ثورة مصر

بادئ ذي بدء يجب علينا تحرير المصطلحات بقدر عالٍ من الشفافية والواقعية.

أولًا: ما تشهده مصر حاليًا ليس بثورة ولا موجة من موجات ثورية يمكن البناء عليها بدون تفكير.

ثانيًا: الثقة المفرطة في أول من دعا إلى النزول للشارع والاندفاع وراءه دفعًا تحت ضغط الواقع والرغبة في حلحلة الأوضاع قد يؤدي إلى نتائج كارثية.

ثالثًا: الاستجابة لدعوى النزول بشروط وعدم تجاوز تلك الشروط يؤدي إلى الدخول في معركة لسنا طرفًا فيها، ولا ناقة لنا فيها ولا جمل، وسنعود منها بخفي حنين وربما خسائر فادحة. التسليم عن قناعة بأنه يتم استدراج الشعب المصري لمصلحة جناح في السلطة والرضى بذلك يترتب عليه الاستعداد لتنازلات رهيبة طالما انتقدنا فيها أطراف بالتخلي عنها والتفريط فيها والعجز والفشل في تحقيق أي إنجاز على مدى ست سنوات مضت.

رابعًا: ليس هناك في تاريخ الثورات ما يخبرنا عن تحديد موعد الثورة وأماكنها وشكلها ولربما تأجيلها عن موعدها لمتابعة مباراة لكرة القدم، ثم البدء في تحركها.

خامسًا: توصيف حالة الثورة وما قبلها وما بعدها وشكل الدولة ونظام الحكم في الدولة بعد انتهاء الثورة يعطي مؤشرًا قويًا أننا أمام استخفاف أجنحة السلطة المتصارعة بأرواح الشعب المصري وكأنها أحجار علي رقعة الشطرنج يتلاعبون بها لحماية مصالح الفاسدين.

سادسًا: فساد السلطة الطاغي وعدم القدرة على احتماله والضبابية في زواله العامل الضاغط في الاستجابة للنزول.

إذا كان الحال كذلك فماذا علينا أن نفعل؟ لربما تكون تلك الفرصة هي التي ننتظرها منذ ست سنوات مضت! المشهد السياسي الآن هو صراع مصالح بالدرجه الأولى، وعليه وجب علينا أن نتعامل معه من ذلك المنطق، ولنقبل دخول الصراع وتكون مصالح مقابل مصالح.

الدخول المسبق للصراع بكل التنازلات على أمل مصالح بلا ضمانات يعتبر غباءً سياسيًا متعمدًا أو تعمد الغباء بالتغاضي عن سنوات من القهر والسجن والقتل والاغتصاب والإخفاء القسري وبيع الوطن وإفقار الشعب المصري، والرغبة في تجاوز كل ذلك، والتوقيع بالتنازل عنه والخروج لمزيد من دماء تسقط، ومعتقلين جدد في مقابل وعد بإخراج المعتقلين، أو تحسين من شروط العبودية والقهر بانتظار عسكري آخر يهب لنا شيئًا من الحياة وليست الحياة.

إذا كان هناك جناح في السلطة قرر الصراع مع جناح آخر فاسد وتحت يده أوراق تنهي بقاء هذا الفاسد في السلطة فهذا تدليس لا يمكن قبوله أو التسليم به على إطلاقه. أين كان هذا الطرف عندما باعوا تيران وصنافير مثلًا لا حصرًا؟

إذا كانت هناك رغبة في عدم إضاعة الفرصة للنزول وجب على الشعب المصري أن ينزل لمصالحه هو لا أن يتم استخدامه هو. ويتم النزول على عدة محاور:

إذا كانت الأوضاع هي تصارع أجنحة واختلاف على المصالح؛ فليدخل الشعب المصري الجيم بشروط مسبقة: الإفراج عن المعتقلين من كل الأطياف السياسية – انفراجة في الحياة السياسية – خروج الجيش المصري من الحياة السياسية بمراحل متدرجة.

إذا كان يمكن أن توضع هذه الشروط أمام السيد محمد علي وسيطًا بين الطرفين وإبداء حسن النية في تنفيذها بإخراج أعداد متلاحقة من المعتقلين قبل يوم الجمعة؛ فليخرج الشعب المصري ويساعد في أخذ اللقطة التي يريدها الطرف الذي فتح الباب للصراع والتغيير.

ولما كان الحال كذلك هو استحالة قبول الطرف لهذه الشروط؛ فعلى الشعب المصري إن قرر الخروج أن يخرج دون تنازلات أو تفريط أو استعداد لاستخدامه لمصلحة الأطراف، وحتى يكون الخروج قويًا ومؤثرًا على الشعب المصري استدعاء كل فصائله وكل قوته التي تضررت من الانقلاب بشكل مباشر. ولم يترك الانقلاب فصيلًا إلا والحق به ضررًا كبيرًا.

على الشعب المصري أن يستدعي الإخوان المسلمين، وستة أبريل، والتراس الأهلي والزمالك، والعمال والفلاحين وأستاذة الجامعات والنقابات المهنية، والأحزاب السياسية والتجمعات الشبابية والطلاب.

تجاوز الخلافات الداخلية بين مكونات الشعب المصري، وتأجيل نقاط الخلاف إلى ما بعد تحقيق واقع جديد على الأرض يسمح بفرض شروط أو الدخول في مفاوضات تتيح التدرج في انتقال السلطة العسكرية إلى سلطة مدنية.

ولأن هناك دعوات استباقية استقصائية للإخوان المسلمين؛ فعلى الإخوان المسلمين أن يكونوا في الميدان باعتبارهم جزءًا من مكونات الشعب المصري. الثورة لا تستدعي قيادة تقودها، بل إن قيادة الثورات يفرزها الواقع على الأرض كما أفرزت ثورة يناير قيادات ميدانية وقيادات سياسية وإعلامية.

إذا دخل الشعب المصري ذلك الصراع بتلك المكونات فإن تغيير المعادلة لصالحه حتمية، مع الأخذ في الاعتبار أن الأحداث ستتغير عند منحنى ثوري معين، عندما تتصادم المصالح بين الطرف المنتصر من أجنحة السلطة وبين الشعب المصري فإن المواجهه ستكون عنيفة ودموية. فهل يستطيع الشعب المصري أن يصمد أمام متغيرات الميدان ويستمر في الثورة حتى نهايتها أم سينسحب الرماة من الجبل فور تحقيق أول غنيمة بإزاحة السيسي؟

وهنا نقطة فارقة بين مكونات الشعب المصري التي قبلت الدخول في الصراع. لن يكون الإخوان المسلمون قربانًا للشعب المصري، وليس عليهم دفع فاتورة التغيير وحدهم، وليسوا وكلاء عن الشعب المصري. على القوى السياسية أن تعقد اتفاقًا وتحدد إطارًا للمشاركة الفاعلة، وليس المشاركة المفعول بها. لم يبق من عمر الفرصة إلا أيامًا معدودة وعلى جميع الأطياف الاستباق إلى الشارع.

الشعب المصري اندفع بعفوية شديدة إلى الشارع بلا حسابات، وعلينا استغلال الحدث الذي ربما لن يتكرر، طرفا الصراع في حالة ضعف مهما أظهرا من قوة، استدعاؤهم لخروج الشعب المصري يشير إلى أن الجميع في ورطة، ومن يحسم الصراع هي إرادة الشعب في الميدان. نصنع من الانقلاب على الانقلاب ثورة ومن المؤامرة نجاح وتغيير. وإن غدًا لناظره لقريب. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد