“زي كعك العيد” يجيبني أحد الباعة للصور في مدينة الخليل، عندما أسأله عن حجم مبيعاته لصورة سماحة السيد، تفرد صورته على البسطة جنبًا إلى جنب مع صور عبد الناصر وجيفارا وصدام حسين، أنظر إليه هو بالتحديد بينما أتجادل مع صديقي على اختيار واحدة من صورتين الأولى له والأخرى لصدام، فبينما هو يرغب بشراء صورة “مهيب الركن” أنصحه أنا من جهتي بأخذ صورة “سماحة السيد”، لا يطول الجدال كثيرًا عندما يختار كليهما في النهاية، نتوجه بنفس ذلك اليوم ويعلق الصورتين على حائط الصالون في منزله، فيما أراه جالسًا يتفحصهما بافتخار واعتزاز شديدين.

يمر الوقت وتتطور حالة العشق لشخص السيد ذي الكاريزما المؤثرة، وخطاباته الجماهيرية وتهديداته الواثقة للكيان المحتل، أرى حالة العشق تلك تصيب كل من أعرفه وأشاهده يستمع أو يشاهد خطابًا له، أو ينتبه لحديث دائر داخل جلسة يذكر فيها اسمه أو حزبه المقاوم.

تتوالى أخبار العمليات النوعية التي ينفذها مقاتلو حزب الله، الجميع يتحدث عن ذلك الكمين الذي نصبه المقاومين لمجموعة من جنود النخبة الإسرائيلية في مدينة صور عام ١٩٩٦، ليوقعوا فيهم عشرات القتلى والجرحى، ولتكون تلك العملية صفعة قاسية يتلقاها جيش الكيان العبري، تهز مجتمعه وتَخلق بين مواطنيه ونخبه السياسية جدلًا كبيرًا تعكسه شاشات التلفاز والإعلام الإسرائيلي، ليظهر أننا أمام حالة خارقة ومذهلة يمثلها حزب الله وأمينه العام، تعطي الفلسطينيين والعرب شعورًا لا يوصف بنشوة الانتصار، وهم يَرَوْن نموذجًا متكاملًا لمقاومة عسكرية محترفة وشجاعة، في وقت كنّا نعيش فيه هدوءًا وانتكاسة عسكرية فلسطينية، جرتها تبعات اتفاق أوسلو، بدا في هذا الوقت أن كل الأصوات قد خرست وأن صوتًا واحدًا وحيدًا قد على، هو رصاص حزب الله وخطب زعيمه، فلا صوت يعلو فوقهما.

“عايز صورة لحسن نصر الله بحبه جدًّا”، هكذا يقول نجم الكوميديا الشاب محمد هنيدي لصديقه اللبناني الذي تعرف عليه للتو، في مشهد من فيلم “همام في أمستردام”، لم يكن ذلك مجرد حوار يملأ فراغ داخل فيلم، بل انعكاس لحالة مَرَضية معدية تنتشر بسرعة في أوساط الجماهير العربية، كانت تلك حالة حب تعلن عنها الشعوب العربية المتعطشة للنصر والمفتقدة للزعيم، صورة سماحة السيد يطلبها همام وأطاردها أنا وصديقي وكل الفلسطينيين والعرب لنشتريها ونعلقها منتشين على حوائط صالوناتنا، تنضج قصة العشق تلك وتصل إلى قمتها الملحمية عند تحرير الجنوب اللبناني.

 

تمر السنين وتبدأ العلاقة بالخفوت، وتبدو خطابات السيد أقل تأثيرًا وإثارة قبل سنوات، في خضم احتلال العراق وسقوطه في أتون حرب أهلية لعبت فيها ميليشيات إيران المذهبية دورًا أساسيًّا في جرائم التطهير المذهبي وتدمير الدولة ونسيجها الوطني، يشاهد الجمهور المحب دور حبيبهم السيد يتحول لمجرد ضابط اتصالات يتلقى تعليماته من غرفة قيادة ملالي قم.

تتكشف أدواره في اغتيال الحريري وقتل معارضيه السياسيين، وتكامله وتماهيه مع قوى الطائفية والقتل المذهبي في العراق، تتوج صورة السقوط، والتناقض بين الشعارات ومحك الممارسة الفعلية على الأرض الواقع، رويدًا رويدًا في ثورات الربيع العربي، عندما يتمنى سماحته في أحد خطاباته أن يكون مع ثوار ميدان التحرير، لكن أمنيته تلك تتغير في ميدان الساعة بمدينة حمص، يبدو متوجسًا من ثورة السوريين، ومنكرًا تورط حزبه في قتلهم ببداية الأحداث، ما يلبث لاحقًا ليؤكد قتال جنوده دفاعًا عن أضرحة آل البيت، إلى الاعتراف الصارخ بالتورط الفعلي والغرق الكلي في الدماء السورية؛ دفاعًا عن المقاومة ونظام الممانعة في دمشق، ويختمها باعتراف طوعي بكونه “جنديًّا من جنود خامنئي”.

السيد نفسه تغير شكله كما خطاباته عن السنين الفائتة، بات يبدو هرمًا بدينًا عابس الوجه، بلحية شعثاء يغزوها الشيب، لم تعد ابتسامته الساحرة التي عهدتها في الماضي البعيد تملأ وجهه بينما يتحدث عن المقاومة والأمجاد، أصبحت صفراء مخيفة، تعبق كراهية وتشبه ابتسامة القاتل في فيلم “عظام محببة”. تغيرت حركة جسده وكثر تشويحه بيده وتهديده لمن يقف في وجهه وأمام حربه ضد التكفيريين وعملاء الإمبريالية والصهيونية.

 

لكنه ما زال خطيبًا مفوهًا يمتلك مخزونًا كبيرًا من المصطلحات والتشبيهات، مثل “الممانعة والمقاومة”، “الصمود والتحدي”، وحديثًا عن “شيعة السفارة”… إلخ، لا زال يملك بقية من جمهوره المهووس بالشعارات والمعبأ بالتجييش الطائفي في صراع البقاء، أولئك الذين لا زالوا يقفون ويهتفون لخطاباته “لبيك يا نصر الله” محركين لقبضات أياديهم بحماسة شديدة، يعيدني المشهد لخطابات هتلر وجمهور النازية، لكني أجده أكثر قربًا لخطابات البغدادي وجمهوره الداعشي المنساق بنفس الأيديولوجيا والهوس الديني والاحتقان الطائفي وقتل المخالفين.

عكس الماضي البعيد بات الملل ينتابني سريعًا من بداية خطاب السيد، لا أغير القناة لكني أضغط زر الكاتم، لأشاهده صورة دون صوت، يبدو لي مثيرًا للضحك أكثر من شيء آخر، أضحك قليلًا وأنا أشاهده يلوح بيده تارة وبإصبع السبابة تارة أخرى، وأضحك كثيرًا بداخلي على نفسي التي انخدعت بنهجه وشعاراته العروبية، وأشفق على من لا زال مصدقًا ومنساقًا لخطاباته المذهبية الشعبوية الداعية إلى تجييش طائفة بكاملها، ليسوقها إلى حتفها بعد أن تكون قد أُنهِكت قتلًا وذبحًا وتشريدًا بشعب آخر.

أوقن ساعتها أن صورة السيد لم تعد ناصعة كما كانت من قبل، لم تعد تباع أيضًا على ناصية شوارع المدن العربية، مثل كعك العيد، الذي أفقده سماحته، طعمه ونكهته، لملايين البشر ممن نفاهم وشردهم وأغرقهم في براري الأرض وبحارها، نتيجة حربه المقدسة ضد المؤامرة الكونية على نظام آل الأسد “الممانع” بشهادة رامي مخلوف، أو دفاعًا عن العتبات المقدسة، أو المقاومة، أو أي شيء آخر جديد قد يسوقه سماحته في خطاب ثوري جديد، يطل فيه على جمهور “أشرف الناس”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد