أنا لست شاعرة، وقد لا أفهم شيئا من قواعد الشعر إطلاقًا، لكني أعلم جيدًا أن غاية الشعر تتحقق بمدى تأثيره فيمن يقرأه.

بأقل كلمات ممكنة وبإيجاز تام استطاع «مصطفي إبراهيم» أن يلمس عمقًا ما في داخلي، ويُريني صورًا ويُفهمني حقائق ما كنت لأرها أو أفهمها لولا قراءتي لكلماته.

فقد كان صادقًا جدًا حين قال:

يا دنيا أنا بكتب للجاي بعديا،

وأنا جاي بعدي ألوف،

إن كنت باخد صور للقصة مش ليا،

فأنا نفسي غيري يشوف

فعندما نتحدث عنه لا نستطيع أن نتحدث بموضوعية ودون مبالغة، فنحن لا نتحدث عن مجرد شاعر موهوب لمع اسمه بين أبناء جيله فقط، إنما نحن بصدد أحاديث كثيرة عن الثورة والحياة وأشياء أُخرى.

مصطفي إبراهيم هذا «الفلان الفلاني» الذي يدين بدين «الجدعنة»، والذي لا يعنيه أبدًا فك خيوط «سلك السماعة»، هذا الشاعرالذي يحمل وطنه فوق جبينه فهو «عيان بحب الوطن»، الثوري الذي لبى نداء الثورة فهو يرى أن «الثورة ساعة قضا».

شاب مصري لا يتجاوز إنتاجه الشعري ديوانين فقط، ومع هذا فهو الفيلسوف المشاكس، وأفضل من كتب عن الثورة من بداياتها حتى النهاية، وأصدق من عبر عن الحياة وهوامشها بقصائد متفرقة متماسكة في ذات الآن.

كتب مصطفى أول ما كتب «ويسترن يونيون فرع الهرم» فكانت الكتابة مبهرة لحد كبير.

بدايةً من الإهداءات، هذة الإشارات المبهمة عن عائلته وأصدقائه ونماذجه الإنسانية التي تأثر بها وساهمت في تكوينه كشاعر، والتي فك طلاسمها في حديثه للأهرام العربي.

«إلى أمي اللي عرفتني على الكتب» صاحبة كل الفضل عليه في إدخاله عالم الكتاب والتي أشربته حب الشعر.

«وبعدها معرفتنيش» لانعزالها عنه وعن كل شيء بعد وفاة شقيقته، قائلًا في ذلك أنه طالما تمنى أن ترى نجاحه وتشاركه فيه، ليصبح القارئ الأهم الذي يحاول الوصول إليه غير مكترث أو مهتم.

«إلى بحر إسكندرية اللي نفذ الجريمة الكاملة» الإسكندرية حيث بداية عهده بأبيه، ثم اختفاؤه وعودته وهو شاب في العشرينات إلى الإسكندرية أيضًا، ليتوفى بها دون علمه بذلك، ليشعر بأن بحر إسكندرية قد أنهى حكايته مع أبيه بشكل درامي غريب قبل بدايتها.

«لكل الولاد اللي جابتهم مصر قبل ما تمشي في البطّال» حيث يستثنيهم من بين كل أبناء مصر، فهم من حملوا همها وناضلوا من أجلها، بعد أن أصبحت القاعدة هي النماذج المشوة الفاسدة.

وإلى آخر الإهداءات التي تعتبر قصيدة بذاتها تحمل في كل سطر منها جزءًا من سيرته الذاتية ببساطة وتلقائية غير معهودة، على الرغم من أنه «أكتر واحد يقنعك إنك تحكي وميحكيش».

«ويسترن يونيون» الذي يهديه مصطفي بأجزائه الثلاث: لله للوطن وللزحمة، بتوزيع رائع، فتلك طبيعة المهندس الشاعر.

وعن قصيدة «من غير مناهدة» والتي يفضل فيها أن «أخسر لكن مبقاش جبان».

تروقني هذ العبارة جدًا، وكثيرًا ما أتذكرها وتخاطبني قلبًا قبل العقل.

وعن المرات التي قرأت فيها هذة الكلمات، فلا قراءة واحدة تكفيها، ولا قراءات عديدة تجعلني أملها.

صاحب المكان ينده عليا، ويقولي هاه!

نفسك في إيه؟!

أسكت وأتهته وأقول «رضاك»

ويقول تعبت ولا إيه؟

أقوله خدني أفضل معاك

يحضني جامد مرة واحدة

واللي خسرته في ألف دور

يردهولي في ضمة واحدة

يرمي جوه قلبي نور

ألقی كل حاجة غير

ألقی كل حاجة خير

ألقی نفسي زي طير

عاش ومات من غير مناهدة.

عن مصطفى «التايه في الزحام»

وعن مناجاته لله بحروف لم يُكتب مثلها من قبل،

«يا رب يا اللي سايبلي الحبل عل الغارب»

وتصويره لإساءة الإنسان وخطئه بصدق وصراحة شديدين:

«وأسيب إيدك.. وأعيد الكرة ميت مرة.. وماتخذلنيش ولا مرة.. تقوللى حضنهم بره.. لا عمره يساع دراع سيدك.. وأنا لسه.. بسيب إيدك!».

عن كاتب «الأولة أرزاق» هذه القصيدة وصياغتها تحمل خفة وعمق يدلان على موهبة كان ولا بد أن تضاف لتاريخ الشعر العامي.

وأقرأ «والتالته..  بشتاق لطعم الفرح والضحكة يا شيخ أيوب أنا ملّيت.. حدوق إمتا؟ ف قاللي قريب، متزعلشي» لتعبر ثنايا روحي بكل خفة الكون.

هذا الديوان الثري جدًا في قصائده أسلوبًا ولغة ومعاني صادقة بدايةً من: شفته، دفتر أسامي الهاموش، حصر مصر، نهايات مفتوحة، إلى نهايته في: كانت هتفرق في الوداع.

ماهي إلا حروف تنبض بالحياة وتكتبنا جميعًا.

ثم ديوان «المانيفستو» والذي في بدايته كُتب

«يروي الفترة من أول الموضوع حتى التحام الفرد بالمجموع»،

تجد فيه مصطفي الثائر في الصفوف الأولى منذ اندلاع الثورة يكتبها بوازع إنسانيته ومصريته، ويعترف أن لا طاقة له للكتابة عن الفراشات وحمامات السلام، فهو يرى أن أفضل الشعر أصدقه

ستجد فيه:

تاريخ الثورة باللمة من الشارع للميدان للومان

الوقفة جنب النار.. بتقلل الدخان

اهتف هتاف ابن المكان والظرف

اضرب بعزمك.. أو ما تضربش

ارجع بضهرك.. أو ما تهربش

امسك عصاية ثورتك م الطرف

التاريخ ضمن الغنايم.. وبيكتبه الكسبان

فإن كنت ممن لم يعاصروا أوقات الثورة، فيُنصح بالمانيفستو بشدة.

وقصيدة إني رأيت اليوم، والتي يحكي فيها عن استشهاد الحسين في كربلاء ويقف عاجزًا أمام قفلتها لتكون نهايتها استحضاره لشهداء الثورة في صورته.

إنى رأيت اليوم

الدم ع الآيش

وإن الحسين إحنا

ومهما اتقتل عايش

وقصائد الـ«تُفرانيل»، المليئة بالشجن والعزلة والاكتئاب، التي كتبها بعدما أثقلته الثورة وجعلته زاهدًا في الحب والصداقة والعمل

وبزهد كل ما في الرحلة من زخرف ومزهادهش

مادام فيها رمق يتعاش

في الحقيقة كل قصائده تصلح للاقتباس وكل منها تجربة إنسانية سعيدة جدًا بخوضها،

فأنا أرى أنه شاعرالجيل والثورة والميدان،  سواءً عاد للكتابة أو لم يعد، ما كتبه كاف ليخلده في مجال الشعر العامي في مصر.

وللشعر بصوت مصطفى مذاق خاص ينصح بها في أحلى وأحلك الأوقات.

اسمعوا له هنا

 

ودواوينه هي رفيقة سفر لن تخذلك أبدًا واقتناؤها واجب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد