عندما يختار السيد «جمال ولد عباس» أن يكون أول تصريحه الرسمي بعد تزكيته المشبوهة على رأس «حزب السلطة» بأن الرئيس بخير،وبأنه باعتباره أكبر الأطباء سنًّا في الجزائر يشهد بذلك؛ نتأكد جازمين أن الجزائر كلها ليست بخير.

هذا الطبيب الذي كذب على 40 مليون جزائري (بمن فيهم عائلة الرئيس) وهم يشاهدون بأم أعينهم ويشهدون أن الرئيس مريض ومنهك القوى،لا تكاد تسمع له جملة واحدة بدون مكبر صوت،رئيس لم يخاطب شعبه منذ أكثر من أربع سنوات،وها هو الآن (الطبيب) يصرخ في وجه المعارضة،مطالبًا إياها بالسكوت ونسيان الموضوع نهائيًّا،لأن مرض الرئيس أصبح من الماضي!

هذا الطبيب الذي حلف يمين التخرج – إن تخرج طبعًا -، صرح قبل ذلك بأن سعداني (الأمين العام السابق للحزب العتيد) رمى المنشفة لأنه مريض،وأصبح لا يستطيع أن يسيّر حزبًا كبيرًا مثل «الأفلان» رغم أن الرجل أثبت لمناوئيه وهم كثيرون بأنه يمكنه أن يخطب ساعات وهو واقف متحديًا بذلك الجميع،بما فيهم الرئيس نفسه،ليأتي بعدها صاحب الـ82 عامًا،ويخبرنا بأن «فخامته» يتمتع بصحة جيدة وسيقف على رجليه بعد شهر،وهو يعلم جيدًا أن حبل الكذب قصير،وأن شهرًا كلمح البصر،وأن الثلج سيذوب.

كنا نظن أن ولد عباس بصفته حكيمًا سيذكرنا بأن الجزائر ليست بخير،وأنها مريضة أكثر من مرض الرئيس،وأن سابقه الذي خلفه لم يزد النار إلا اشتعالًا،وأننا نحن الشعب الجزائري لا يهمنا ما ذكر،بقدر ما يهمنا أن تقف الجزائر على رجليها،وأن تنهض بعد عقود من الاختلالات والاختلاسات التي أقعدت الاقتصاد الجزائري أرضًا.

ما يهمنا الآن سيدي الطبيب هو كيف نشيد مؤسسات دستورية لا تزول بزوال الرجال أو بمرضهم،كيف نبني مؤسسات تخرج من رحم هذا الشعب الذي سئم من أمثالكم،أنتم الذين ما زال حب الدنيا في قلوبكم وقد بلغتم من العمر عتيًّا.

ما يهمنا الآن هو كيف نؤسس لجيل يحب وطنه ويضحي من أجله،لا جيل يعبد الزعماء ويضحي من أجل منصب رخيص،سيفارقه إن آجلًا أم عاجلًا،لأننا نعلم جيدًا أنها لو دامت لغيرك لما وصلت إليك أيها الطبيب.

ما يهمنا الآن سيدي الطبيب،أن نحيا بسلام آمنين شركم،ومكركم الذي تزول منه الجبال،أنتم الذين ترددون في كل مناسبة «جبهة التحرير أعطيناك عهدًا»،فأين عهد الشهداء عليكم،أم يا تراكم نقضتم العهد الذي قطعتموه على بن مهيدي وعميروش وسي الحواس وغيرهم من الشهداء الأبرار؟

ما يهمنا هو كيف نختار،لأول مرة منذ الاستقلال،بكل حرية وبدون تزوير،رئيسًا يتولى أمورنا ويخرجنا من النكسات المتوالية التي ما فتئ هؤلاء الفاسدون يغرقوننا في وحلها،رئيسًا نشكو له همومنا وآلامنا عما فعله السفهاء فينا،رئيسًا يسر لفرح شعبه ويتألم لآلامه،ينظر لأحوالنا البائسة،ويسمع كلمة الحق ويمحق المنافقين يقطع دابر الفساد والمفسدين.

ما يهمنا الآن أيها الحكيم،هو أن نجد من بين جنبينا رئيسًا يحمي أموالنا وأرواحنا وأعراضنا التي سلبت منا عنوة وقصرًا،من هؤلاء الذين لم يرحموا فينا لا صغيرًا ولا شيخًا ولا امرأة،رئيسًا لا يسمع لصداه،بل لنداءات وآهات شعبه الذي ذله هؤلاء المتسلطون الذين كتموا على أنفاسه. نريد رئيسًا نتقاسم معه رغيفًا وشربة ماء مع جرعة أمل ونفس من الرجاء.

هل فهمت الآن ماذا نريد سيدي الطبيب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجزائر
عرض التعليقات
تحميل المزيد