هل جربت مرة أن تجلس أمام أحد تحاول أن تقنعه بفكرتك الجميلة التي مصدرها الحقيقة التي رأيتها أنت؟ ربما اعتراك شعورُ الاستغراب لأنه لم يوافقك الرأي في هذه الفكرة، وأخذت تجوب خيالك برحلة جميلة تفكر فيها كم أنت إنسان عظيم، وكم أن فهمك قد جاوز الحد المعقول لتصل بنفسك إلى تلك الأفكار الخلاقة والنتائج المبهرة، ويتصبب قلبك حزنًا على ذلك الجاهل الذي أمامك الذي لم يصل إلى ما وصلت.

لنأخذ مثالًا واقعيًّا فهذه ليست محضَ قصة طريفة تضحك عليها وتدعها تعبر بلا تفكير أعمق. إن الطغيان والاستبداد الذي واجهه السوريون على مدى أربعين عامًا من حكم جائر وظلم شديد أدى لأن تتكون لديهم رغبة للخلاص من هذا الوضع الاجتماعي القاسي الذي يمرون به، وكبرت لديهم نزعة الشوق إلى الحرية في كل شيء من حولهم، وأصبح الجميع يعتصر ألمًا في داخله يريد الخلاص.

وكل ذلك كان على مدى تلك السنوات يجري في داخل ذلك الجيل البائس، حتى أصبح من يكتب ليعبر عما في داخله مجرمًا في نظر الظالم وبطلًا في نظر المظلوم، وأن ذلك الذي يتحدث بلسانه أو يجمع الحشود ترى الناس أنه بطل، ولكنه خائن في الوقت نفسه؛ لأن الضرر الذي سيتسبب به هو للعامة ولكن مبادئه وأخلاقه التي يتبناها تستحق الاحترام «مثل تلك المشاهد في الأفلام الهوليودية التي يكون فيها البطل على منصة الإعدام والناس تحدق فيه ولا تفعل شيئًا مع أنها تريد النتيجة التي يصبو إليها ذلك البطل، ولكنها تظل بلا حراك ولا تفعل شيئا».

إن كل ذلك التضارب في المشاعر والافكار لدى الناس لم نر أثَره في ذلك الوقت إلا على المدى القريب، ليس أبعد من دوائر العائلة والأصدقاء، ولكن عندما اندلعت الثورة وأصبح الناس يرون أنه بإمكانهم فعل شيء للتغيير بدأنا نحصد النتائج، فانقلب المجتمع في تصرفاته وأًصبحنا نرى تلك الشجاعة لدى الجميع التي كانت مخفية طوال تلك الأعوام تظهر بشكل مبهر، وأصبحنا نرى أنه من لا يشارك في ايقاف هذا الظلم هو خائن ومستقذر (كالشعارات في المظاهرات في ذلك الوقت «الما بيشارك مافيه ناموس») أو تلك النظرة الحقيرة تجاه سكان أهل حلب لأنهم تأخروا في المشاركة في هذا الحدث العظيم.

كل هذه التقلبات في المجتمع حتى تلك اللحظة هدفها واحد وهو إزالة الظلم، ولكن المهم هنا أن نرجع لتلك الفترة ونعرف ما مفهوم الظلم الذي يريد المجتمع إزالته؟

عندما بدأت الأفراد في توضيح أهدافهم البعيدة في الثورة بدأ النزاع وتحول إلى صراع، وهذا ما رأيناه بعد السنوات القليلة الأولى من الانقسامات التي شهدها المجتمع وما زال يشهد آثارها حتى هذه اللحظة، فخرجت لنا جماعات وفرق تتبنى مبادئها الخاصة وتريد تطبيق عدالتها التي ليس كمثلها عدالة، وترى كل جماعة أن المصلحة العامة هي تطبيق مبادئها وأفكارها وفرضها على المجتمع، وعندما أذكر كلمة (فرض) ألا يشعر بعضنا بالغرابة؟ لماذا إذا اندلعت الثورة؟ ألا يذكرنا فرض الأفكار والقيم على العامة بشيء من الظلم الذي كنا نأمل اندثاره؟ وهنا أستوقفك لحظة عزيزي القارئ وأطلب منك أن تسأل نفسك، هل فرض الأشياء على الناس فيه شيء من الظلم أم لا؟ ربما يكون ظلمًا بنظرك ولكن بنظر غيرك هو لمصلحة العامة أنفع وأفضل.

المجتمع السوري لم يشهد انقسامًا حديثًا ولكنه بالأصل منقسم، لأننا البشر بطبيعتنا مختلفون، وتلقينا للأفكار ومنطلق المشاعر والإحساس مختلف لدى كل شخص منا.

في اللحظات الأولى للثورة كان الجميع متفقين على أنه يجب علينا إزالة الظلم بأي الشكل لأن ردة الفعل الإنسانية تجاه الاحساس بالظلم واحدة وهي إزالته، ولكن عندما أتت كل مجموعة لتطبق تلك المبادئ والقيم المبنية على ردات فعل تجاه أنواع الظلم المختلفة، حصل النزاع المرئي، وأخذ كل شخص يحلم بالتغيير الذي يريده، مع أن الجميع محق في رأيه لأن نوع الظلم الذي تعرض له الجميع مختلف، أصبح كل شخص يرى الحقيقة في فكره (فمنا من ظلم اجتماعيًّا، ومنا من ظلم سياسيًّا وطائفيًّا وعرقيًّا ووو».

الأفكار التي تتبناها أيًّا كانت مبنية على تجارب أنت خضتها وحياة أنت عشتها، وهي مرتبطة بك أنت وحدك وليست على الحقيقة المطلقة، ليس كل ما فكرت فيه وتوصلت إليه نتاج عن وجه الحقيقة (الذي يدعي الكثير منا أنها وجه واحد في هذه الدنيا)، عليك ان تشارك فقط في توضيح ما توصلت إليه مع الآخرين كي ينتج لدينا ثروة فكرية ومعرفية لنساهم في التعرف إلى أنفسنا أكثر ونكون أقرب للفهم الحقيقي من الحقائق.
لا عليك، فلو وصلنا للكمال في المعرفة لكنت الآن تقرأ ولا تدور في رأسك الهجرة إلى مكان ما، أو تحقيق حلم لديك، أو أن تفكر أصلًا، علينا أن نتقبل هذه الحياة بنقائصها، لأننا لسنا كاملين، وكما قال الشافعي:

كلّما أدبني الدهر أراني نقص عقلي  وإذا ما ازددت علمًا… زادني علمًا بجهلي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد