مرت الثورة السورية ضد نظام «بشار الأسد» منذ انطلاقها في عام 2011، حتى يومنا هذا، بتطورات كثيرة شكلت منعطفات هامة في تاريخ الثورة ومسارها، إلا أن التطورين الأكثر أهمية، هما: تدخل «الولايات المتحدة الأمريكية» بتزعمها التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، والذي بدأ توجيه أول ضرباته الجوية لمواقع التنظيم فب سوريا في 23 سبتمبر (أيلول) 2014، والتدخل الروسي في 30 سبتمبر (أيلول) 2015 لحماية نظام «الأسد»، الذي تراجعت قدراته العسكرية والميدانية بشكل كبير أمام الزخم الثوري.

لا يمكن فهم التدخلين الأمريكي والروسى في الثورة السورية بمعزل عن فلسفة الغرب في التعامل مع العالم العربي والإسلامي؛ ذلك لأن الغرب لديه استراتيجية وفلسفة في التعامل مع القضايا العربية والإسلامية، ومنها تنطلق كل مشاريعه وقرارته.

مؤتمر «كامبل بانرمان»

في عام 1905 عُقد مؤتمر «لندن» أو ما يعرف بمؤتمر «كامبل بانرمان» الذي دعا إليه حزب «المحافظين البريطاني» سرًا، واستمر هذا المؤتمر عام 1907م. شارك في هذا المؤتمر الدول الاستعمارية الكبرى في أوروبا «بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا»، وخرجوا في نهاية المؤتمر بوثيقة هامة جدًا تُمثل تفسيرًا لكل تحركات الغرب تجاه القضايا العربية والإسلامية. هذه الوثيقة عُرفت بوثيقة «كامبل بانرمان» نسبة إلى رئيس وزراء بريطانيا، وزعيم حزب «الأحرار البريطاني» في ذلك الوقت «هنرى كامبل بانرمان». وقد شارك في هذا المؤتمر نخبة من العلماء والفلاسفة والمفكرين في مختلف المجالات من الدول الاستعمارية الكبرى.

تحدثت الوثيقة أن واجب بريطانيا هو أن ترى العالم من خلال ثلاث مساحات كالتالي

أ‌-     المساحة الأولى، وتضم كل الدول والمناطق التي تقع ضمن نطاق الحضارة الغربية «دول أوروبا، أمريكا الشمالية، أستراليا»، وواجب بريطانيا هو ضمان سيطرة دول تلك المساحة على العالم، وأن يظل زمام الأمور بيدها مهما كانت التكلفة لتحقيق ذلك.

ب‌-   المساحة الثانية وتضم كل الدول والمناطق التي لا تتناقض مع الحضارة الغربية في القيم، ولكنها تختلف معها من ناحية المصالح «دول أمريكا الجنوبية، اليابان، كوريا الجنوبية وغيرها»، وقررت الوثيقة أن واجب الحضارة الغربية هو التعامل مع هذه المساحة تجاريًا ومحاولة غزوها ثقافيًا.

ت‌-   المساحة الثالثة، وتضم كل الدول والمناطق التي لديها منظومة قيمية تتناقض مع المنظومة القيمية الغربية، وبينها وبين الحضارة الغربية صراعات طويلة وأخرجت الحضارة الغربية من مناطق عدة «الدول العربية بشكل خاص، والدول الإسلامية بشكل عام». وقررت الوثيقة أن واجب الحضارة الغربية هو منع أية دولة في تلك المساحة من التقدم؛ لأنها تهدد المنظومة الحضارية الغربية.

اقترحت الوثيقة ثلاث إجراءات رئيسة لمنع أي تقدم ممكن لدول المساحة الثالثة؛ وهي حرمان دول تلك المساحة من المعرفة والتقنية، وإيجاد وتعزيز المشاكل الحدودية، وتكوين ودعم الأقليات بحيث لا يستقيم النسيج الاجتماعي لتلك الدول.

التعاطي الدولي مع الثورة السورية

بالعودة إلى الثورة السورية سنجد أن تعامل الغرب مع التطورات الميدانية منسجم تمامًا مع ما جاء في وثيقة «كامبل بانرمان»، ولم يخرج عنها. فالغرب لا يريد إسقاط نظام «بشار الأسد»، ولا يريد نجاحًا للثورة السورية؛ لأنها ستحرم الغرب من أحد مراكز ثقله في الشرق الأوسط كون هذا النظام الطائفي – نظام بشار الأسد – هو أحد دعائم استمرار إسرائيل، وهو بمثابة الحصن الشمالي لها.

بدأت الثورة السورية كباقي ثورات الربيع العربي سلمية تطالب بمطالب مشروعة وعادلة يستحقها الشعب السوري فما كان من نظام «الأسد»، إلا الرد بعنف وحشي تسبب في حدوث انشقاقات واسعة في جيشه الفاقد لمهنيته وشرفه العسكري. أمام هذا العنف الوحشي بدأت الثورة في تشكيل لجان لحماية الثورة وجماهيرها من بطش النظام، والتي أُنشئ على أساسها «الجيش السوري الحر».

بالنظر إلى موقف الدول الكبرى من الثورة السورية، سنجده لم يتعد بيانات الإدانة الفارغة التي لا تسمن ولا تغني من جوع في وقت كان الشعب السوري يقتل بمختلف أنواع الأسلحة. فالولايات المتحدة التي تزعمت تحالفًا من أكثر من ستين دولة لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، بعد اكتساحه لمناطق غرب وشمال غربي العراق وتقدمه باتجاه «أربيل» عاصمة إقليم «كردستان» تتظاهر بأن الوضع في سوريا معقد، وأن الحل السلمي هو السبيل الوحيد لهذا الصراع، وما أسمته «الحرب الأهلية».

والغريب هو بعض الأطروحات التي يطرحها البعض أن الموقف الروسي الداعم لنظام «الأسد» هو العائق أمام الولايات المتحدة للقيام بالدور الذي قامت به في ليبيا مثلًا عام 2011، والضربات الجوية التي ساعدت الثوار في الإطاحة بنظام «القذافي»، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من القضاء على ثورة الشعب الليبي، على الرغم من أن نظام «القذافي» كان من أكبر زبائن الأسلحة الروسية، ويرتبط مع الروس بعلاقات اقتصادية وعسكرية قوية، إلا أن الروس تخلوا عنه، ولم يحاولوا حتى استخدام حق النقض «الفيتو» في تعطيل قرار «مجلس الأمن» رقم 1973 الصادر في 17 مارس 2011، والداعي إلى فرض حظر طيران في الأجواء الليبية، وتوجيه ضربات عسكرية لحماية المدنيين. لقد اكتفى الروس بالامتناع عن التصويت، وهو بمثابة موافقة ضمنية على الإطاحة بنظام «القذافي». كما أن الولايات المتحدة حين تدخلت بتوجيه الضربات العسكرية لمواقع تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا لم تنتظر إذنًا من أحد، ولا حتى قرارًا من مجلس الأمن، ولم تأبه ببيانات الروس وتصريحاتهم.

هذه الأطروحات التي ينفيها الواقع، تحاول أن تصور لنا أن الطيران الأمريكي المتطور، ومعه البريطاني والفرنسي الذي يجوب الأجواء العراقية والسورية بكل أريحية، ويوجه ضرباته نحو الأهداف بكل دقة، لكنه لا يستطيع أن يمنع طيران «الأسد» المتهالك من قصف الشعب السوري بالبراميل المتفجرة.

الحقيقة أن الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد نجاحًا للثورة السورية، وهي في حيرة من أمرها في كيفية التعامل مع الثورة والمآلات التي قد تصل إليها في نهاية المطاف. هذه الحيرة والتردد ساهمت في تعقيد الوضع في سوريا، وأضحى الشعب السوري ضحية للصراعات الإقليمية التي تجرى على أرضه، وتتغذى على دمائه الثائرة.

وبالرغم من التردد والحيرة التي تمر بها الدول الكبرى حيال الوضع السوري، إلا أن ذلك لم يمنعها من محاولة الاستفادة من الوضع المتشابك، وتنفيذ توصيات مؤتمر «كامبل بانرمان»، وهو ما نراه بوضوح من الدعم الغربي للأقلية الكردية؛ لتكوين دويلة كردية في شمال سوريا، وعلى حدود تركيا الجنوبية، والدعم الروسي الواضح لعمل «حزام علوي» حول مناطق الساحل السوري على البحر الأبيض المتوسط.

خلاصة الأمر أن المتابع لمجريات الثورة السورية وتعامل الدول الغربية معها يستطيع أن يرى كلمات السيد «كامبل» أمام عينيه؛ فالوضع السوري تجسيد واقعي للإجراءات التي اقترحها من حرمان سوريا ـ بصفته أحد دول المساحة الثالثة ـ من المعرفة والتقنية، وخلق وتعزيز المشاكل الحدودية، ودعم الأقليات.

عفوا أيها السادة! السيد «كامبل» ما زال في سوريا، بل هو لا ينتوى مغادرتها قريبًا فيما يبدو.

————————-

«فلسفة التاريخ» – جاسم سلطان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد