القصة الثانية

«فانطلقا حتى إذا لقيا غلامًا فقتله قال أقتلت نفسًا زكيةً بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا» وهذا الحادث تم تبريره كما هو معروف بالتالي: «وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا»، وتبرير الرجل الصالح مهما كانت صفته ودرجة علمه تتناقض فعلًا مع شريعة التوراة: الشرع الإلهي النازل من عند الله تعالى  «وكتبنا عليهم فيها أن النفس  بالنفس  والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص» المائدة 45، ومصدر التوراة هو نفس مصدر علم الرجل الصالح «وعلمناه  من لدنا علمًا»،والذي برر هذا الفعل بنسبه لنفسه ولله تعالى: 

«وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا، فأردنا  أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا».

القصة الثالثة

«فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرًا»، وهنا نذكر التبرير الأجوف بأن الحوت (تصوروا حوتًا كالذي التقم يونس عليه السلام) كان مع الفتى الملازم لموسى، وكان قد تم وضعه في مكتل كما ذكر الحديث وأن اختفاءه سيكون علامةً على مكان الرجل الصّالح، والذين يؤولون سياق الآيات بناءً على هذا الحديث، يقولون إن سؤال موسى عن الغداء هو لأن الحوت كان مصدر الوجبة. فكيف يوفقون بين الأمرين؟

ولو افترضنا أن هذا (الحوت) كان حوتًا صغيرًا للحد الأدنى، فكيف يكون التبرير هنا وقد مضى على موسى عليه السلام وقت طويل دون طعام طوال رحلته مع فتاه وصولًا لمكان الرجل الصالح ثم ركوب السفينة وخرقها، ثم قتل الغلام،بعدها وصولهما للقرية وطلبهما الطعام من أهلها؟

الجواب ببساطة كما بينا سابقًا بأن الحوت الذي هو أضخم الكائنات الحية، والذي يبلغ وزن عجله عند الولادة ٣ أطنان كان ساربًا في مجمع البحرين، وكان من ضمن الإشارات الدالة على الموقع المبتغى، وموسى وفتاه كانا يتناولان طعامهما بانتظام، وطلب موسى من فتاه الغداء استدعى تداعيًا لأفكار كانت تشغل ذهن الفتى الباطن فتذكرها وباح بها. ويقال بأن أسرع طريقة لتذكر أمر ما هي أن تشغل نفسك بشيء، فستذكر ما نسيت بسرعة.

إن قصة القرية وربط حماية كنز مدفون، بإقامة الجدار لا تستقيم مع المنطق، وخصوصًا إنه مع بلوغ الغلامين أشدهما، والذين يعرفان مكان الكنز الذي هو ملك لهما، سيكون بإمكانهما حينئذ استخراج الكنز، ولن يقف مجرد جدار أمامهما.

ثانيًا

بالإضافة إلى الاضطراب في القصة والأحداث،نرى أن القصة (مبتورة) في السِيرة الموسوية في القرآن الكريم. فلا رابط بينها وبين أحداث أخرى مطلقًا. فكيف ذلك؟ ورد اسم موسى عليه السلام 136 مرة في القرآن الكريم وقصته 10 مرات في سور: الأعراف، يونس، هود، طه، المؤمنون، الشعراء، النمل، القصص، غافر، الزخرف.

البتر في هذه القصة واضح. فلا نرى شرحًا لها وتفاصيل إضافية في السور الأخرى كما هو حال تكليم الله تعالى لموسى في المرة الأولى حيث نرى لذلك الحدث تفاصيل متعددة في سور متعددة: طه، النمل، القصص.
كذلك تفاصيل ما حدث بينه وبين فرعون نجد له تفاصيل متعددة في سور متعددة. بينما لا نرى على الأقل بيانًا لهوية ذلك الرجل الصالح في آيات وسور أخرى، بينما نرى بيانًا لهوية الرجل الذي أضل بني إسرائيل: السامري.

ثالثًا

غياب موسى عليه السلام وأثره على بني إسرائيل

قال تعالى: «وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا علىٰ قوم يعكفون علىٰ أصنام لهم ۚ قالوا يا موسى  اجعل  لنا  إلٰهًا  كما  لهم آلهة ۚ قال إنكم قوم تجهلون» (138 الأعراف) وقد حدث هذا وموسى بينهم، وعندما غاب عنهم مستعجلًا لميقات ربه عز وجل، تاركًا أخاه هارون فيهم، على أن يلحق به جمع منهم، حدث التالي:  «وما أعجلك عن قومك يا موسىٰ (83) قال هم أولاء علىٰ أثري وعجلت إليك رب لترضىٰ (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع موسىٰ إلىٰ قومه غضبان أسفًا ۚ قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدًا حسنًا ۚ أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي» (86 طه). إذًا رغم وجود هارون بينهم، وقعت الفتنة بين بني إسرائيل في العجل الذهبي.
وهنا السؤال التالي واجب: كيف يترك موسى قومه، وقد علم مدى الضرر الذي حدث بغيابه السابق عنهم لدى استعجاله لميقات الله تعالى، وينطلق في رحلة بدون سقف زمني، ثم يركب سفنًا ويذهب لقرى دون أن يثير ذلك ولو قلقًا بسيطًا لديه خصوصًا أن بني إسرائيل كانوا أسباطًا،أي جماعات متفرقة وأي اختلاف بسيط بينهم سيؤدي إلى حمام من الدماء، وهو السبب الأساسي الذي كبل يدي هارون ومنعه من التصرف في حالة العجل الذهبي والسامري، ونذكر جميعًا كيف كان لكل سبط من بني إسرائيل عينهم ومشربهم الخاص بهم حتى لا يتقاتلوا فيما بينهم.

رابعًا

لم يتعلم موسى عليه السلام بعد كل ذلك العناء أي شيء على الإطلاق سوى التأنيب من الرجل الصالح في أمور ثبت في أحدها: (قتلُ  الغُلام ) صوابية حكم موسى عليه السلام رغم التبرير الذي ساقه الرجل الصالح، ومع ذلك، تراجع موسى عن موقفه المستند لحكم الله تعالى وشرعه أملًا في علمٍ لن يأتِ  أبدًا.

بناءً على ما سبق: ما هو التفسير القرآني لتلك القصة وسلسلة الأحداث فيها،وهل أفصح القرآن الكريم عن شخصية ذلك الرجل ذو العلم اللدني؟ الجواب: إن قصة الرجل الصالح وموسى عليه السلام هي رؤية منامية رآها موسى عليه السلام بعد أن سقط مغشيًا عليه، والرجل الصالح في الرؤيا هو الرسول والنبي الأمي محمد عليه الصلاة والسلام.

وقبل تقديم الأدلة القرآنية لا بد أولًا من عرض سر الرابط والمشتركات بين النبيين الكريمين: محمد وموسى عليهما السلام:

أولًا اليتم والعناية الإلهية

موسى عليه السلام: «إذ أوحينا إلىٰ أمك ما يوحىٰ (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له ۚ وألقيت عليك محبةً مني ولتصنع علىٰ عيني» (39 طه) ولد موسى عليه السلام يتيم الأب الذي مات قبل ولادته،ونظرًا لاستشراء المذبحة في المواليد الذكور لبني إسرائيل، فإن الله تعالى جعل إنقاذه وتربيته على يد عدو الله تعالى وعدوه.

محمد عليه السلام: أيضًا ولد يتيمًا «ألم يجدك يتيمًا فآوى» (6 الضحى) وقال سبحانه أيضًا: «واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا» (٤٨ الطور) نرى العين ذكرت بالمفرد مع موسى عليه السلام وبالجمع مع محمد عليهما السلام، وهذا دليل المكانة المتميزة للرسول محمد والعناية المطلقة التي أولاها الحق سبحانه له.

تلقى موسى الإيواء في دار عدوه المستقبلي، وكذلك محمد ،حيث تلقى الإيواء في دار أحد أعمامه الذي سيناصبه العداء مستقبلًا عند إعلانه أنه رسول الله تعالى إلى الناس جميعًا. أما ما ذكر  في السيرة حول شق الصدر وإيوائه في دار الفقير كثير العيال، عمه أبي طالب، فهو من اختلاقات ابن اسحاق، ولقد وضع ذلك لهدف استرضاء رئيس الوزراء في العصر العباسي الذي كان من الفُرس، وقد مارس ابن إسحاق نفس أسلوب التزيف التاريخي في كتابة سيرة العباس عم النبي عليه السلام بما يوافق هوى الخلفاء العباسيين، خصوصًا أنه كتب السيرة برعاية الخليفة أبو جعفر المنصور.

واقع أن محمدًا ورث ثروةً طائلةً عن أبيه وأمه وجده ثابتٌ بانتمائه لعلية القوم، وكان لهذه الثروة أن تكون ضمن ثروة  أخرى نظراً ليُتمه/ وأن تدار من قبل أقوى أعمامه نفوذًا وثراءً: عبد العزى بن عبد المطلب=أبو لهب، والذي نزل بحقه وحي أيضًا لاستخدامه ماله ومال محمد عليه السلام في تمويل الحرب على ابن أخيه وعلى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى:

«ما أغنىٰ عنه ماله وما كسب» 2 المسد: (وما كسب): أي المال الذي كسبه ظلمًا عندما ضم مال محمد صلى الله عليه وسلم إلى رأس ماله من قبل أن يصبح  عليه  السلام  رسولًا  بزمنٍ  طويل. وقد نزلت المسد وذكرته، لكن ليس باسمه الصريح، بل بصفته حتى تكون حركة الآية لكل العصور، فكل من يفعل فعل أبي لهب هو أبو لهب، ولن يفلح كيده أبدًا.

ثانيًا: الكفاية والاستقرار بعد الهروب والفقر

  علِمَ موسى عليه السلام أن الإشكالَ الذي أدى إلى مقتل أحد رعية فرعون كان بتدبيرٍ من فرعون نفسه: (ولما بلغ أشده واستوىٰ آتيناه حكمًا وعلمًا ۚ وكذٰلك نجزي المحسنين (14) ودخل المدينة علىٰ حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هٰذا من شيعته وهٰذا من عدوه ۖ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسىٰ فقضىٰ عليه ۖ قال هٰذا من عمل الشيطان ۖ إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له ۚ إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرًا للمجرمين (17) فأصبح في المدينة خائفًا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس  يستصرخه ۚ قال له موسىٰ إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسىٰ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس ۖ إن تريد إلا أن تكون جبارًا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصى  المدينة   يسعىٰ قال يا موسىٰ إن الملأ  يأتمرون  بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) فخرج منها خائفًا يترقب ۖ قال رب نجني من القوم الظالمين) (21 القصص).

كما نرى هنا: موسى يصف الرجل الذي من شيعته بـ(الغوي المبين) أي اتضح لموسى نواياه بأنه يريد الإيقاع به بتوريطه لغرضٍ ما: في مرتين خلال يومين يفتعل الإسرائيلي مشكلةً ويتصادف ذلك مع وجود موسى في نفس المكان، ومع ذلك، تغلبت حمية موسى على رجاحة تفكيره في ذلك الموقف الذي كاد يكلف الإسرائيلي حياته وهو يصرخ طلبًا للنجدة.

نرى في الآية أيضًا (مؤمن آل فرعون) يأتي من أقصى المدينة (أتى بيان هويته في سورة غافر الآية 28) ويحذر موسى من اجتماع رأي قوم فرعون على قتله. وهنا تتضح الصورة بأن الذي من شيعة موسى كان عميلًا لفرعون، بينما كان مستشار فرعون مؤمنًا عبدًا لله تعالى، وقلبه على موسى لعلمه لما سيكون من شأنه. إن حقد فرعون على موسى حقد قديم مرده إلى أنه قبل بموسى كوليد من بني إسرائيل

يتربى في قصره رغمًا عن أنفه: (وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك ۖ لا تقتلوه عسىٰ أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا وهم لا يشعرون (9)(القصص).  في كتاب ما ملكت أيمانكم  بينت بأن (امرأة) قد تعني (العزباء) أو المنفصلة جنسيًا عن زوجها لسبب من الأسباب – مؤقتًا في حال النشوز أو دائمًا في حال العجز الجسدي -. وعلى ما يبدو، فإن هذا السبب كان دائمًا في فرعون، نتكلم هنا عن مانع الاتصال الجنسي،الذي جرأها على فرعون بطلب الاحتفاظ بموسى كمصدر ينفعهما عند الكبر أو يكون ولدًا لهما، والذي – أي فرعون – وعلى مضض، تقبل موسى وليدًا يتربى في قصره مخافة افتضاح أمره من قبل امرأته لأنه كان فاقدًا للرجولة.

وعلى ما يبدو، فإن: (وهم لا يشعرون) والمرتبطة بـ(نتخذه ولدًا) تدل على أن حوارًا خاصًا قد جرى بالهمس بين فرعون وامرأته لم يصل آذان المقربين من فرعون. نجد نفس الحال لًأبي لهب، العاجز جنسيًا، وتعبير (امرأته) أيضًا في القرآن الكريم: (وامرأته حمالة الحطب) الكلام هنا عن العجز الجنسي: وعدم  إنجابهما ولدًا ما برر لهما  ضم محمد صلى الله عليه وسلم ليعيش تحت جناحيهما بعد ضمً ماله لمالهما، وهذا كان دافعهما الأساسي.

أما موسى،,, الذي تآمرَ القوم عليه للإيقاع به بتنفيذِ الحبكة وحدوثِ القتل بأحد رعية فرعون ومن ثم تكرار ذلك لجعله سفاحاً بأعين المجتمع الفرعوني.,,فقد  انطلق هارباً إلى مدين حيث عمل وفقًا لتعاقد أدى إلى زواجه:  (قالت إحداهما يا أبت استأجره ۖ إن خير من استأجرت القوي الأمين (26 القصص) حيث بدأ الأمر بطلب إحداهما أن يكون موسى زوجًا لها بطريقة غير مباشرة لما رأت من خصاله وأمانته وأخلاقه.

وبعد أن أدى، صاحب الشهامة، موسى 10 حجج (موسم توالد الغنم  والورود لمكان الرعي يسمى: حُجة)،وأصبح له ولد ومكتفيًا ذاتيًا،قرر الاستقلال عن والد زوجه، ولم يكن ينوي التوجه لمصر لكونه مطلوبًا لجناية، ولكن قدر الله سبحانه له شيئًا آخر: (وهل أتاك حديث موسى {9} إذ رأى نارًا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارًا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدًى (10) 

أهلهُ = الزوج+ الأبناء.

أما في السيرة المحمدية: (ووجدك عائلًا فأغنىٰ 8) الضحى، لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم بالكاد يتدبر أمر معيشته بعد أكل أمواله من قبل عمه، وتنكر ذوي القربى له، ولكن، وكما في حال موسى والتي هي مرآة عاكسة للسيرة المحمدية، تطلب خديجة من محمد، لما رأته من حسن أخلاقه وصفاته،أن يدير لها تجارتها في الشام،بعيدًا عن مكة و قريش وتجارتها.
ويصبح عليه السلام مكتفيًا لأجوره التي تقاضاها وأرباحه من تجارته الخاصة فيتمكن من دفع مهر خديجة، رضي الله عنها، ويحصل الزواج المبارك: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) ٥٠ الأحزاب.


-ثالثًا: تكليم/وحي  الله تعالى  لموسى ومحمد: قال الله تعالى (إذ قال موسى لأهله إني آنست نارًا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون {7} فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين {8} يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم {9} النمل.

وقال سبحانه في هذا أيضًا: وهل أتاك حديث موسى {9} إذ رأى نارًا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارًا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدًى {10} فلما أتاها نودي يا موسى {11} إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوًى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى {13} إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري {14} طه

نقاط هامة هنا لا بد من ذكرها:

١.كلَّم الحق سبحانه موسى من وراء حجاب،أي مانع. (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء ۚ إنه علي حكيم) (51) الشورى، أي أن الكلام كان مباشرًا،لكن الكيان السامي لم يكن في سمائنا وأرضنا وبنفس الوقت لم يكن في مكان آخر، والزمان والمكان كانا محيطين بموسى فقط. بعبارة أخرى: الكيان السًامي اختصر الوجود المادي المخلوق وصولًا لمكان موسى عليه السلام وكأنها نافذة فتحت تطل على زماننا ومكاننا.

٢. الحجاب كان نور الله عز وجل. فلندقق في الآيات التالية جيدًا ونقارنها مع (النار) التي جذبت موسى عليه السلام إليها: (الله نور السماوات والأرض ۚ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ۖ المصباح في زجاجة ۖ الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد يتها يضيء ولو لم تمسسه نار ۚ نور علىٰ نور ۗ يهدي الله لنوره من يشاء ۚ ويضرب الله الأمثال للناس ۗ والله بكل شيء عليم) (35 النور) نرى في الآيات الكريمة نوران: نور ذاته سبحانه والذي ليس كمثله شيء.. ومثال نور كلامه المتجلي في كتاب سماوي هاد، أو قوانين في المادة والخلق التي تسير الكون والمخلوقات بصفة الكمال غير المنقوص.

أما محمد صلى الله عليه وسلم: (إن هو إلا وحي يوحىٰ (4) علمه شديد القوىٰ (5) ذو مرة فاستوىٰ (6) وهو بالأفق الأعلىٰ (7) ثم دنا فتدلىٰ (8) فكان قاب قوسين أو أدنىٰ (9) فأوحىٰ إلىٰ عبده ما أوحىٰ (10) ما كذب الفؤاد ما رأىٰ (11) أفتمارونه علىٰ ما يرىٰ (12) ولقد رآه نزلةً أخرىٰ (13) عند سدرة المنتهىٰ (14) عندها جنة المأوىٰ (15) إذ يغشى السدرة ما يغشىٰ (16) ما زاغ البصر وما طغىٰ (17) لقد رأىٰ من آيات ربه الكبرىٰ) (18 النجم)، سيتم التعرض لسورة النجم في قراءة مستقلة عن هذا البحث إن شاء الله تعالى.
نضع هنا عدة ملاحظات
١.(علمه): العلم يؤتى من الله تعالى فقط: (علم الإنسان ما لم يعلم) العلق (وقل رب زدني علمًا) طه/114.
٢. (شديد القوىٰ) ليس جبريل عليه السلام: (إنه لقول رسول كريم (19) ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ولقد رآه بالأفق المبين) (23 التكوير) إذًا جبريل عليه السلام (ذي قوة) وليس بـ(شديد القوىٰ)، وهذا من متشابهات القرآن الكريم، وهو ليس ليس بـ(معلم العلم)،بل ناقل له. (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا) نرى القوة هنا بالجمع) عبر الأسلوب البلاغي الرائع تعود لله تعالى فقط وهذا يتفق مع (شديد القوىٰ).
وأما الفرق بين عبارتي (وهو بالأفق الأعلى)، و(ولقد رآه بالأفق المبين): الأولى: تشير إلى أعلى نقطة بإمكان رقبة الإنسان توجيه الرأس للنظر باتجاهها، أما الثانيةً: فتشير إلى الأفق المقابل للناظر خصوصًا الذي تتجلى فيه الشمس عند الشروق أو الغروب بشكل واضح مبين غير مؤذ أو القمر المتجلي بوضوح. الأفق المبين هو الموضع الذي رأى فيه محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على هيئته الملائكية. وأما قوله تعالى: (فأوحىٰ إلىٰ عبده ما أوحىٰ) فنرى فيه الوحي المباشر دون وسيط، يؤيد ذلك قوله سبحانه = (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا)، على عكس العبارة الأخيرة في قوله: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء).

وعليه، لو كان جبريل المقصود به في قوله (فأوحىٰ إلىٰ عبده ما أوحىٰ) لأتت العبارة كالتالي: فأوحى بإذنه إلىٰ عبده ما أوحىٰ. وهنا لنا أن نقول التالي: لم ير محمد صلى الله عليه وسلم في أول رؤية تكليفه بالرسالة، لم ير ربه عز وجل بعينيه، لأنه سبحانه (لا تدركه الأبصار) (103 الأنعام). بل رآه كما قررت الآيات بـ (ما كذب الفؤاد ما رأىٰ)،أي رؤية بالفؤاد وبواسطة النور الذي منحه ربه له: (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) وقد أخبر محمد صلى الله عليه وسلم قومه بما حصل له وسبب ذلك تكذيبًا ونفورًا كبيرًا ما أدى إلى اعتزاله قومه ومرضه عليه السلام وتدثره، واشتد ذلك عليه عندما انقطع الوحي عنه زمنًا (حتى يستوعب ما حصل له) حتى نزل عليه (ما ودعك ربك وما قلىٰ) (3 الضحى).

إذًا (فأوحىٰ إلىٰ عبده ما أوحى) هو تكليم لمحمد ص وحيًا،أي أنه سمع الصوت في داخله عليه السلام وتزامن ذلك مع الرؤية الفؤادية للملكوت،بينما سمعه موسى عليه السًلام كصوت طبيعي عبر حاسة سمعه. واذا اطلعتم على التراث ستجدون تخبط الروايات حول أول السور نزولًا وأين تلقى محمد ص الوحي الأول،فتارةً حدث ذلك في غار، وتارةً سمع عليه السلام أصواتًا. ويجب التأكيد هنا على أن الله تعالى أعلم بقوله: (ذو مرة فاستوىٰ (6) وهو بالأفق الأعلىٰ (7) ثم دنا فتدلىٰ)، فكان ذلك كما يليق به سبحانه، وسيتم بيان المعاني في القراءة المعاصرة لسورة النجم، مع التأكيد على أن قوله: (فكان قاب قوسين أو أدنىٰ) لا يتعلق بالقوس المعروف الذي تطلق منه السهام.

رؤيا محمد صلى الله عليه وسلم الثانية: (ولقد رآه نزلةً أخرىٰ (13) عند سدرة المنتهىٰ (14) عندها جنة المأوىٰ (15) لم يُعرج بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أبدًا فتلك القصص المضحكة التي تروى من الإسرائيليات. وإنما رأى عليه السلام شيئًا من ملكوت ربه وهو على الأرض والذي لم يتمكن موسى عليه السلام من رؤيته إلا شيئًا بسيطًا عندما رأى (الشجرة) التي رآها محمد عليه السلام كـ(سدرة): (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) {30}القصص. وانطلاق الصوت من الجهة اليمنى من الوادي عائد لوجود الحجاب النوراني الذي يحجب أيضًا مصدر الصوت فعكسه في الوجود المادي، وللتلطف بموسى عليه السلام. هذه (الشجرة) كانت من ضمن الملكوت في حجاب النار والنور.

–نفي المعراج لبشرً

1.من الله ذي المعارج (3) تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) المعارج. ذكر الملائكة والروح فقط، وفي يوم يعادل 50 ألف سنة شمسية على الأرض، فأنى لبشر ذلك؟
٢.(أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقىٰ في السماء ولن نؤمن لرقيك حتىٰ تنزل علينا كتابًا نقرؤه ۗ قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا). 93 الإسراء. هذه الآية تنفي بشكل مطلق أي معراج محدد للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

يتبع في  الجزء الثالث والأخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد