قد تكون سألت نفسك يوما كيف نجح الإسلاميون في تركيا وتونس أكثر من الإسلاميين في غيرهما من البلدان؟
و قد ترى أيضا أن أغلب – أو كل – القيم العلمانية من حرية وعدل وسعي للنهوض بالشعوب هي موجودة عند غيرها من التيارات، فكل القيم السابقة ثابتة في القرآن والسنة وتتبناها الحركات الإسلامية وإن بشكل متفاوت، كما يتباناها التقدمويون والقوميون وغيرهم، فلماذا نجح التونسيون في صياغتها وتبنيها أكثر من غيرهم؟

لنجيب على هذه الأسئلة ثمة حقيقة – تاريخية – يجي أن نقف عندها، وهي أن التجربة البورقيبية في تونس والأتاتوركية في تركيا – على مساوئهما – أكسبا العقلين التونسي والتركي وعيا ومناعة ضد السطحية والتفاهة، وارتقيا بمستوى الخطاب إلى القيمية والحداثية المطلوبة.

ويكفي أن نقارن خطاب الحركات الإسلامية في مصر مثلا في الستينات والسبعينات والحركة الإسلامية الوليدة في تونس، فالأولى كانت قائمة على صدام مباشر مع الدولة مع نكهة تكفيرية واضحة في كتابات منظريها، ووصل الأمر حد تنفيذ عمليات اغتيال كبيرة لمفكرين وساسة لمجرد خلافات سياسية أو أيديولوجية.
بينما في التجربية التونسية كان الخطاب الأول للحركة (التي تحولت فيما بعد لحركة النهضة) قائما على أن الإسلام منهج حياة، وطريق حضارة وأن العلم هو الأساس الأول لأي نهضة أو تقدم، فكانت مزيجا بين عدة روافد أسهمت في بلورة فكر بناء قائم على العقل والمنطق متسمك بهويته العربية والإسلامية.

ففي مسألة المرأة مثلا كان بورقيبة قد أدمج النساء في التعليم وأعطاهن حقوقهن كاملة وأي طرح تطرحه الحركة غير ذلك يكون بالنسبة للتونسيين ردة حضارية وخطوة للخلف، فاستقرت الحركة على فكر حسن الترابي القائم على مسؤولية الحنسين في عملية البناء المجتمعي والاقتصادي وضروة إشراكهما في الحياة العلمية والعملية.
وأيام كان عبد الفتاح مورو وراشد الغنوشي واحميدة النيفر يتنقلون بين المؤتمرات الفكرية ويتدارسون الفكر الإسلامي من أفعانستان إلى المغرب باحثين عن ما يناسب العقل التونسي والمرأة التونسية المتعلمة والشباب التونسي المتنور الحداثي، كان غيرهم يلعب على الوتر العاطفي وعلى الشكليات من إطالة اللحية وإعفاء الشارب وكان خطابهم مستساغا وناجحا في استقطاب الشباب والشيب في مجتمعاتهم.

وأيام كان الكثيرون رافضين مبدأ الديمقراطية، يتلذذون بإقصاء المخالفين لهم وتفكيرهم، كان العقل التونسي قد تشبع بهذه القيمة العظيمة، فأي خطاب يطرح على الساحة يقوم على التفتيش في عقائد الناس وتوزيع مفاتيح الجنة والنار يرفض تلقائيا، وقاد ساهم ذلك في تكوين جيل إسلامي منفتح يتبنى مجابهة الكلمة بالكلمة والفكر بالفكر.

وعلى غرار كل دكتاتور فقد محى بورقيبة أغلب حسناته بجرائمه التي بدأت بتصفية اليوسفيين ولم تنته بغروره الذي جعله يفرض الحكم مدى الحياة.
ثم جاء بن على بعد ذلك بالنسخة الأسوء من الدولة البوليسية في تاريخ تونس فخنق الحريات وفتح حربا مفتوحة على كل صوت غير صوت الحزب الدستوري: من الحركات الإسلامية حتى منظمات حقوق الإنسان.
ويوم طوى التونسيون صفحة زين العابدين كانت الحركة الإسلامية بلغت أوج نضجها فنجحت بأغلبية، ومع ذلك قبلت بالتعددية وبالمنصف المرزوقي رئيسا، ولم تصر على أن مفاتيح الخير بيدها وحدها وجنبت بذلك صدام كانت عواقبه ستكون وخيمة على الشعب التونسي والتجربة الديموقراطية الأولى من نوعها في العالم العربي.

وغير بعيد من ذلك سار المجتمع التركي، فاكتسب هو الآخر مناعة ضد التفاهة والخرافة والسطحية، وكان الحد الأدنى لأي خطاب يمكن أن يستمع إليه المجتمع التركي هو خطاب جامع قائم على المساواة والعدالة الاجتماعية بعيدا عن احتكار الحق بمنطق الفرقة الناجية.
ويوم جاء العدالة والتنمية للحكم لم يحكم في فراغ، فقد حكم شعبا واعيا متشبعا بالقيم الديمقراطية قابلا للبناء.

لهذه الأسباب نجح الإسلاميون في تونس وتركيا، وسواء شئنا ذلك أم أبينا فإن التجربتين العلمانيتين كان لها عميق الأثر على هذه الشعوب التي تجني اليوم ثمار النظرة الثاقبة لآبائهم المؤسسين، وقد استفاد منهما الإسلاميون أكثر بكثير من غيرهم حيث إنهم بنوا فكرهم على بصيرة، مع وعي بالواقع ومتطلباته، فكان شعارهم في تحبيب الإسلام إلى الناس هو بـ(قضاء حوائج الناس بالإسلام)، وليس الشعارات والخطب الرنانة فقط التي كانت شعوبهم قد تجاوزتها، متأكدة أن حروب الكلام حقا (لا تسمن ولا تغني من جوع).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد