها والتقرب إلى الله بحبها والتماس رضاها. يأتيك الأمر من الرب العلي صريحًا مباشرًا لا يختلف عليه أحدُ فقهاء الأمة على تنوع مذاهبهم، اقرأ بكل وجدانِك قوله تعالى: «وقضى ربك ألّا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا» إذ يأتيك الإحسانُ إلى الوالدين بعد عبادة الله تعالى بما يؤكد أنَّ الإحسان إلى الوالدين طريقُ العبادة الصادقة لله تعالى ما لم يأمرك أحدهما أو كلاهما بغير ما أنزل الله تعالى. الإسلام عقيدة تنبثق منها شريعة، تنظِمُ هذه الشريعة كلَّ أمور الحياة، ولن يقبل الله من قومٍ شريعتهم إلا إذا صحت عقيدتهم؛ فإذا كان بر الوالدين في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله وعدم الشرك به؛ فهذه من أكبر الدلالات على وجوب تكريم الأم في كلِّ وقتٍ وحين، وألَّا يقتصر التكريم لها والحفاوة بها على سُويعاتٍ قلائل ثم ينبري المرء بعد ذلك في الإساءِةِ إليها والتنكيل بها من خلال هجرانها أو التشاغل عنها بالعمل أو الأبناء أو غير ذلك من شواغل الحياة التي لا تنتهي.

حين يجلس القائد الإمام بين صحابته ورجالات أمته النجوم الذين هم أَمَنَةُ الأمة كما أن النجوم أَمَنَةٌ للسماء، ويريد المصطفى الصادق الأمين أن يُرسِلَ للدنيا رسالةً لا يعتورها اللبس؛ فإنه صلى الله عليه وسلم يتحدث عن الأم! هل وصلك هذا المعنى البديع؟ إليك الخبر اليقين من سيد النبيين؛ ففي الصحيحين من حديث أبي حفصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال «قُدِمَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي؛ فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته؛ فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟! قلنا: لا والله! وهي تقدر على ألَّا تطرحه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أرحم بعباده من هذه بولدها». المعنى إذا تعلَّق بالأم فقد تم المراد وأصاب المفصل دون تكلُّفٍ أو إسهاب. لذلك ترى الحضور القوي للأم في السنة المطهرة إذ حث المصطفى على برها والوفاء لها ثلاثًا بينما أوصى بالوالدِ مرةً واحدة؛ذلك لا ينتقِص من حق الأب ولا يقلل من قدره ومكانته، ولكن الحكمة النبوية تشير إلى أنَّ الولد يفكِرُ ألفَ مرةٍ قبل أن يسيء إلى والدهِ خوفًا من بطشه أو رهبةً له وإجلالًا في حين أنه لا يرى – وهذا من ضيق أفق الأبناء أحيانًا – لوالدته هذا الإجلال الذي يؤدي إلى إجحافها حقها. الوصية النبوية للأم ثلاثًا هي بمثابة التأكيد على مكانة الأم الرؤوم ولإلزام الأبناء بعدم النكول بحفظ حق الأم.

إنَّ الإحسان للوالدين لا يحصره وقت مخصوص؛ فالإحسانُ للوالدين ينبغي أن يكون من أولويات من كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد. يأتيك هذا المشهد العبقري من شخصٍ حصل على شهادةٍ لا تُمنح إلا مرةً واحدة في تاريخ الكوكب الأرضي، إنها شهادة المصطفى له بالتفرد بالعلم الشرعي، وكيف لا؟! وقد دعا له المصطفى فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»؛ إنه حبر الأمةِ وترجمان القرآن. فابن عباس رضي الله عنهما يأخذ بأيدينا إلى مكانة الوالدين من طريقٍ لا يلتبس على السالكين مهما تفاوتت هممهم ومآربهم واختلفت أغراضهم ومقاصدهم، يقول ابن عباس: «ثلاثة أشياءٍ نزلت مقرونةً بثلاث؛ لا يقبل الله واحدةً بغير قرينتها، قال تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول)؛ فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه، وقال تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فمن أقام الصلاة ولم يؤتِ الزكاة لم يقبل منه، وقال تعالى: (أن اشكرْ لي ولوالديك) فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه. والسؤال الذي يتعين عليك أن تطرحه على نفسِكَ: هل الإيمانُ بالله يكون يومًا في العام؟ هل يكون شهرًا في العام؟ هل يكون الإيمان بالله عامًا من الأعوام؟ احتفظ لنفسك بالجواب وتعامل مع والديك بهذا المنطق. أراد الله تعالى إيصال مبدأ الإيمان به حتى نلقاه فقال لحبيبه ومصطفاه ونحن على دربه صلى الله عليه وسلم (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) واليقين هنا: الموت؛ وتأسيسًا على ذلك وبالجمع بين الأدلة يكون الإحسان للوالدين مع كلِّ طرفةِ عين وإلى أن يموت الواحد منا، لا ينقطعُ برُّه بوالديه.

قد سمعت لا محالةٍ عن صاحب الصخرة الذي انحدرت الصخرة فسدَّت عليه الغار ومعه رجلان آخران؛ فلما تقرَّب كلُّ واحدٍ منهم بأفضل وأرجى عملٍ قدَّمه في حياته كانت القربى التي لجأ إليها هي برَّه بوالديه، قال: «اللهم إنك تعلم أنِّي كان لي أبوانِ شيخانِ كبيران، وكنت لا أغْبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي في طلب شيءٍ يومًا فلم أرُح عليهما حتَّى ناما، فحلبتُ لهُما غبوقَهما فوجدتُهما نائمَين، وكرِهْتُ أن أغبقَ قبلَهما أهلًا أو مالًا، فلبثْتُ والقدحُ على يدي أنتظِر استيقاظَهُما حتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فاستيْقَظا فشرِبَا غبوقَهما، اللَّهُمَّ إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتِغاء وجْهِك، ففرِّج عنَّا ما نحن فيه»، فكان ذلك سببًا لتفريج ما لاقاه الرجل في محنته هذه. يقول بعض السلف: «إنَّ البار بوالديه لا يموتُ ميتةَ السوء» يريد أن الله تعالى يعصمه من سوء الخاتمة؛ وكلنا يسألُ الله حُسْنَ الخاتمة؛ فحيهلا وعجِل بالبر لتلقى الخير.

قد يشعر البعض بالغصة من الحديث عن البر بالأم؛ إذ إنَّها قد جاءها اليقين فهو لا يجد منفذًا يعبر لها به عما يجيش في صدره من مشاعر وخواطر، ولكن حبيبي الغالي لقد امتن الله عليك بباب من أبواب الخير يمكنك أن تصل أمك به حتى بعد وفاتها. فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة والبيهقي وابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى لِي هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» فأنت بذلك في وسعك أن تبر بوالديك في حياتهما وبعد مماتهما؛ فلا تتخاذل وأبشر بهذا الخير العميم والباب العظيم، باب الاستغفار لوالديك.

أيضًا يأتيك بابٌ من أبواب الخير يسوقه لك رجلٌ من بني سلمة أتى النبي فقال: يا رسول الله! هل بقي علي من بر أبويَّ شيءٌ أبرهما به بعد موتهما؟ قال الصادق الأمين: «نعم! الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما». فحاول الآن أن تفعل شيئًا يُدخِلُ عليهما السرور؛ لتنعم بالبِشرِ والقبولِ بين الناسِ والسعادة في الدارين، وفي الختام ردد معي: (ربِ ارحمهما كما ربياني صغيرًا).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد