هل سبق لك وشعرت كأن روحك تعود إليك من جديد بعد أن سُلبت منك! هل تعرف شعور أن تقول لنفسك: ها أنا هنا أخيرًا، أو على الأقل تتمنى ذلك! ولا أخُفى عليك فأنا أيضًا أُتوق للشعور ذاته، هل تساءلت لماذا تُصر على المقاومة بعد كل تعثر؟ ما الذى يدفعك إلى هذا الشعور أو هذا العمل من البداية؟

حسنًا دعنا نتناقش سويًا حول هذا الموضوع، من المعروف منذ القدم، وخاصة عند فلاسفة الإغريق أن الإنسان مُركب من جزئين: جسد يخضع للتغيرات الطبيعية ولا ينفصل عن عالم الحواس، وروح أو كما تُسمى النفس، والتى ينبثق منها الضمير الإنسانى. ولعلك تساءلت يومًا عن مدى تأثير روحك فى حياتك وأفعالك.

عندما كنت صغيرًا لم تتجاوز عامك الأول تحاول الوقوف والمشي، ثم تسقط وتبكى، ثم تُعاود الكرة من جديد إلى أن يشتد عودك وتملأ الدنيا بركضك!

وعندما أخبرك جَارك المُخيب للآمال أن تكف عن متابعة مُباريات كُرة القدم ليل نهار وأنت تصيح «جوووول»، تمنيت أن تحطم زجاج شباكه بركلتك السديدة للكُرة وأنت عائد من مباراتك!

وعندما أعادوا على مسامعك مئات المرات بأنك فاشل لا محالة ولا رجاء منك؛ أردت لو رأى العالم أجمع مقدار سعادتك وأن تتسلم جائزة المركز الأول تشريفًا لعملك أيًا كان ما دام خيرًا! وعندما بكيت فرحًا عندما رأيت أحلامك تتحقق وأنت تتذكر كل الليالى مُحكمة السواد التى بكيت فيها قهرًا!

كل هذا وأكثر كان خلفه روح مُثابرة تدفعك للأمام، تُعكر صفو نومك لتذكرك بكم المهام التى كان يجب أن تُنجزها، بينما أنت نائم، تخبرك بأنك ستصل لا محالة ما دُمت على الطريق الصحيح، ما دُمت تسعى!

ولا عجبًا فى ذلك، فروح الإنسان هى الوقود المُحرك له فى كل أفعاله، هي التى تدفعك لحب هذا وترك ذاك، ولكن كما يُصاب الجسد بالمرض فالروح، أيضًا تُصاب بالفتور والكسل والثِقل. فتشعر وكأنك لا تُريد شيئًا، إلا أن تمضى الأيام سريعًا وبما أن لكل عِلة أسباب.

أسباب فتور الروح والهمة

# الأحداث السلبية المحيطة: فتكاد تشعر وكأن العالم فقد صوابه، انتشرت الحروب والفتن والكراهية والعنصرية والفساد، وكل ذلك يعود بأثر سلبى عليك وإن لم تكن طرفًا بهذا من الأساس.

# فقدان الوِجهة: تخيل أنك كُنت تسير وفجأة وجدت نفسك فى الصحراء لا شىء معك سوى قدميك التى تحملك! هل يُعقل أن تستمر بالهرولة إلى مالا تعلم أم تفكر بالرجوع إلى أقرب نقطة أتيت منها لتبحث عن الماء وتفكر كيف تعود لطريقك مجددًا؟.. هكذا الوضع عندما تفقد وجهتك الداخلية! كيف لك أن تتقدم للأمام وتُحقق شيئًا وأنت تائه بلا خطة أو هدف وُضع أثاثه جيدً؟

# عدم الثقة بالنفس: هل شعرت من قبل بعد أن حصلت على درجة جيدة فى إمتحان أن تقول لنفسك أن هذا فقط حظ ومن المؤكد أن الامتحان القادم سيُطيح بك أرضًا؟ حتمًا إن أداءك في هذا الامتحان سيقل بشكل ملحوظ؛ إما لتوترك وعدم ثقتك أو خوفك الذى منعك من الاستعداد جيدًا. وهذه الحالة تُسمى Imposter Syndrome ويمكنك البحث عنها فى محركات البحث والتعرف عليها أكثر.

# فقر الروح: ربما سمعت عن فقر الدم، الفقر المادى، لكن فقر الروح! نعم يا صديقى.. الروح أيضًا تفتقر وتغتنى، فإذا هجرت القراءة والعلم، تكاسلت فى عبادتك، خاصمت الجمال وكل ما تحن إليه الروح.. فمن أين تنتظر الغنى؟

وبما أننى سردت بعضًا من الأسباب، وبما أننا فى رحلة صغيرة داخل النفس البشرية نحاول فك شفراتها معًا، إذن جاء الدور بأن نلقى نظرة على بعض الحلول!

ما الحل؟ 

# تعلم فن الفصلان! لا، ليس بالطبع ما يدور فى رأسك الآن يا صديقي، بأن تتعلم كيف تُفسد كل ما هو جد بنكتة! ولكن بأن تتعلم كيف تفصل بين عملك وحياتك العملية بشكل عام بما فيها دراستك إذا كنت طالب، وبين حياتك الشخصية ومساحتك الخاصة التى تُعطيها لنفسك لتنفصل عن ضوضاء العالم الخارجى! أتفق معك بأن العالم يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، لكن بما أنها ليست نهاية العالم؛ فلتتعلم كيف تُزيل أعباءك بنفسك وتصبح قادرًا على مواجهة تحديات الحياة، فلا يؤثر فيك المحيط الخارجى بسلبياته.

# حدد وجهتك لا يُعقل أن تتوقع أن تحصد النجاح والسعادة وأنت مازلت تسأل نفسك كل صباح ماذا أفعل هنا؟ ما فائدة هذا العبث؟ لا تتبع الجموع بلا علم كالسير فى قطيع، اضرب بكلام التنمية البشرية عرض الحائط ووفر نقودك ووقتك يا صديقى. لك عقل، استخدمه! ثم حدد وجهتك وضع خططك الخاصة وانطلق.

# ثق بنفسك إن لم تفعل فلا تنتظر بأن يفعلها أحد غيرك! اعرف قدراتك ومواهبك واثقلها بالعمل والسعى ولا تتركها لغبار الكسل يأكلها كما يأكل الصدأ الحديد! حتى وإن لم تكن لديك الموهبة لفعل شيء، فبالاجتهاد والسعى تسطيع أن تتغلب على من يملك الموهبة بالفطرة، وبعدها ثق بحدسك ولا تحقر أبدًا مهما حدث من شأن نفسك.
كلنا نمتلك نفس نقطة الصفر، ولكن ليس كلنا ننطلق منها، مهما اختلفت الظروف التى ربما تُجبرك أن تبدأ من تحت الصفر.. لا تعد للخلف أبدًا.

# اخلق عادات جديدة حاول أن تُدمج فى يومك عادة جيدة تعود عليك بالنفع.. كمشاهدة محاضرات TED على سبيل المثال، ستلاحظ الفرق فيما بعد. ربما سنتحدث عن كيفية خلق عادة جديدة والتخلص من عادة قديمة مُزعجة قريبًا.

# مارس الرياضة أيًا كان نوع هذه الرياضة، ربما لا تستطيع أن تمارس الرياضة لظرف ما، إذن امش كل يوم لمدة ساعة.. المهم أن تتحرك، فالحركة عامل رئيس لتجديد خلايا المخ، ودورها عظيم للتخفيف من الضغط النفسى، وبالطبع الوزن الزائد، ونودع أنظمة الريجيم التى نقرر ابتداءها كل أول أسبوع ولا نفعل!

# ابحث عن الجمال اقرأ لتغوص فى عقول البشر، اختر منها ما يناسبك وتعلم منه.. لا لتكون نسخة، بل تعلم ثم كون مفهومك الخاص عما تعلمته.
تعرف على الخالق، كلما اقتربت منه كلما اقتربت لذاتك أكثر. اطلع على الفن.. وأوجه الفن عديدة فليس حكرًا على الأعمال السينيمائية والموسيقى فقط، بل جرب النظر إلى لوحة فنية، ودع روحك تغص فى أعماقها وعلى سبيل المثال يمكنك البدء مع أعمال الفنان Vincent Van Goghأو Gustav Klimt أوJustyna Kopania أو Leonid Afremov

Image result for homeless to harvard

رسالة Homeless to Harvard ! 

وبما أننا تطرقنا إلى الفن والأعمال الفنية وتأثيرها على الروح، فلنسلط الضوء على الفيلم السينمائى Homeless to Harvard إنتاج عام 2003 الذى يحكى السيرة الذاتية لـ ليز موراى، الأستاذة المحاضرة بجامعة هارفرد. لنرى كيف يمكن أن تكون روح الإنسان هى الدافع الوحيد له فى هذا العالم عندما لا يتبقى له شيء آخر.
ربما ليست الحبكة الفنية هى من جعلت الفيلم مثالاً إذا قارناه بغيره من عمالقة الأفلام، ولكن بكل تأكيد واقعية القصة وقدرتها على معانقة الروح وبث رسالة محددة.
بكل تأكيد شاهد أغلبنا أعمال سينمائية تتحدث عن قصص الكفاح والنجاح، لكن يختلف الأمر عندما تكون القصة حقيقية!

وُلدت ليز موراى لأبوين مُصابين بإدمان المخدرات، فتاة ذكية وجميلة وسط بيئة مفككة، كرهت الذهاب للمدرسة؛ لأنها تشعر بأنها ليست كباقى الطلاب، سرعان ما مات أبويها بسبب مرض الإيدز. إذن لا عائلة، ولا مأوى، ولا أى شىء سوى التشرد، تعرفت على صديقتها التى حاولت مرارًا وتكرارًا أن تُرسخ بعقلها أن العالم النظيف الذى تتحدث عنه ليز ليس للمُشردين أمثالهم، لكن الفتاة الذكية لم تقف مكتوفة الأيدى وقررت أن تغير حياتها للأبد،التحقت بالمدرسة الثانوية، كان الشارع ومحطات النقل بيتها، وتنظيف الصحون وظيفتها الوحيدة للعيش، تقوم بواجباتها اليومية فى عربات المترو، ظلت تبحث عن المنح الدراسية لتستطيع إكمال دراستها الجامعية إلى أن عثرت على منحة نيويورك تايمز للطلاب المميزين دراسياً بشرط أن يكونوا قد تغلبوا على عقبة فى حياتهم.
تقدمت للمنحة وتحدثت عن معاناة الأطفال المُشردين وتحدثت عن رغبتها فى رؤية العالم من منظور شخص مُتعلم يساهم فى جعل العالم مكانًا أفضل، وليس فتاة مُشردة تكاد تُجن.
وبالفعل حصلت على المنحة للدراسة فى جامعة هارفرد وعلى وظيفة فى مجلة نيويورك تايمز، وها هى أستاذة محاضرة بجامعة هارفرد ولها أربعة كتب نحكى قصة نجاحها الأن بفخر يترك أثر عظيم فى النفس.

Image result for liz murray this fork

ولا يسعنى وأنا أنهى قصتها إلا أن أقتبس كلماتها فى مقابلة المنحة:
“I’m smart. I know I can succeed. I just need a chance. A chance to climb out of this place I’ve born in. Everyone I know are angry and tired. They’re trying to survive. But I know that there is a world out there that is better, that’s better developed. And I want to live in it”

فى النهاية أود أن أُذكرك وأُذكر نفسى يا صديقى _ فالإنسان بطبعه يحتاج للتذكير ومراجعة أفكاره من حين لآخر_ بأن البداية دومًا من الداخل، رتب نفسك وأفكارك، هذب روحك وعلمها كل جميل، ثق بأن روحك تستحق أن تسمع لها وتفكر فى أولى رسائلها بأنك نسج فريد.. لم يُخلق عبثًا أو عددًا زائدًا في هذا العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد