بِهندامه الإنجليزي المُعتاد وغبطته الساذجة، يَقف «بِّن» أمام الطاولة، يجمع عِدّة صورٍ ورسائل ورقية واضعًا إيّاها في ظروف بَريدية ثُمَّ يمضي خارجًا، يُغلق الباب خلفه ويَسقط الرسائل من الشقِّ المُخصص للبريد. يَدخل البيت بعد ذلك مُتَصنعًا الانتباه ناحية الرسائل، مُتلهفًا لفتحها، والسعادة تَغمره.

النصّ السابق هو أحد المشاهد الكوميدية التي قام بِتأديتها المُمثل البريطاني «روان أتكينسون» مِن خلال شخصية (مِستر بِّن). في الحَلقة السابعة من الموسم الأول تَحت عنوان: عيد الميلاد.

ضمن قالبٍ كوميدي مُتكامل، وفي دقيقتين فقط، ببراعة تامّة يُلَخص «مِستر بِّن» طابع ومَسارَ حياةٍ بأكملها، شخصية في الثلاثينيات مِن العمر تقريبًا، بِجسدٍ نَحيل وَوجه طفوليِّ وسيل من التعبيرات المُضحكة والمواقف الساخرة، كان يُقدّم لي كَتالوجًا شاملاً لِما يُمكن لِلمرء أن يفعل حيال وحدته. هكذا.. فإنَّ بِّن قد ظَهر في أغلب المشاهد -خِلال مُمارساته الحياتية- وحيدًا تمامًا. يتخبط وحده في المَتاحف والمَقاهي، في المتاجر والمُناسبات والمُنتزهات والعيادات والمسابح والفنادق. في كل الأمكنة وأغلب الأزمنة كان وحيدًا دون (صداقة/علاقة حب/ عائلة). هذا ما يُمكن أن يكون السّمة الأبرز في التَكوين النفسي لهذه الشخصية. وعلى صعيد الاستثناءات: فليسَ أمامنا إلّا الدمية أولاً: والتي شكّلت بِدورها الآلية الفعّالة لِتحقيق مَفهوم الاختلاء عِندَ هذا الرجل. مُتجاوزًا بِذلك وحدته عبر ثنائية حَققتْ مِن خلال عمليات التّفكير والأسئلة ازدواجًا قادرًا على أن يُنتج وعيًا آخر ضِمن منظومته الذهنية (حركات الدُمية، الرفض والموافقة مَثلاً مِن خلال تحريك الرأس عبر يده). في نفس الوقت الذي لا نرى فيه على الإطلاق أنَّ إنسانًا ما باستطاعته التّعامل معَ بِّن على مستوى العاطفة، ما دامت العمليات الإدراكية شبه معدومة بين بِّن والآخر (الفرد/المُجتمع).

ثانيًا: وهيَ الفتاة التي ظَهرت معه في عِدّة مَشاهد. نراها صحبته في السينما مثلاً، وقد تكون طوال الوقت مُمتعضة من غرابة أفعاله، استهزائه وتهوّره حتى يصل بها الحال إلى عَدم احتمال تصرفاته في أغلب الأحيان، على الرغم مِن السمات الواضحة أو التصرفات العفوية الأقرب إلى الأفعال أو انفعالات المراهقة مِنها إلى الرشد.

(قامت بأداء هذا الدور المُمثلة الإنكليزية ماتيلدا زيغلر). بشكلٍ عام، لم يَكن لِبِّن أن يملي قلب هذه الفتاة ولا بأيِّ شكلٍ من الأشكال.

مِن ناحية ثانية وأخيرة، من البَديهي القول أنَّ المَشهد السابق لَم يكن ليُكتَب له النَجاح لولا الصبغة الكوميدية الطاغية عليه، مِن خلال الأداء التعبيري المُناسب لِبِّن، هزله وقدرته الكبيرة في إظهار ما يُفكّر به. يَبرز السؤال هُنا على الشكل التالي: ما الانطباع الذي سَيتركه لدى المُشاهد لو قام بتأدية المشهد ضِمن إطارٍ درامي بَحتْ، وبمظهر تراجيدي خالٍ من أي نوع من الكوميديا؟ الجواب لدى الأغلبية سيكون: أُشاهد رَجلاً مُختلاً بفعل الوحدة.. ترك مشاعرَ سيئة عندي.

أخرج الآن بأسئلةٍ حيال سِمة الوحدة البارزة، والتي شكّلت لَديَّ هاجسًا مِنذ الصِغر، مُذ كنت أقضي السّاعات جالسًا أمام الشاشة، أُعيد وأكرر الحلقات دون ملل، دون أيِّ سبب يُقصي هذا الرجل ذاكرتي: لِماذا عليه كَإنسان أن يكون وحيدًا؟ كَيف يُمكن لشخصٍ ما أن يحتمل هذا الكمَّ الهائل من الوحدة؟ في الوقت الذي كانت الأخيرة باعتقادي شرطًا أساسيًا من الشروط التي حَقَّقت لبِّن هذا النجاح الساحق والمُتفرد في عالم الكوميديا الصامتة.

بألف باء سيسيولوجي، لَم يكن بِّن شَخصًا سويًّا، لَم يكن شخصية يُمكن أن يَتم قَبولها اجتماعيًا، كان أشبه بِحشرة كافكاوية غير آبهةٍ بالشكل الذي يَنبغي أن تَكونه. غرابة أطواره، تصرفاته التي تثير حنق الناس من حوله، خبثه وحِقده الطّفولي، تَعامله وطريقة عرضهِ وحَلّه للمواقف التي تواجهه بِعقلية طِفل في الثامنة مِن عمره، تَعابير وَجهه التي تُضحكك وتُسلّيك مؤكدةً لك في الوقت نفسه سخطه الدائم من الناس وآليات التفاعل لديهم، مِن الجدّية التي تطغى على تعاملهم فيما بينهم، الحَزم وعدم الثِقة والسوداوية التي وَلّدت عنده تِلك العدوانية الناعمة، والظاهرة في ردّات فِعله ناحية الآخرين، والتي شَكّلت بِدورها كيانًا يَتصرف وفقًا لغريزة آنية وليس أيِّ شيء آخر.

هذا ما يُريد أن يؤكده دائمًا، فِعند ذهابه للمسبح في إحدى الحلقات، يَتوجه سريعًا أثناء دخوله دون أيِّ تفكير مُسبق بالعواقب إلى ألعاب الأطفال مُنبهرًا، وعِندما يُصفّر له المُراقب مانِعًا إيّاه من التزحلق، لا يعود أمامه من خَيارٍ سِوى الذهاب لِمكان القفز المُخصص للكِبار. وبانزعاج تام يَتوجه لا حيلة له ويصعد أكيدًا من أنه سَيُوَفّق بِقفزته، ليتفاجأ آجلاً بالعلو وبِعدم مَقدرته على القفز.. لِتبدأ الصراعات بين: أن يعود أدراجه، الأمر الذي من شأنه أن يُظهر خانعًا أمام الجمع. أو أن يَقفز مُثبتًا للجميع وبالأخص للأطفال الذي يُراقبونه ويسخرون منه في الخلف لِعدم شجاعته الكافية في أن يُحقق قفزته. هُنا يؤكد لنا “الشّرخ” الذي يُبقيه شخصًا معزولاً عن الآخرين: لست قادرًا على مُجاراة من هُم في سِنّي ولست قادرًا أيضًا على الانخراط مجددًا في عالم الأطفال.

وعلى امتداد الحلقات جَميعها، في هذا الموقف وذاك، نُلاحظ ظهور هذه المُفارقة كَعاملٍ أساسيّ في وحدته، ودافعًا هامًّا في ضرورة تبرير ما هو عليه: لا يَمتلك الأسباب الأساسية لتأكيد عقلانيته قياسًا للسير الإجتماعي، ولا يَمتلك أيضًا الصّفات التي تُتيح له أن يَدخل في عالمٍ خرجَ منه جَسدًا وما زال داخله بشكلٍ وبآخر على مستوى العقل. تبرز وحدته إذن كضرورة حتمية، ويَبرز الوجدان الطّفولي لديه كعاملٍ هام في احتمال هذه الوحدة، يُسلّي نَفسه ويُكافأها، يَبتدع الأمور ليعيش، يَختلق السيناريوهات مُعطيًا دُميته روحًا تُسلّيه، يَضع ليلة الميلاد في الجوارب هدية، ليستيقظ صباحًا ويتفاجأ بِأنَّ «بابا نويل» قدّ دسَ له الهدايا.

هَكذا استطاع بِّن أن يَعيش، عبر خياله، وهكذا كُتِبَ لبِّن النجاح، دفع فاتورة ذلك في أن يكون وحيدًا لا يأخذ شيئًا ولا يأخذه شيء على محمل الجد. لقد أحببته كما أحبَّه الناس لإنَّ لا عائلة لديه، ولأنَّ نظرات الاستهجان من الجميع كانت تُلاحقه في كلِّ مكان. لقد قُدِّر لهذه الشخصية _بِفعل ذكاء النص_ أن تكون مَحطَ اهتمام عالمي وأن تَكون محايدة في التّصنيف العُمريِّ، أن تبتدع المزحات كَشخصية كوميدية تمتلك الدّقة فيما تُريد أن تفعل وتتصرف، مُلتزمة في ألّا ترتجل أو تُصنَّف، وفي ألّا يستجديك بِّن لتضحك، بل أن يُقدّم مواقفه ومُفارقاته المُضحكة بِلغة مرئية طريفة.

في فيلمه «Mr. Bean’s Holiday» الصّادر سنة 2007. نراه أخيرًا يُنشأ علاقتين:

– عِندما يُسافر إلى فرنسا بِصدد قضاء إجازاته، يَلتقي بِّن في محطة المِترو رَجلاً بِصحبة ابنه ذي الأربعة عشر عام تقريبًا، فَيطلب بِّن من الرجل أن يُصوّره عِند أحد أبواب القطار، وبِفعل أنانيته يَطلب من الرجل إعادة التقاط الصورة مرة تلو الأُخرى حَتى يَحين موعد الانطلاق ويفوّت الرَجل الرحلة.

وهُنا.. يَنفصل الوالد عن الابن الذي كان ينتظره في إحدى المقطورات بسبب عدم استطاعته لحاق القطار الذي فيه يَتعرف بِّن على الفتى، لِتنشأ بينهما بعدَ لحظاتِ غضب وكره علاقة صداقةٍ قوية يُكللها التفاهم والمواقف الطريفة، ويُصار لهذه العلاقة بِفعل التركيب العقلي لكليهما ومسار رحلتهما أن تَكون تكاملية، الابن يُريد أن يجد والده، وبِّن يُريد أن يصل وجهته.

– يلتقيان صدفة في طريقهما بشابة في منتصف العشرينيات تقريبًا، لتنشأ مُجددًا العلاقة الثانية والأخيرة لِبِّن خلال أَحداث الفيلم بفعل التفاهم والتقارب في الفكروالصفات بين بِّن والمُمثلة الصاعدة التي تقود سيارة تُشبه سيارة بِّن الشهيرة حدَّ التطابق، نرى هُنا التشابه في الكيمياء بين الثلاثة، (الحزن/الضياع/الوحدة). حَتى يُكمل كلِّ منهم الآخر، ضمن ثلاثي رائع مُحب وكوميدي، إلى أن يوصل بِّن في نهاية المَطاف الابن لأبيه، ويُحقق بعدها للشابة حُلم ظهورها في إحدى دور السينما خلال مهرجان «كان» السينمائي عند اقتحامه لغرفة المعدّات، ليعرض بعدها لقطات للثلاثة كان قد سجّلها بِكاميرته الخاصة أثناء رحلته. هُنا فقط بإلإمكان أن نرى أنَّ الشخصية قد نزعت أخيرًا من عليها رداء الأنانية، وخاطرت بحياتها من أجل أن تساعد، بفعل التواصل واجتهاد الشخصيات المُصاحبة له في تأسيس آليات للتفاهم معه خلال الرحلة، ومن خلال تشابه الشخصيات والتقاء السبل. عندما يُدرك المشاهد أخيرًا أن بِّن قد وجدَ الحميمية والعائلة والصداقة، لا يلبث أن نراه في الخِتام قد وصل الشاطىء وحيدًا، كما كان دائمًا.

أختم الآن نصًا لا أريد أن ينتهي، أُحبّ وأُحاسب من خلاله السّيد بِّن، وأُعيد مشاهدته بصدد مُراجعة تاريخ كوميديا التِسعينيات، أُتابع الإسكيتشات وأتوقف عن الضحك فجأة، يُرعبني ذلك، وأحاول من جديد أن أتصنع الضحكة آملاً في نسيان الموقف الذي فَضح بؤس بِّن أمامي، لا أنجح في ذلك، ولا أقدر على أن أتجاهل لمحات الحزن واللاجدوى التي تتضمن صمته ومواقفه. لم أعد أراه الآن مضحكًا كما قبل، بل الإنسان الذي يَجلس وحيدًا في حديقة عامة، يَتعثر بعجزه الذي يمنعه من أن يَصنع لنفسه شطيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد