تقول الروائية «أحلام مستغانمي» على لسان أحد أبطال رواية «الأسود يليق بك»: «أنا لا أحتاج الجمهور، فوحدي الجمهور».

عندما قرأت الرواية قبل سنواتٍ ثلاث، قلت ماذا تقصد أحلام بهذا الشعار؟ ألهذا الحد ضحت هذه المرأة التي تمتد جماهيرها عبر رقعة جغرافية كبيرة بحاجة المبدعين إلى الجمهور؟ و تركت إشارة خفية في عدم ضرورة وجودهم!

وخلال السنوات هذه تفتحت مشاربي على الفن السابع، الذي يراه الآخرون بمثابة السحر الكبير، صادقون في رؤيتهم، لطالما كانت شاشة السينما هي المحركة للشعوب، والمغيّرة للقناعات، والمستخدمة أداة من أدوات المجاملات الدولية، أو بسط العضلات.

وأدركت أن حاجتنا للجمهور تكمن فقط في إطار المشاهدة، والمتابعة، وشراء تذاكر لحضور عمل فني، لا تتعداها إلى حاجتنا كي يمدحنا أو يهجونا.

من هنا بعد هذا التمهيد الطويل قليلًا، أقول لك يا صديقي، وأنت تسير في طريق الرسم بالضوء: لا تعر أذنيك إلا لقلبك، لا تسمع صوت أحد وتدعه يزهر في صدرك، أو يتمدد في ذهنك، وينتشر غير صوت الحلم الذي تحمله.

لا تنجز عملك وتجلس تنتظر التهاني والمباركات، أو تجلس لتحضر إجابات لأسئلة الناس عن منتجك البصري، تعلم أن المخرج أو صانع الفيلم لا يجيب، هو يضع كل ما عنده في فيلمه.
والتهاني لا تزيده سوى مسؤولية، والهجاء لا يفيد إلا إصرارًا.

وكنت ذات مرة تابعت لقاءً مع مخرج أجنبي في ورشة عمل على هامش مهرجان أفلام في الدوحة، إحدى الحاضرات بعد انتهاء عرض الفيلم سألت المخرج – الحائز على جوائز دولية – هناك قيمة في الفيلم لم أفهمها هلّا وضحتها؟ فأجابها: ليس من وظائفي أن أشرّح! ما لدي وضعته وأنتم تتلقونه على اختلاف خلفياتكم المعرفية والثقافية.

مخرج آخر فاز أحد إنتاجاته بجائزة ذهبية في مهرجان عربي، سألته عن كيف كانت تجربته بالفيلم؟ أجاب: أنا مش عارف كيف عملته!

دائمًا يا صديقي، ثق أن الناس أو الجمهور رأيهم فيك ليس هو الحقيقة، الحقيقة أنت تراها في المرآة كل صباح عندما تحدث نفسك: كم أنا راضٍ عن ذاتي؟!

الجمهور الذي يجامل، أو الذي يحارب؛ توقف عن ملاحقته، والبحث عنه.
توقف عن الذين يقولون أنك صغير لا تصلح لشيء. مع هذا يجب أن تتذكر كيف كانوا عندما كانوا في مثل عمرك حينها ستضحك ملء قلبك، وتقول: «يا الله ما أجمل المستقبل الذي سأصنعه طالما أنا هكذا الآن».

أمر آخر جدير بعدم نسيانه، في صناعة السينما الوثائقية أو الروائية تسلح بشغفك. ربما تسألني ما هو الشغف؟

سأجيبك مع وجوب إدراكك أن كل صانع فيلم تعريفه للشغف مختلف عن الآخر. الشغف لديّ هو إيماني بقدرتي على صناعة شيء رغم كل الحجارة التي تعترض المسير. هو شعور داخلي بمثابة محرك يدفعك للأمام وأنت تشعر بأيادٍ تشدك إلى الوراء. هنا لولا شغفك ما استطعت التحرر من الجاذبية للوراء.

كنا نمر بفترات صعبة في صناعة تجاربنا، وتكون كل الطرق مغلقة أمامنا، لكن نجدنا نقول: واللهِ لن أفشل، بصوت مرتفع. من أين جاء هذا الصوت؟ من مخزوننا في لا وعينا، المخزون الذي صنعناه في الرخاء فجاءنا في الشدة.

سر يا صديقي، سر، دون أن تأبه لأحد لا سيما الأسماء الكبيرة. ثق تمامًا أن الكبير الذي يلمع الآن نسي كيف كان، وكيف أن سيرته الذاتية تحتوي على فيلمه الأول الذي ربما يخجل منه، وربما يراك لا شيء أمامه، من شدة إنصافه يقارنك به! يا للهزل!

وأخبر نفسك بأنك قادر على تدشين حالة جديدة فريدة، تضيف للمجال الشائك بعناصره الجميل بروحه. طوّع ذاتك لمجالك، عودها على القراءة في الأفلام الوثائقية، شاهد كمًّا كبيرًا من الأفلام أسبوعيًّا، جالس المختصين ولو خرجت من لقاء ساعتين بمعلومة واحدة، جرب حاول لا تدع الرياح تشدك إلى الوراء. لا تقل اكتفيت ولا أحتاج للتطوير. إياك هذا بداية السقوط.

أعيد أيها المثابر، الجمهور هو رأس مال السينما ربما، لكنه ليس رأس مالك. حلمك وإيمانك به هو رأس مالك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد