شَغَلت قِصةُ موسَى وفتَاهُ والرجُل الصَالحِ المفكرين والفٌقًهاء وعامَةَ المُسلمِين علَى مدَار التَارِيخ، فسَلَّم الكثيرُون بما فِيهَا، وكانَت سبَبًا في إلحاد وتشكيكَ آخرِين. ولقَد تحولتْ شخصيَةُ الرَجُل الصَالح في القِصة القرآنِية إلى شخصِية حقِيقيَةٍ في التُراث الإسلامِي باسم أو صِفةٍ هيَ الخضر وذَلكَ بِناءً على تَأثِيراتٍ القوميات والأديَان في التُراثِ الإسلَامِي:
لَعِبت الفِرقُ الدِينية والقَومِية الناقِمَة على العَربَ دَورًا هامًَا فِي صُنعِ الرِوايات الشَفوِية الناضِحة بالخُرافات استنادًا لثقافتها، والتِي تضَخمت في الكَمِّ وصُولًا لِعصرِ التَدوِين في العصرِ العَباسِي.

أمَّا مَصدَرُ التَسمِيةِ والشِخصِية (الخِضر) فهو البُخاري، وقَد وَردَ ذِكرهُ أيضًا عندَ مُسلم والنسائي والترمذي وغيرهم، وقد ادعُوا النقلَ عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): والأحاديث تختلف في أمُورٍ كَثِيرَة تَمَّت إضافتها إلى أصْلِ القِصة في القُرآن.

وأمَا سببُ التَسمِية بالخِضر، فقَد تمَ تَبريرُها في الحدِيث التَالي المَنقٌول عن أبي هُريرة: 3221 حدثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني أخبرنا ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما سمي الخضر أنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء. وقَد اختُلفَوا في صفتهِ، فوصفَهُ البعضُ بأنهُ نبِي، وهناك من يقول إنه وليٌ صَالح.

وقَد نُسِب إلَى ابن مسعود أنه المراد به في الآية: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ.

هُناك اعتِقادٌ شائِعٌ ًأنهُ حيٌ لا يمُوت وأنهُ شَربَ من ماء الحياة الذي فشل ذو القرنين في الحُصول عليه، وأنهُ أَحدُ أبنَاءِ آدَم. ومن ذّهبَ إلى كَونه ما زَالَ حيًَّا، هم: القرطبي والنووي وابن الصلاح.
الخِضر، كشَخصَيةٍ خٌرافِية تنهَلُ مِن العِلمِ اللَدُنِّي جعلَت بعضَ الصوُفِية يتجَرأون عَلى مَقامِ الرُسل والأنبِياء بادِعَاء أنَ الولِي يتفَوقُ عِلمًَا ومَقامًَا على رسُلِ الله تعالى، وأنهُم خاضُوا بَحْرًا لم يتَجرأُ الأنبياءُ عليه.
–نصُ الحَدِيث عن الخِضر في البُخاري: «عن ابن عباس قال: حَدَّثَنَا أُبَيّ بْن كَعْب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيل فَسُئِلَ أَيّ النَّاس أَعْلَم؟ قَالَ أَنَا. فَعَتَبَ اللَّه عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدّ الْعِلْم إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَم مِنْك. قَالَ مُوسَى يَا رَبّ وَكَيْف لِي بِهِ؟ قَالَ تَأْخُذ مَعَك حُوتًا فَتَجْعَلهُ بِمِكْتَلٍ فَحَيْثُمَا فَقَدْت الْحُوت فَهُوَ، ثَمَّ (فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ بِمِكْتَلٍ ثُمَّ اِنْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوشَع بْن نُون عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَة وَضَعَا رُءُوسهمَا فَنَامَا وَاضْطَرَبَ الْحُوت فِي الْمِكْتَل فَخَرَجَمِنْهُ فَسَقَطَ فِي الْبَحْر) (فَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر سَرَبًا) (5) وَأَمْسَكَ اللَّه عَنْ الْحُوت جِرْيَة الْمَاء فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْل الطَّاق فَلَمَّا اِسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبه أَنْ يُخْبِرهُ بِالْحُوتِ فَانْطَلَقَا بَقِيَّة يَوْمهمَا وَلَيْلَتهمَا حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ الْغَد قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ (آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَبًا)(6) وَلَمْ يَجِد مُوسَى النَّصَب حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَان الَّذِي أَمَرَهُ اللَّه بِهِ قَالَ لَهُ فَتَاهُ (أَرَأَيْت إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة فَإِنِّي نَسِيت الْحُوت وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَان أَنْ أَذْكُرهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيله فِي الْبَحْر عَجَبًا) (7) ” قَالَ فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا فَقَالَ (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا) (8).
قَالَ فَرَجَعَا يَقُصَّانِ أَثَرهمَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَة، فَإِذَا رَجُل مُسَجًى بِثَوْبٍ؛ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى فَقَالَ الْخَضِر وَأَنَّى بِأَرْضِك السَّلَام. فَقَالَ أَنَا مُوسَى. فَقَالَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيل؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَتَيْتُك لِتُعَلِّمنِي مِمَّا عُلِّمْت رُشْدًا (قَالَ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا) (9) يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْم مِنْ عِلْم اللَّه عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمهُ أَنْتَ وَأَنْتَ عَلَى عِلْم مِنْ عِلْم اللَّه عَلَّمَهُ اللَّه لك لَا أَعْلَمهُ.
فَقَالَ مُوسَى (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَك أَمْرًا) (10) قَالَ لَهُ الْخَضِر (فَإِنْ اِتَّبَعَتْنِي فَلَا تَسْأَلنِي عَنْ شَيْء حَتَّى أُحْدِث لَك مِنْهُ ذِكْرًا) (11) فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِل الْبَحْر فَمَرَّتْ سَفِينَة فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ فَعَرَفُوا الْخَضِر فَحَمَلُوهُمْ بِغَيْرِ نَوْل فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَة لَمْ يَفْجَأ إِلَّا وَالْخَضِر قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاح السَّفِينَة بِالْقَدُّومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى قَدْ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْل فَعَمَدْت إِلَى سَفِينَتهمْ فَخَرَقْتهَا لِتُغْرِق أَهْلهَا؟ (لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا) (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا) قَالَ لَا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيت وَلَا تُرْهِقنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) (12)، قَالَ: وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَكَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا) قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُور فَوَقَعَ عَلَى حَرْف السَّفِينَة فَنَقَرَ فِي الْبَحْر نَقْرَة أَوْ نَقْرَتَيْنِ.
فَقَالَ لَهُ الْخَضِر: مَا عِلْمِي وَعِلْمك فِي عِلْم اللَّه إِلَّا مِثْل مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُور مِنْ هَذَا الْبَحْر. ثُمَّ خَرَجَا مِنْ السَّفِينَة فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِل إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِر غُلَامًا يَلْعَب مَعَ الْغِلْمَان فَأَخَذَ الْخَضِر رَأْسه فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ فَقَالَ لَهُ مُوسَى (أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّة بِغَيْرِ نَفْس لَقَدْ جِئْت شَيْئًا نُكْرًا) (13) قَالَ (أَلَمْ أَقُلْ لَك إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا)(14) قَالَ وَهَذِهِ أَشَدّ مِنْ الْأُولَى (قَالَ إِنْ سَأَلْتُك عَنْ شَيْء بَعْدهَا فَلَا تُصَاحِبنِي قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْل قَرْيَة اِسْتَطْعَمَا أَهْلهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيد أَنْ يَنْقَضّ) (15) أَيْ مَائِلًا فَقَالَ الْخَضِر بِيَدِهِ، فَأَقَامَهُ فَقَالَ مُوسَى: قَوْم أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاق بَيْنِي وَبَيْنك سَأُنَبِّئُك بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا، فَقَالَ رَسُول اللَّه (وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصّ اللَّه عَلَيْنَا مِنْ خَبَرهمَا).»[12]
بعِيدًَا عن الغُثَاء في التُراثِ

ما هُو التفسِيرُ الحقِيقِي والمنْطِقي لهذِه القِصة اعتِمادًا على القُرآن الكرِيم فقَط دُونَ الاعتِماد على أيِ مصدَرٍ خَارجِي؟

فلنتَناوَل أولًا سٌورةَ الكَهفِ باختصَار. ورّدَ ففي سًورةِ الكَهف قِصصٌ وأمثالٌ ورؤىً، هذا هو تَرتيبُهَا:
1. قصَةُ فتيةِ الكَهف، والتي بَدأَ اللهُ تعالَى تفصيلَها بعدَ قولِهِ: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا.9.
ويدُل سيَاقُ الآيةِ على أنَ القِِصَةَ كانَت مُنتشِرَةً ومُتداوَلةً بينَ النَاس وأنَها أثارتْ عَجبَ النبِي عليهِ الصلاةُ والسَلام منِ إمكَانِية حدُوثِها، فنزلَ البيانُ القُرآنِي يُؤكِدُ صحتَها ويسرِد بعضَ تفاصِيلِها الهَامَّة:
عددٌ من الفِتيان رفضُوا عقِيدَة الشِرك: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ. واعتزلُوا قومَهٌم، وذهبوُا للكَهف الذِي تحولِ لقبرٍ لهُم لمِئاتِ السِنين، وقد جعلَ اللهُ تعالَى القومَ يعثُرون لاحِقًا على جثامِين الفِتيةِ الذينَ توفُوا بعدَ غروبِ شمْسِ نفْسِ اليَومِ الذِي أفاقُوا فيهِ صُبحًا.
واختلفُ القومُ وتنَازعُوا أمرَهم وفي النهاية انتصرَ الرأيُ الشِركِي بتحويلِ مكانِ دفنِهِم إلى ضريحٍ مٌقدَس:مَسجِد: مكانٌ لتقديس الفِتية واعتبارِهُم أولياء مُقدسِين.. ويبدُو من اختلافِ القِصةِ بين المُحدِثِين في عصرِ النبي محمد عليه الصلاةُ والسَلام أن مَكانَ الضرِيح قد تعرضَ للدمَار، وكذلكَ القَوم، ولا أحد يعرفُ حقًا أينَ هُو الكهفُ، والضريحُ الجماعِي، وأن الفيصلَ والدَليلَ القاطِع سيكُونُ إيجاد الرقِيم، وهُو لوحٌ حَجريٌ نُحِتتَْ عليهِ كِتابةً معلوماتٌ رقَميةٌ هِيَ:
أ.عددُ الفِتيةِ الحقِيقِي.
ب .أعمَارهُم بنَاءً على التدقِيقِ في أشكالِهم وبنيتهِم الجَسدِية.
ت.وصفٌ دقيقٌ لهُم بالأرقَام للطولِ والعرْضِ.
ث.تحديدُ الفترَة الزَمنِية التي عاشُوا فِيها سابِقًا بناءً علَى المَالِ الوَرقِي الذِي كانَ معهُم، كمًيةُ المَال، وتوثِيقُ الفترةَ الحَالية التي بُعثُوا فِيها.. بالأرقَام.
ج.تحدِيدُ موقعِ الكَهف جُغرافِيًا وترجَمةُ ذلكَ رقمِيًا بالنِسبةِ بالإتِجاهات بالشمسِ والنُجوم
وعددِ أيامِ المَسير للوصول لمكانِ الكهف.
ح.وصفُ دقيقٌ ومٌفصَّل للكَهفِ بالأرقَام.
إذًا الرَقيمُ هُو كِتَابٌ مَّرْقُومٌ، غيرَ أن بنيتَهُ الحجَرية، وذِكرهُ بالمبنِي للمَجهول، أدَى لِاختلافِ التَسمِية. بعد قِصةِ فِتيةِ الكَهف، ورد التَالِي:
٢.ضَرْبُ مّثلُ رجُلين لهُما جنَتان، اغتَرَ أحدُهما بمالِه وجنِته فكَفَر.
٣.ضَرْبُ مثَل الحَياةِ الدُنيا كمًاءٍ اختَلطَ بهِ نبَاتُ الأرضْ.
٤.قِصةُ السُجُود لآدَم باختصارٍ شدِيد وكونَ إبلِيس، الرافِض لأمرِ الله تعَالى بتكْريمِ أدَم مِن الجِن، وأنهُ وذُريتهُ عدوٌ للبشرِية.
قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا.
٥.موسَى عليه السلامُ وفتاهُ والحُوتُ والعبدُ الصَالِح و٣ حَوادِث عَجِيبة ابتدَأت بِقَولِه تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا.
٦.قِصةُ ذِي القَرنين، وقَد ابتدَأت بقولِهِ: وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم منْهُ ذِكْرًا.
إِذًا ما بَيْنَ أمثَالٍ تٌضرَبُ وقِصصٍ تُقصُ، تَقِفُ قِصةُ كليمُ الله تعالى، الرسولُ الكَريمُ موسى عليهِ السَلام مع الفتَى الغامِضْ ومع تِلكَ الشَخصِية الغاِمِضَة مٌتًفردةً بالتالي:
-أولًَا: القِصةُ يَسٌودهَا الإضطِرابُ من أولِها لآخِرها.. نرَى موسَى عليهِ السَلام معْ الفَتى الغامِض في رحْلةٍ، على الأغلَبْ في البَحر، يقصِدُون فِيهَا الوُصولَ إلَى مجْمعَ البحْرَين وبرزخِهِ، أي مكَانُ مصَب النهرِ بالبَحر والتقاء المائين وهو مكانٌ شاسِعٌ، فتُهبُ عليْهما عاصِفةٌ قبلَ وصولِهمَا المَكانَ المُحدَد، ثمَ يجهَدان للنجَاة؛ فيتجِهان إلَى جزيرةٍ صَخرية؛ فتَظهرُ إشَارةٌ لم نكُن نعلمُ عنهَا شيئًَا، ويَراهَها الفتَى فقَط، في وسَطِ هذَا الإضطَرابِ الهَائِل.
بعدَ تجاوُزهما العاصِفَة، ؤطْلبُ موسَى عليه السلام الغَداءَ مِن فتاهُ ،يُسبب ذَلِكَ تدَاعِيًا للأفكَار لدَى الفَتَى: فيتَذكرُ الحوتَ الذي رأهُ خِلال العاصّفة يظهَرُ بشكلٍ طبيعَي، ولكنهُ بدَا أيضًا وكاَنهُ يتعَمدُ الظُهُور لِمَن يَراه، أي الفَتَى؛ ما أثَار تعَجُبهُ دُون أنْ يُخبر مُوسى .إذًا مجمعُ البحرين لم يَكُن العَلامةَ الوحيدَة، هناكٌ حُوتٌ يظهرُ كعَلامةٍ مُتفَقٍ علَيهَا هُناك، وبِسببِ العاصِفة والسِعيَ للنجاة نسِيَ الفتَى ومعهُ مُوسى الحُوتَ، ولم يُدرِكا أنهُما وصَلا فِعلًا مَجمعَ البحْرين.
بعدَ أخبارِ الفتَى لِمٌوسى بشأنِ الحُوت، عادَا أدرَاجهُما ليجِدا الرَجُل الصَالِح في نفسِ اتجاهِ البَرِّ الذي دلَلَ عليهِ الحُوتُ بحركاتهِ، ونعلَمُ هُنا أنَّ اللِقاءَ معَ ذلِك الرجُل كانَ الهدَفُ الأساسِيُ منَ الرِحلةِ.
إذًا نرَى أحدَاثًا مُتلاحقِة يكِشفُ فيهَا كُل حدَثٍ عَنْ آخَرَ ،حيثُ تظهرُ لمٌوسى تِباعًَا = مجمعَ البَحرين، الجَزيرَة الصَخرية،الحُوت، الرجُل الغامِض، وكأن المَعلوُمة تتَبينُ لهُ عِنْد كُلِّ َ مَفصَلٍ فِيهَا.
بعدَ ذلِكْ، يختَفِي الفتَى المٌرافِق لِمُوسَى عليهِ السَلام فجأةُ ويخرٌجُ من المَشهدِ نهائِيًا
وبدونِ أي ذِكْرٍ للسَبب، ويبقى مُوسى عليهِ السلامُ مع الرَجُل الغَامِضِ الهَوية، وهُنا نرَى طلَباً من مُوسى للرجُل الغامِض: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا؟
وهُو طلَبٌ أغرَبُ مِن الخَيَال. أن يطْلُبَ رسٌولٌ عِظيمُ الشَأنِ عِندَ ربِّهِ، أنْ يَطلُبَ مَن رجُلٍ غامِض العِلمَ والمَعْرِفة مُقابِل الرِفقَة، أيْ كمَا كانَ الفَتى مُرافقًَا لمُوسَى.
إذًَا تكشِفُ الأحدَاثُ هُنَا عن تَراتُبيةٍ واضِحة: الرَجلُ الغَامِض، موسى، ثم الفتَى. ولقدْ وصَفَ الحقُ سُبحانهُ ذلِكَ الرَجُل بـ(آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)، وهٌو أمرٌ، نَقصِدُ هُنا العِلم، كانَ مٌتوفِرًا لمٌوسَى الذي يُكلِمُ ربهُ سُبحانهُ وتَعالَى. إذًا،ما هِي الغايةُ الحقيقِيةُ لمُوسى، هل كان لهُ مأرَبٌ خَفِي؟
بعدَ ذَلِك يَردُ الرجُل الغَامِض بِردٍ عِجيب: قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، ويُبرر
ذلِكَ بقولِه: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا. أي أنَ مِيزةَ التَفوق في العِلمِ لدَيه تتعَلقُ بمعرفةِ غَيبٍ لأحْداثٍ ستَقعُ، حيثُ سيتَصرفُ فيهَا بشكلٍ سيَستفِزُ مُرافقَهُ،أي مُوسَى.
فهل هذَا هوَ العِلمُ الذِي كانَ يبحثُ عنهُ مَنْ يُكلِمُ ربَهُ عز وجَل مُباشرَةً؟

تقعُ بعدَ ذَلك٣ ثلاثةُ قِصَص:

القِصةُ الأُولَى: ركوُب السَفينَة وخَرقُها: فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا. والتبريرُ لاحِقًا بأنهَا كَانَت لمَساكِين يعملونَ في البَحر وهم يتبَعُونَ لِملكٌ يأخذُ كُل سفِينةٍ تُعجِبهُ.
السؤُالُ هُنا: لِماذا لَم يأخُذها المَلِكُ مِن قَبلُ، وهَل الثُقبُ الذي أحدَثهُ الرجلُ الصَالِح،والَذِي أدَى إلى غرَقٍ جُزئِي للسفِينة كفِيلٌ بإنهاءِ مطامِع ملِكِهم، مع العِلمِ بأننا لا نَرى هؤلاءَ المَساكِين يقُومُون بأي ردِ فعلٍ تِجاهَ الرَجُل الذِي ثقَب مصدَرَ عَيشِهم خُصُوصًا أن عملًَا كهذَا سيستَدعِي ضجَةً وصخبًا لِأنهُ تمَّ في بدنِ السفِينة؟
يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد