روايات أدبية تحولت إلى أفلام عالمية

في البداية يجلس كاتب غلبان يدقق في كل شيء سمعه، رآه، شعر به في لحظة ما، فكرة تجننه، تأسره، تسلب كل تركيزه، يجري خلفها كمن لسعته نحلة، حتى يأتي آخرها أو يستسلم لما بين يديه ويكتفي بالأيقونة الأسطورية العظيمة التي ينظر لها ثلاثًا قبل أن يليقها في أقرب سلة مهملات غير راض.

وسبحان مُغير الأحوال، ومُيّسر الأسباب، تتصاعد الأحداث..

في ساعة صفاء، يقرر الكاتب أن يتصالح مع ذاته ويتقبل قلة حنكته ويزرع أفكار السلام الداخلي ويخرج التحفة الأثرية ويبدأ التدوين متثائبًا قانعًا. وينشر الرواية والثانية والثالثة ويظن أنه لم يبلغ إلا لمامًا.

 ينساب الحل الأدبي بين ثنايا الحبكة بخفة ونعومة خيط حرير انسل من ثوب بديع

فيجيء مخرج غريب الأطوار يرى خلف السطور ما لم يخطر على الكاتب من أفكار تدعو للتمهل، والتفنن. والابتكار، ولكي يكتمل السجع الذي لازمنا منذ تجلى موضوع المقال، شهق المخرج في انبهار، وقال: «تبيعني هذه الرواية لأحولها فيلما لن ينساه الصغار قبل الكبار». امتعض الكاتب لا يصدق أن يبيع بنات أفكاره وعصارة عمره وخبرة حياته ودقائق أسراره، وبيّت الرفض مصممًا. كلام فارغ، مضى عقد الفيلم في حال انتهت المكالمة على الفور. وهكذا حول المخرج فصول وأبواب وحبكة بارعة الإحكام، متقنة الكلمات، إلى مشاهد غاية الفن والإبداع، يتخللها سيناريو مبسط عامي الكلام قريب من لغة المواطن الشقيان وإيفيهات المراهق مضروب الدماغ. على أية حال قد يصمم الكاتب على لا جدوى السيناريست ويبدأ هو بتحويل عمله لحوار حرصًا منه على أن ينقل صورته كما تخيلها تمامًا، وقد يترك السيناريو لصاحب الخبرة والاختصاص. ولا غرابة في الحالتين، كل كاتب سيناريست، وليس كل سيناريست كاتب بارع الخيال. 

وهذه مجموعة من أشهر الأعمال السينمائية التي بُنيت على روايات أدبية عالمية وقد لاقى كل من الرواية والفيلم نجاحًا واسعًا:

١- رواية الحجرة

رواية «الحجرة» للكاتبة الإيرلندية «إيمي دونجو»، والتي تدور أحداثها حول صبي يُدعى «جاك» يبلغ من العمر خمس سنوات، يعيش ويكبر برفقة أمه «لارسون» في حجرة صغير لا تتجاوز مساحتها تسعة أمتار، كان قد خبأهما داخلها رجل اختطف الأم طوال سبعة أعوام؛ إلا أن الأم أخفت الحقيقة عن ابنها الذي ولد وعاش في هذه الحجرة؛ لكنها حاولت أن تصنع له عالمًا موازيًا داخل هذا المكان، ولكن يومًا بعد يوم يزيد فضول «جاك» ليعرف ماذا يوجد خارج هذا العالم الذي يعيش فيه.

٢-رواية «بروكلين»

«بروكلين هايتس»، للكاتب الأيرلندي «كولم تويبين»، والذي تدور أحداث عمله الروائي حول شابة أيرلندية تُدعى «أيليش لَيسي»، تقرر ترك حياتها وعائلتها لتهاجر إلى مدينة «نيويورك».


٣-السر في عيونهم


رواية للكاتب الأرجنتيني «إدوراردو ساشيرى» تدور حول وكيل بالاستخبارات البريطانية، يحاول حل جريمة قتل لشخص يعمل في مكتب التحقيقات الفيدرالي ويكشف عن حقيقة جديدة مرعبة.
وتقوم ببطولة الفيلم الممثلة جوليا روبرتس، ونيكول كيدمان ومايكل كيلي ودين نوريس وشيواتال إيجيوفور.

٤-فى قلب البحر

كتاب للكاتب الأمريكي «ناثانيال فيلبريك» يتناول معاناة سفينة صيد الحيتان «الإسّكس» الذي يتشابه مع حادث غرق السفينة تيتانيك.

أما عن الأعمال العربية فلا تغفل الروايات الآتية

هيمنت أعمال الأديب المصري «نجيب محفوظ» على السينما العربية ومن أبرزها «بين القصرين» و«ثرثرة فوق النيل» وكذلك الكاتب الطبيب «يوسف إدريس» ومن أعماله: النداهة، والحرام، والعيب وحادثة شرف، ولا ننسى «يوسف السباعي» الذي عاشت أفلامه طويلًا من بعده، وشخصها أشهر ممثلي الشاشة العربية، قامت سعاد حسني السندريلا بدور البطولة في فيلم نادية، وتألق شكري سرحان والجميلة مريم فخر الدين في تمثيل رد قلبي، ووجب ذكر دور كل من كوميديان كل العصور فؤاد المهندس والرائعة شويكار في فيلم أرض النفاق.

وقد حصلت العديد من الأفلام الأدبية على جوائز ذهبية وشاركت في مهرجانات دولية

ومن أشهرها رواية رجال في الشمس، للكاتب الفلسطيني «غسان كنفاني» بعنوان «المخدوعون»، ويتناول آثار نكبة 1948 من خلال ثلاث شخصيات من أجيال متتالية، وحياة متباينة، لا يشتركون إلا في محاولة الهجرة إلى الكويت بحثًا عن لقمة العيش وظروف معيشية تسد الرمق وتضم أسرهم.

نال الفيلم الجائزة الذهبية في مهرجان (قرطاج) للأفلام العربية والأفريقية عام 1973، وصُنّف من أفضل 100 فيلم سياسي في تاريخ السينما.

وتلاها في الأهمية والإصدار رواية «عائد إلى حيفا» عام 1969. وهي من كلاسيكيات الأدب الفلسطيني، وتحوّلت هي الأخرى إلى فيلم سينمائي سوري اسمه «المتبقي» وتم إنتاجه عام 1995.

تدور الرواية في حيفا عام 1948، وتسرد قصة عائلة من النازحين الذين هجروهم من ديارهم وقامت العصابات الصهيونية بتدمير المدينة واحتلالها، بعد إحاطتها بالمتاريس وقطعوا الطرق. وبسبب الأهوال تترك العائلة وراءهم طفلًا رضيعًا، تقوم بتربيته عائلة يهودية، وبعد 20 عامًا يقرر الأب وزوجته زيارة بيتهما في حيفا والبحث عن ابنهما الضائع.

وختامًا.. يمكننا التأكيد على ارتباط فن الرواية بالسينما

جميعنا نتفق أن الرواية مادة دسمة صالحة للتجسيد عالميًا وعربيًا، ولا غنى عن قصة درامية ذكية ونهاية تثير الأذهان وتحفز الألباب، ويبقى أثرها ورسالتها طول الزمان. فتزيد الصورة أثر الكلمة، وتتبلور الأحداث والشخصيات، حتى تصل للكمال الفني إذا أُضيفت الموسيقى المبدعة في خلفية المشاهد، حبذا لو كانت تعبر عن الشعوب والطبقات المهمشة والأصوات التي تضيع ولا تُسمع في زحام الحياة. وهكذا اقتسم كل كاتب لحظات من ذكرياتنا، وتربعوا في أذهاننا، وعاشوا في قلوب البسطاء قبل المثقفين للأبد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد