طلبُ موُسى عليهِ السَلام

(وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْإِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَىصَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ 143‏ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ {144}وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَيَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ 145) الأعراف.

مُلاحظات

1- لم يَطلُب عليهِ السلامُ الرُؤية المُباشَرة للهِ تعالَى: (أَرِنِي أَنظُرْ) هُوَ طَلَبٌ بتعليمهِ كيف يكتَسبُ حقَّ الوصوُل إلى المقَام الذي يُؤهلهُ الرُؤيةً= (عَلِّمنِي)،وإلا لو طلبَ الرُؤيةَ المُباشرة لكان حالهُ كحال بني إسرائيل: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ 55) البقرة.

2- أٌوتِيَ مُوسى عليهِ السلامُ الألواحَ قبلَ سؤالهِ وقبلَ أن يُغشَى عليهِ: (وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ 143‏ قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ 144).

إن عِبارةَ (فَخُذْ مَا آتَيْتُك) في الزمنِ الماضِي تُظهر بِدُون التِباسٍ على أن تَلقِي الألواح قد سبقَ الطَلبَ والإغْمَاء، وأن مُوسى عليهِ السَلام قرأَ مِنها وأدركَ أن هُناك رسُولًا سيأتِي من بعدهِ أعلى مَقامًَا: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

وأنَ مُوسى طلبَ ما طَلب من ربهَ عزَّ وجَلَّ لأنهُ أدركَ مِن التَوراة عُلُوَ مقامِ محمد على مقَامهِ، فأرادَ أن يعرِفَ ما الذي يُميزُ مُحمد عنه فطلَب مِنَ الله تعَالى ما طَلب، وردِ عليهِ ربهُ: (قَالَ لَن تَرَانِي): وهُو نفيٌ مُطلق للحياةِ الدُنيا وجوابٌ قاطِعٌ لمُوسى: بأنَكَ لن تَصِلَ لذلكَ المقَام أبدًا،ونُسِفَ الجَبلُ كدرسٍ لمُوسى، وتَهيئَةً لهُ للرُؤيا التي ستُبينُ لهُ سببَ رفضِ طَلَبه. وسَقطَ عليهِ السَلامُ مغشيا عليه، ليرى نفسهُ في تِلك الرحلة مع نبِيٍ يأتي بعْده يسعيانِ لِلقاءَ الرَجلِ صاحبِ العِلم والمَقامَ المُتميز.

تأويلُ الرُؤيا والأدِلَةُ القُرآنِية

(وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا (76) فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا 82) الكَهف.

الرؤيةُ رآها محمدٌ ص أيضا، ولكنهُ رأى الجزُء المتعلقَ به. أي عندَما وصلَ مُوسى إليهِ يُرافقُه نبيٌ آخر، عليهم السلام. قال اللهُ تعَالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ ۖ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ 23) السَجدة. وكما نَرى هُنا، فإن الله تعالَى يُؤكدُ لرسُوله صَوابيَة الرؤية التي رآهَا، وبأنَهُ التقَى بِمُوسى فعِلا في تِلكَ الرُؤيا.

استخدِمَ الفعلُ بلغَ في الرُؤيا المتعلق ببُعدهِ الأساسي بمراحِل زمنية مُحددة ،فرحلتهُ لَم تَكُن مادِيَة: (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا 60) الكهف.

الفَتى المُرافقُ لمُوسى هو عِيسى، عليهما السلام، وذُكر بالفئة العُمرية تلك لِبيانِ عُمرِ النُبُوَةِ القصير الأمَد الذِي عَاشَهُ عليهِ السَلام، حيثُ تُوفيَ المَسيحُ قبلَ بلُوغهِ الثلاثين ووصُوله مرْحلَة الكُهولة.

البحرين هُما: الإنجيلُ يَصُبُّ في التَوراة .

الحوتُ هُوَ خَبَرٌ مُحتَوىً في البَحرين، فَكمَا حَوَى الحُوتُ يونُس عليهِ السلامُ في الوَاقعِ الَمادِي، الحُوتُ هُنا في الرُؤيةِ يَرْمزُ لخَبرٍ مُحْتوىً في التوراةِ والإنجِيل: أيْ النبُوءةَ المُتَعلِقةُ بالنبي والرَسُول الأُمي: مُحَمد صلى الله عليه وسلم.

العَاصِفةُ هي اضطراباتٌ تُحيطُ بمُوسى وعِيسى عليهِما السَلامُ، والجزيرةُ الصَخرِية حبلُ نجاةٍ من الله تعالى لهُما.

يَنتهِي دورُ عِيسَى ص مع الوصُول لمٌحمَّدْ صلى الله عليه وسلم ويختفِي من المَشهَد، ويبَقى مٌوسَى عليهِ معهُ لِينطلِقا في رِحلةٍ من ٣ أطْوار، حيثُ يرَى فيهَا مُوسَى عليهِ السَلام ما اختُصَ بهِ مُحمدٌ ص من مِيزاتٍ جعَلتهُ الرَسُول الخاتَم المُميَز.

(فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا 65).

– العَبد+ رَحْمَةً + عِلْمًا

-صِفةُ (عَبد) تأتِي كأعلّى مقَامٍ قد يتَصفُ بهِ إنسانٌ مِن الله عزَّ وجَل. وقدْ أُشير لِمُحمد بالعِبد في أياتٍ نذكرُ منهَا: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى1) الإسراء. (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا 19) الجن.

-(آتَيْنَاهُ رَحْمَةً) (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ107) الأنبياء. إنَّ اتِصافَ المُرسلَ مِن الله تعَالَى بالرِحمة عائِدٌ بالأصَالَة إلَى الرِسالةِ التِي يَحملُها، والتِي ستكُون رَحمةً وحَسنةً لكُل من يُجيبُها مِنَ العَالمِين فِي الدُنيَا والآخِرَة.

– (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) = تُبينُها الآيَة: (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْك عَظِيمًا 113) النِساء.

بيانُ القِصصِ الثَلاثَة

أ. السَفينَةُ والمَساكِين والمَلِكُ الظَالِم : السَفينَةُ هُنا رَمزٌ لِأُسلوبِ حَياةٍ ومعَيشةٍ في بحْرالحَياةِ والَتقدُمِ الحَضارِي ،أمَّا المَساكِينُ فهُم الشعُوبُ المَقهُورة الرَاضِية .خَرْقُ السَفينَة هُوَ إِصْلاحٌ مُطلُوبٌ في القَوَانينِ النَاظِمةِ والمُسيِّرةِ حَتَّى لا تسقُطَ الشُعوب وتنتهِي تحتَ حُكمِ أنظِمَةٍ ظَالِمة تُهيمِنُ على أُسلوبِ حياتِهَا,الذي يَبدُوا مِثالِيًا في الظَاهِرة بما ارتَضُوهُ لأنفُسِهِم,لكنهُ بِحَاجةٍ لإصلاَحٍ عَمِيقٍ والذي يُظهَرُ كتخرِيبٍ لهُم.

ب. الغُلامُ المَقتُول هُو جيلُ الشِركِ والكُفرِ الذِي كانَ سيَنشَأ لُو لم يُرسَل مُحمد صلى الله عليه وسلم مِن الله تَعالَى بالكِتابِ المُنِير. بعْثهُ عليهِ السَلامُ أبْدلَ جِيل الشِرك النَاشِئ بِجِيلٍ مُؤمِنٍ.ِ القتلُ هُنا هُوَ إزَالةٌ للشِرك. أمَّا الأبَوينِ فيُقصَدُ بهِمَا: الجِيلَ المُؤسِسْ : إبرَاهِيمُ وإسْمَاعِِيل عليهِما السَلام.

استَخدَم اللهُ سُبحانهُ أَبَوَاهُ، ولم يَستَخدِم والِداهُ، ولِهذَا دَلالَةٌ بَالِغَة. لَو اسْتمرُ جيلُ الشركَ لأنْهَى كُل الإرْثِ الإبراهِيمي الإسْماعِيلِي في جَزيرَةِ العَرب وطَمسَ البيتَ الحَرامْ،وضِيَّعَ التُوحِيد إلَى الأبَد، والذِي كانَ مَوجوُدًَا رغمَ ضَآلتِهِ. ولنَذكُر هُنا دُعَاء الأبَوَين إبراهِيم واسْمَاعِيل عليهِمَا السَلَام :{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) البقرة.

ت.الجِدارُ واليَتيمَان والكَنز:

أمَّا الكَنزُ هُنَا فَهُوَ الحَقِيقَة المُخبَأة، والجِدارُ هُو إرَادةُ أهلِ القَريَة التِي تُرِيدُ إِخفَاءِ الحَقِيقَة إلَى الأبَد. أهْلُ القَريةِ هُم جُزءٌ مِن أهلُ الكِتاب. الغُلامَان اليَتِيمَان هُمَا: مُوسَى و عِيسَى ابنُ مَريَم: الغُلَام: باختِصَار: تعنَي كلِمةُ غُلَام الوَلَد الذِي يَغُلُ والَدَيهِ مِن القِيَامِ بِشيءٍ آخَر سُِوََى مُِِتابعتِه بالخُطوَة وذَلِك لِكونِهِ شدِيدَ الإعتِمَادِ عليهِمَا في هذهِ المرَحَلة العُمرِيَة الحَسَاسَة: مِنَ الوِلادَة حتى نِهايةِ عقدِهِ الأول.

مُوسِى وعِيسَى عَليهِمَا السَلامُ يُذكَرانِ بِصفَةِ اليُتمِ لِكونِهمَا وُلِدَا يَتِيمَينِ: وهِيَ أشَارَةُ تَمييزٍ لهُما حتى نعرِفهُما، أيضًَا ذُكِرَ أنهما ينتمِيَان لنفسِ المَدِينَةِ: أي ينتَمِيَانِ لبَنِي إسرَائِيل. وصفُهمَا بهذهِ الفِئَةِ العُمرِية غلامَين إشِارةٌ لمدَى عجزِهِما عن التَغيير، وكَشفِ الحقِيقَة. فاحتاجَ ذلكِ طرفًا آخَرَ يمنعُ دفنَ الحقيقَة رُغم أنفِ أهلِ المدِينَة. أمَّا قَولهُ: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ) فهُوَ إشارةٌ لاتسَاع دعوَتَيهِما عالَمِيًا.

وجُملةُ (وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا) هُوَ وُجودُ أقوالِهمَا وأفعالَهِمَا فِي فُرقَانِ القُرآنِ حيثُ ينطِقَانِ بمَا جَرَى حَقًَّا ويُبطلانِ االباطِلَ الذي قِيلَ في حقِهِمَا.

أمَّا قولهُ تَعالَى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا): كلِمَة: أبُوهُمَا تُستَخدمُ لبيانِ وِحدةِ مَنهَجِ الرُسُل: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ 133). وبالتالِي إن مَعنَى (أبُوهُمَا) الوِحدَةُ في المِنهَاج المُتَّبَع المُورَثِ من الأجدَادِ.

إن تَبرِئةَ مُوسَى عِليهَِ الُسَلامُ في القُرآن الِكَريم مما نُسِب لهُ على لسَانِ بني إسرائِيل واضحةٌ في كَثيرٍ من الآيات.. ولنضع مثالًا هُنا من التوراة: (فَقَالَ مُوسَى لِلرَّبِّ: «اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ» 11. فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «مَنْ صَنَعَ لِلإِنْسَانِ فَمًا؟ أَوْ مَنْ يَصْنَعُ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ بَصِيرًا أَوْ أَعْمَى؟ أَمَا هُوَ أَنَا الرَّبُّ؟ 12 فَالآنَ اذْهَبْ وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَأُعَلِّمُكَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ». 13 فَقَالَ: «اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَرْسِلْ بِيَدِ مَنْ تُرْسِلُ». 14 فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى مُوسَى وَقَالَ: «أَلَيْسَ هَارُونُ اللاَّوِيُّ أَخَاكَ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ يَتَكَلَّمُ، وَأَيْضًا هَا هُوَ خَارِجٌ لاسْتِقْبَالِكَ. فَحِينَمَا يَرَاكَ يَفْرَحُ بِقَلْبِهِ،15 فَتُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ، وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَمَعَ فَمِهِ، وَأُعْلِمُكُمَا مَاذَا تَصْنَعَانِ. 16 وَهُوَ يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ. وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا، وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلهًا. 17 وَتَأْخُذُ فِي يَدِكَ هذِهِ الْعَصَا الَّتِي تَصْنَعُ بِهَا الآيَاتِ» (الإصحاح الرابع).

وفِي التلمُود نَجدُ التَالِي:

when he was a child, sitting on Pharaoh’s knee} Moses took the crown off of Pharaoh’s head and put it on. The court magicians took this as a bad sign and demanded that he be tested: they put a brazier full of gold and a brazier full of hot coals before him to see which he would take. If Moses took the gold, he would have to be killed. An angel guided Moses’ hand to the coal, and he put it into his mouth, leaving him with a life-long speech impediment (Ex. 4:10.

أَخَذَ مُوسَى تاجَ فرعون ووضعهُ على رأسهِ ,فاعتَبرَ ساحِرُ القَصرِ ذلك إشارةً سَيئَة وطَالَب باختِبار مُوسى فاحضروا له فحمًا مُلتهبًَا وذهبًَا.. فإذا اختارَ الذهبَ يُقتَل… ولكنهُ اختارَ الفحمَ ووضعهُ في فمهِ ما سَببَ لهُ إعَاقةً في لِسانهَ ونُطقِهِ… لقد بَرَّأَ القُرآنُ موسَى عليهِ السَلامُ مِمَا سَبَق:

قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا}(35) طه.

إن عُقدَةُ مُوسى عليهِ السلام تتجلى في نِسيَانهِ الجُزئِي لَلُغَةِ فِرعَون وقَومهَ.. فطلبَ من الله تعالى المَدد، وأن يكونَ هارُون معهُ كونهُ لم يُفارَق قومَ فِرعَون… ونرى في الآياتِ تعظِيمَ موسى وتقدِيرهُ لِربهِ عز وجَل.

بالنسبةٍ للمَسِيح عليهِ السَلام: لقدْ بَيَّنَ القُرآنُ الكَرِيم حقَيقَة أُمِهِ مَريَم عليهَا السَلام ومن هُو والِدُها وحقيِقَة المَسيحِ عليهِمْ السَلام والحَمل المعجُز ووِلادتُهُ وكلَامهُ في المَهدِ الذِي أبعَد عن والدَتهِ الشُبهةَ والعذَاب ونفيِ صَلبهِ ومقتلهِ مذلُولًا.

عِمْرَان والِدُ مريَم: ذكَرهُ القُرآنُ الكَريمُ بصِيغَة الصِفَة كمَا هُو حالُ الأسمَاء في القُرآنِ.

الكَريم: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) التَوبة ١٨.

عِمارةُ المَساجَد لا تكُون ببنائِها فقط،فهذَا أمْرٌ مفروغٌ مِنه …وقد بنَى المُنافقُون مساجِدَ الضِرَار فنُهِيَ المُسلِمُون عن الصَلاةِ فيهَِا. إنَّ عَمارَةَ المَساجِد يُقصدُ بِهَا المدَاومةُ علَى القُدُوم لهَا: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ 37) النُور.

عِمْرَان= الرجُل الذِي كان يتَواجدُ دَومًا في بُيوتِ الله يعْمُرهَا بالعبَادَة ويَعتَنِي بِهَا = الرجل الصالح التَقِي. أي أنهُ كانَ رجُلًا صالِحًا وأمُها كذِلك التِي أراَدَت ذَكرًَا لا أُنْثَى ليحمِل أعْباءَ العِنايةَ بالمعبَد.

(إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }35 آل عمران. إنَ تَعبِيرٍ (امْرَأَتُ) + َ التَاءِ المَبسُوطَة في رَسمِ المُصحَف الشَرِيف فِي (امْرَأَتُ) والذِي يدُلُ علَى اتِسَاعَ سُلطتَها في بيتِهَا يَدُلُ علَى أنَ عِمرَان كانَ مُتوفِيًا. وقد كانَت مريَم بعدَ وفاةِ أُمهَا، وخِلالَ سنَواتِ كفَالةِ زكريَا لهَا نُسخَةً عَن والدَها: عِمْران، في الصَلاحِ والتَقوَى.

إذا قرأتَ شجَرةَ نسَبَ المسِيحِ عِند أهلِ الكِتَاب فَستَجدُ به غيرَ الصَالِحين، بينما يقُول القُرآنُ أنهَا كانَت مِن نَسْلِ صَالِحِين طَاهِرين. يقُولُ آخرُون بأنهَا كانَت مخطُوبةً وهي في الثانية عشر من عُمرِهَا لتسعِينِي وحَملتْ بعِيسَى، وهِي كذَلِك، وذلِكَ في سعيهم لِتبريرِ عدمِ إقَامَةِ الحَدِ عليهِا، وبينَمَا يَسْردُ القُرآنُ واقِعًا مُختلِفًا من ناحِيةِ مُقاطعتَها للرجِال والكَلامَ معهُم، ودَرءَ عيسَى العذَاب عَنهَا بِتَكلِيمِهِ في المهدِ لقومِها، كذلكَ يُبينُ لنا القرآن ان عِيسَى كانَ بَارًَّا بِوَالِدَتِهِ.

القصَةُ الثَالِثة تُبررُ اختِفاء الفتَى عِيسَى عليه السلام مِن المَشْهَد الأول بينَ مُوسَى ومُحمَد عليهَما السًلام، بينَما بَقِيَ موسى كونهُ صاحَب الرُؤية، ثُمَ مِن مُجمَلِ الأحدَاثِ الثَلاثَة يتَبينَ لمُوسى عليهِ السَلام مَقامَ مُحمد صلى الله عليه وسلم: (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ 143) الأعراف.

بِمَن آمَن مُوسَى عليهِ السَلام؟ واللهُ تعالى أعلَم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد