الحقيقة أن فيلم اشتباك هو واحد من الأفلام المهمة في السينما المصرية في الآونة الأخيرة لسببين؛ أولهما عدم وجود أعمال تشابه التركيب والبناء الدرامي والفني لعمل مثل اشتباك.

وثاني هذه الأسباب أن العمل جيد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالشعور الذي انتابني وأنا أشاهده هو شعور من يعيش الحياة مرتين؛ الأولى في الواقع، والثانية وأنا أشاهد أحداث الفيلم.

فعلى مدار 4 سنوات من انقسامات حادة ضربت الشارع المصري نوعًا من محاولة التكييف مع الديمقراطية، استطاع العمل أن ينقل هذا الواقع في 90 دقيقة من خلال أحداث العمل.

عبقرية العمل في بساطة السرد، ونقله لما يعيشه الشارع من إحباط، وانحدار فكري، واختلاف وتنازع بين القوى السياسية، والمواطنين البسطاء، وجهات الأمن.

السيناريو

سأتكلم عن فيلم اشتباك فنيًا، وسأبدأ الحديث عن ما أجاد فيه العمل من  حيث السيناريو، فهو البطل في هذا العمل دون منازع، فرصده للتنازع في الشارع كان دقيقًا للغاية.

وحتى رصده لحالة الانقسام والتي جعلت الشارع المصري إما مع أو ضد، لا يوجد المسافة أو المساحة التي تجعلك في الوسط، وإن حاول العمل أن يجعلها في رمزية النفوس، وفي نهاية العمل التي جعلت الجميع يتكاتف في النهاية للحفاظ على الأرواح.

رصد العمل للتيار الإسلامي والذي كان يتزعمه جماعة الإخوان المسلمين، وبعض التيارات والأحزاب الإسلامية، ولكنها جميعًا كانت أقل قوة على أرض الواقع من الإخوان لذلك تصدر الإخوان المشهد، أبرز العمل الصراع الذي يدور في داخل جعبات بين مؤيدي حمل السلاح (التيار القطبي)، والتيار المعتدل والذي يُفضل الحوار عن حمل السلاح واستخدام القوة، بجانب إبرازه لقيمة الجماعة لدى الإخوان، وطريقتهم في التنظيم والتي أحيانًا تتخطى حدود الدولة وهي لا تناسب هذا العصر.

وأما الفئة العامة السائدة في الشارع فجسدها العمل حرفيًا، بين ثوريين بعدما يئسوا من الحال فكروا في الانتحار، وآخرين لا يفقهون شيئًا ويسهل تحريكهم وشحنهم نفسيًا، وغيرهم ممن أبرزهم العمل، والذين حين اجتمعوا في مكان واحد عربة الترحيلات والتي مثلت رمزيًا الوطن وحاله، بدأت المناوشات، ولكن مرت عليهم لحظات جيدة لم تدم، ولكنها مرت.

رمزية العمل

أكثر ما جذبني في العمل الرسائل التي وجهها للعقل الباطن، وبعضها يحتاج للتفكر، فعربية الترحيلات كانت ترمز بشكل مباشر إلى الوطن كما ذكرنا، والكاميرا في النهاية عند كسرها هي انقضاء اللحظات الجيدة التي عاشوها، ولعبة «الإكس أو» ترمز أنها لعبة واحدة صحيحة ستربح أحد الأطراف، ولكنها يجب أن تكون صحيحة.

الإخراج

محمد دياب استطاع أن يرسم لوحة فنية تضاهي لوحات «فان جوخ» وتنافسها، ومعزوفة موسيقية استطاع أن يجعل إيقاعها مشابهًا لأعمال «بيتهوفن»، فالعمل امتاز بالإيقاع وهو الأمر الذي يجعل المُشاهد يتأثر بالعمل.

وكما ذكرت في السابق أن عبقرية فيلم اشتباك في بساطته، فاستطاع المخرج أن يبرز كافة الانطباعات للفنانين، يجمعهم في نفس المكان، ويجعل من أدائهم متناغمًا، يحافظ على الكادرات وتنوعها، يبعد عن الرتابة، فتنوع في لقطاته، وعرف كيف يجعل تكوينات الصورة بسيطة وغير متشابهة على الرغم من التصوير في نفس المكان، ونفس الوجوه.

الممثلون

نيللي كريم: رسمت شخصية نيللي كريم في العمل المواطن الذي يحاول أن يقف في الوسط، كفاح السيدة المصرية، وجرأتها وبساطتها، والقلب الذي ينسى الأحقاد بمجرد أن يرى الدموع، نيللي تنجح كعادتها، ولكني أناشدها بمحاولة الفصل من خلال أدوار أقل قتامة فهي إحدى المبدعات، والمبدع لا يتقيد بنوعية أدوار.

أحمد مالك: قدم مالك دورًا مختلفًا وبعيدًا عنه من حيث الشكل والمضمون، ولكنه أجاد في تقديمه.

وباقي أبطال فيلم اشتباك استطاعوا أن يجعلوا العمل جيدًا، يحترمه الجمهور، وبالتأكيد يُشيد به النقاد.

الإضاءة

هي بالفعل ضمن العناصر التي استُغِلَّت بشكل صحيح في فيلم اشتباك، فالتحكم في الجوانب المضيئة والمظلمة داخل السيارة، وتعاقب الليل والنهار والتحكم في إضاءة السيارة كان أمرًا جيدًا جدًا، وأضاف بالفعل للعمل، فالإضاءة جزء وجانب من إظهار الانفعالات والمشاعر المختلفة داخل العمل، بل وتعطي جانبًا نفسيًا يُخيم على المُشاهد.

في النهاية

كان فيلم اشتباك جيدًا على المستوى الفَنّي، واحترم عقل المُشاهد، وقدم أنماطًا مختلفة من المجتمع المصري بحرفية شديدة، جعلت منه نقطة نور في السينما المظلمة، وأملًا في الغد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد