«كتاب حياتي يا عين، ما شوفت زيه كتاب، الفرح فيه سطرين والباقي كله عذاب عذااب عذااااب يا عيني»، بينما كان الفنان حسن الأسمر يتحسر على عذاباته الكثيرة في حياته المريرة، كان الكورال المصاحب له يردد «كتاب حياته يا عين، ما شفنا زيه كتاب»، في إشارة إلى أن تلك مشكلة الفنان مع حياته وليس لنا بها علاقة، يستمر الفنان في سرد المأساة التى يعيشها، وأنت مثله تتذكر كل ما واجهته في سنوات حياتك القصيرة، بداية من المواقف الأليمة حقًّا، مثل فقدان الأحباب، والهزائم العاطفية وغيرها، حتى تصل إلى الموقف الأليم الذي حدث من صديقك أيمن، حين رفض مساعدتك على النهوض والتقدم في الحياة، حين تعثرت قدماك في Kg2 وسخر أيمن منك، على الرغم من أن هذا حدث حين كان عمرك أنت وأيمن لم يتجاوز الخمسة أعوام، لكن الفنان قادر على ذلك، لا تقلق من هذا.

كل الذين تقابلهم في يومك -وربما أنت وأنا- يعيشون بنظرية الفنان الراحل «كتاب حياتي يا عين» الجميع يتصور أنه حالة فريدة من العذاب والمعاناة، لا ينافسه فيها سوى الفنان محمد محيٍ أيقونة الطرب الحزين، بينما الواقع مختلف، لا شك في أنك تعاني مثل الفنان الراحل، لكن الجميع يظن أنه الوحيد صاحب النصيب الأكبر من متاعب الحياة، ليس هذا الجانب الأسوأ في الحكاية، فتلك النظرة الخاطئة لما يجري حولك تجعل المعاناة مضاعفة، يا لسخافة الحياة، فقط أنا أعاني بينما باقي سكان الكوكب يلهون في ديزني لاند، بينما لا أحد هناك مع الأسف.

على الجانب الآخر، من ينظر إلى الحياة وإلى زملائه في هذا الكوكب بشيء من الهدوء، فيرى الأمور على حقيقتها، يتقصى أخبار أقرب من حوله، فيهوله ما يعرفه، مشكلات عديدة، وحكايات مريرة في الغالب أصعب مما يمر بها، يدرك أن الجميع مثله في تلك المعاناة، هل تعرف هذا الإحساس؟ هو مثل طالب أخطأ الجواب في مسألة ما، في امتحان نهاية العام، ربما يحزن ويتألم لذلك. وعندما يعرف أن زملاءه جميعًا أخطؤوا الجواب يتنفس الصعداء ويشعر أن الأمور تسير بشكل جيد، رغم أن هذا لن يغير في درجته شيئًا، وما زالت إجابته خاطئة، وأنت صديقي لماذا تنظر إلى نفسك أنك الوحيد الذي يعاني؟ تأكل نفسك وتزيد متاعبك، صدقني وجرب إحساس الطالب الذي اكتشف أن كل زملائه أخطؤوا الإجابة مثله. ربما تكتشف أن كتاب حياتك ليس الأسوأ.

من أسوأ ما نفعل، سيرنا دائمًا في الاتجاه الخاطئ، نمر بلحظات انكسار، وربما خيبة عاطفية، والحياة بالتأكيد لا تخلو من مواقف الهزيمة والألم، ندخل في حالة من الانغماس في تلك الهزيمة، صاحب التجربة العاطفية الفاشلة ربما يذهب لمشاهدة أفلام الهجر والفراق، ولا مانع من مئات مرات الاستماع للأغاني العاطفية التي تدور في الفلك نفسه، لو جرب أن يقرأ لا قدر الله، لبدأ برسائل غسان كنفاني لمي زيادة، حالة تامة من الانغماس لا يخوضها الساعي نحو تعلم اللغة الإنجليزية في فترة قصيرة، «فييييجو الدخلااااوي» وأصدقاؤه في انتظارك، لا تتأخر عليهم أكثر من هذا.

«بكام زهرية الوردة دي يا عمنا؟ 15 جنيه ليه كده، غالية كده، ده أنا زبونك وأول مرة أجيلك مش كده». قبل هذه المحادثة تلقيت خبرًا له تأثير سلبي كبير نوعًا ما يخص حاضري ومستقبلي، أصبحت في موقف لا أحسد عليه، ولا أستطيع مواجهته، فقط التعامل مع التبعات وتقليل الخسائر، ذهبت بعدها إلى أقرب بائع ورود، ودارت تلك المحادثة المصرية الشهيرة، سألني أحدهم: «ورد جايب ورد ليه؟ فأجبته: أواجه به قبح العالم؟» ربما تراها إجابة شاعرية تنفصل عن الواقع، هذا ما حدث، بالمناسبة تداعيات هذا الخبر كانت أقل مما تصورت، وسارت الأمور أفضل، لم أخسر في هذا الموقف بل ربحت قليلًا من الهدوء وراحة البال، ربما ساعداني على تجاوز حالة الحزن والقلق، على عكس الحال لو فكرت بالشكل المعتاد لزادت الخسائر بلا فائدة. صديقي ألم تسمع القول المأثور: «عايزة ورد يا إبراهيم؟»

بينما تركب ميكروباص فيصل هرم طالبييية طالبييية، حيث من المفترض أن يوصلك إلى سكنك أو عملك، بعيدًا عن أن هذا لن يحدث في الغالب بتلك السهولة التي كُتب بها، تقتنص أحد كراسي العربة في سعادة بانتصار لا يحدث كثيرًا، تختار كرسيًّا بجانب النافذة، في الخلفية يعلن كاسيت الميكروباص المتهالك عن رحلة عمر مصطفى كامل، تنظر بتأمل إلى الشارع من خلف زجاج النافذة المتسخ، لثوان تعتقد أن الكاميرات نشرت في الشوارع حتى تلتقط تأثرك، مبدأيًّا هذا يحدث في الأفلام فقط، وهذا ليس فيلمًا، وأنت لست كريم عبد العزيز، والمفأجاة أن هذه رحلة الفنان الحزينة، وربما يشاركه السواق فقط.

في مصر الجميلة، والعهدة ليست على الراوي، تعاني الأشجار والأحجار، لا هذا حقيقي، ليس على سبيل الدعابة، تخيل أن شجرة ما كان حظها في الحياة أن تزرع في أحد أحياء المطرية، ماذا لو زرعت في مدينة ليدز بإنجلترا؟ تخيلت معي حجم الحب والتقدير والاهتمام الذي خسرته تلك الأشجار سيئة الحظ؟ دعك من هذا الآن، لكن بما أن الأشجار تعاني فأنت لست أقل منها معاناة، لا تقلق أعلم ذلك جيدًا، لكن في بيئة غير صحية كمصر، لا تزيد متاعبك، حافظ دائمًا على سلامك النفسي -رغم صعوبة ذلك- فكر في تعامل مختلف مع مشاكلك، جربت هذا بنفسي ونجح، ينجح معك أيضًا، صديقي عِش في مصر كأنك «مستر بين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد