تتصاعد حدة النقاش في أروقة المؤسسات التعليمية المصرية بعد اعتماد وزارة التربية والتعليم نظام التحسين في الثانوية العامة، والذي يعتبر بوابة وصول طلاب المرحلة الثانوية إلى المرحلة الجامعية. فما بين مؤيد ومعارض، تكاد تغلب النظرة الذاتية للحكم على الأمور دون الاحتكام إلى الأسس التربوية الموضوعية التي تحكم دائمًا أي قضية تربوية وتعليمية. لذا سيحاول هذا المقال تسليط الضوء على التأصيل التربوي لنظام التحسين في العملية التعليمية، مع إبراز أهم الإيجابيات والسلبيات المتوقعة عند تفعيله، بالإضافة إلى استشراف العقبات التي قد تواجه تطبيقه.

يُقصَد بنظام التحسين إتاحة الفرصة للطالب للتقديم على الاختبار مرة ثانية في حالة عدم توفيقه في الحصول على الدرجة المرغوبة في المرة الأولى. والمصطلح المطابق له في اللغة الإنجليزية هو (Exam Retake). وتعتمد كثير من دول العالم نظام التحسين للدخول إلى الجامعات وأغراض أخرى. فمثلًا تعتمده الصين لاختيار الموظفين الحكوميين كنظام كلاسيكي منذ عهد الإمبراطورية الصينية وحتى قيام الجمهورية الشعبية. وفي سياق تعليمي تعتمد الصين نظامًا يعرف بـGao Kao كاختبار قبول مؤهل للالتحاق بالجامعات الصينية الوطنية، ويمكن إعادة هذا الاختبار أكثر من مرة لتحقيق المعدل الذي يرغبه الطالب.

كما تعتمد اليابان والهند والمملكة المتحدة والولايات المتحدة نظام التحسين بشكل تنافسي للالتحاق بالجامعة. وفي كوريا الجنوبية في عام 2013، تم إنفاق ما يقرب من 18 مليار دولار على طلاب المدارس الثانوية نظير تقدمهم لاختبارات التحسين المؤهلة للجامعة. وقد بلغ معدل دراسة هؤلاء الطلاب 15 ساعة يوميًا من أجل الاستعداد لهذا الاختبار.

ويتركز الهدف الأساسي من تطبيق نظام التحسين في منح الطالب فرصة أخرى للتميز وإثبات ذاته وتحقيقه الدرجة التي يرغب فيها. وقد أشارت «كارول دويك» Carol Dewek أستاذة علم النفس بجامعة ستانفورد الأمريكية بأن هذا الهدف الأساسي يعتمد على قاعدة تربوية أطلقت عليها (growth mindset) أو العقلية النامية. ووفقًا لكارول، تهدف نظرية العقلية النامية إلى إصقال مهارات الطلاب من خلال العمل الدءوب والجهد والمثابرة المترتبة على إعادة الاختبار وتكرار الاستعداد له. فهي ترى أن تكرار الاستعداد للاختبار سيكثف من المعلومات، ويزيل الرهبة النفسية من نفوس الطلاب. وتعتمد فلسفة نظرية العقلية النامية على أن الاختبار ما هو إلا انعكاس لقدرات ومعلومات الطالب الآنية أثناء وقت دخوله للاختبار.

وقد أثبتت ورقة بحثية صادرة عام 2018م عن المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية التابع لجامعة هارفارد بأن إعادة الاختبار (التحسين) تساعد في زيادة درجات الطلاب بشكل ملحوظ. فوفقًا للدراسة ارتفعت درجات الطلاب بمعدل 90 نقطة عند إعادتهم لاختبار SAT المحدد لدخول الجامعات. وهو ما زاد من فرص إلتحاق الطلاب بكليات الأربع سنوات بدلًا عن معاهد السنتين؛ مما أتاح لهم الحصول على درجة علمية أفضل.

إلا أن استطلاعًا للرأي أجراه موقع «فيسبوك» و«تويتر» عام 2019 عن جدوى إعادة الاختبار (التحسين) من وجهة نظر المعلمين والتربويين أثار سلبيات واضحة لهذا النظام. فأغلبية المعلمين والتربويين الذين شاركوا في الاستطلاع أكدوا أن هناك فرصة للطلاب للتلاعب والاحتيال على نظام الاختبار. فالطالب قد يدخل الاختبار المرة الأولى فقط لمعرفة نظام الأسئلة وتخزينها وعدم الإجابة عنها، ثم يدخل بعد ذلك، وهو متيقن من الأسئلة وإجاباتها ويحصل على أعلى الدرجات. وقد رأى قطاع آخر أن اطمئنان الطالب لأدائه الاختبار مرة أخرى في حالة رسوبه يُعَوّدَه على أن يتأقلم مع الفشل وأن يأمن عواقبه؛ مما يهدم مفهوم المسئولية الشخصية عند الطالب.

كما أكدت ورقة بحثية صادرة عام 2014 بالتعاون بين الجامعة الأوروبية المركزية وجامعة بنسلفانيا أن هناك عقبات وتحديات تواجه تطبيق نظام إعادة الاختبار (التحسين) في كثير من المؤسسات التعليمية. فمن أهم العقبات اختيار نظام التقييم، فبينما يطالب البعض باحتساب الدرجة الأعلى للطالب في كل الاختبارات، يرى فريق آخر أن يتم حساب متوسط درجات كل الاختبارات. كما يشكل الطلاب الباقون لاختبارات التحسين عقبة أمام خطة سير المناهج والمقررات الدراسية، حيث يتشتت المعلم بين المقرر الدراسي الذي يدرسه للطلاب المنتظمين والمقررات الأخرى للطلاب الراغبين في التحسين. ولعل أبرز التحديات صياغة اختبارات وأسئلة جديدة لم يجب عنها الطالب في محاولاته الأولى. وهذا يتطلب جهدًا كبيرًا من المعلمين وواضعي الاختبار ويحافظ على مبدأ المساواة بين جميع الطلاب، حيث يجب أن يكون الاختبار الثاني على نفس الدرجة من صعوبة الاختبار الأول مع مراعاة صياغة أسئلة جديدة.

وفقًا لذلك أكد مجموعة من الباحثين (Krishna et al, 2018) على ضرورة إتخاذ خطوات تربوية ملموسة لإنجاح نظام إعادة الاختبار (التحسين) وإعتماده كنظام رسمي للقبول بالجامعات. فمن أبرز هذه الخطوات التأكد من إعادة التعلم وتصحيح الأخطاء عند الطلاب. فالطالب الذي يرغب في التحسين يجب أن يكتب تقريرًا يعرف بـ«التصحيح الذاتي» (reflective correction)، حيث يتعاون الطالب مع معلميه لتحديد طرق الإجابة التي اتبعها الطالب ولم يفلح في الحصول على الدرجة المطلوبة لكي يتم تفادي هذه الأخطاء في المرات القادمة. كما تبرز الحاجة إلى مايعرف بتعلم النظراء (peer review) حيث يتعاون الطلاب الذين تجاوزا الامتحان بتفوق من المرة الأولى بنقل خبراتهم وتجاربهم إلى الطلاب الراغبين في التحسين. وتظل هناك حاجة ماسة إلى الدور الرسمي الحكومي في تقييم مستمر لنظام التحسين وتحديد نقاط القوة والضعف وطرح البدائل المناسبة في حال فشل هذا النظام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد