مضت أيام وسنون وما زلنا نرى سفسطائية مجتمعاتنا العربية، التي تزداد كلما تقدمنا سنة عن سنة. ولكن ليس هناك شخص في هذه المجتمعات يعترف بأنه سفسطائي، وإنما يأخذون المنحى الفلسفي دائمًا، وينعتون أنفسهم بالفلاسفة، بحكم علمهم وثقافتهم اللامتناهية، ولكن هل فكرنا لحظة، ما الفرق بين السفسطائيين والفلاسفة؟

السفسطائيون في المعجم الفلسفي هم عبارة عن مجموعة من الناس كان لها تأثير في الأفكار والمعرفة في اليونان، وكانوا مثقفين وعلماء في بعض المناحي، وهم من كان ضدهم سقراط لأسباب عدة.

أما الفيلسوف فهو ذاك الإنسان الذي يؤمن بأنه ما زال يعرف القليل حتى يحظى بالكثير، هو ذلك الإنسان الذي لا يستعرض علمه كعضلاته أمام الملأ، هو من يسأل عن أدق التفاصيل ليصل إلى أدق النتائج التي من الصعب أن يصل إليها أحد.

وفي هذا المقال لا أنكر أهمية السفسطائيين في بعض الجوانب، ولكن أيضًا لا أنكر دعمي للأسباب التي بسببها كان سقراط «الفيلسوف الذي عاصرهم» ضدهم وشن هجومًا ملحميًّا عليهم. من أهم هذه الأسباب: أن السفسطائيين هم الذين يقدمون العلم والمعرفة مقابل المال، وفي بعض الأحيان هم من يدعون أن لديهم الكثير من المعرفة، ولكن هذه المعرفة في الحقيقة غير موجودة لديهم، وأيضًا هناك منهم من هو مكتفٍ بعلمه؛ وهذه الأسباب هي أصل الاختلاف بين الفيلسوف ومدعي الفلسفة، ألا وهو السفسطائي، كما ذُكر في بعض الكتب الفلسفية.

لأكن أكثر وضوحًا، لن أخوض كثيرًا في الأمور الفلسفية لهذا المنحى، ولكن لي أن آخذ هذه الأسباب الثلاثة وأربطهم بواقعنا الحالي.

فكم من معلم عد نفسه فيلسوفًا ولكنه في الحقيقة سفسطائي الأصل والاتجاه، وكم من أناس طبيعيين التقينا بهم في العمل، أو في الشارع، أو في المقهى وتناقشنا معهم في أمور عدة واكتشفنا نرجسية أطباعهم وسفسطائية أفكارهم التي يودون أن يقنعونا بها بالقوة، وكأننا تلاميذ على مقاعدنا الدراسية في مرحلتنا الابتدائية، وكم من شخص قدم علمه مقابل المال ونسي أن المعرفة ليست حكرًا على أحد؛ ولكن لأكن أكثر دقة، من المؤكد أن تقديم العلم مقابل المال ليس بالأمر السيئ كما ظن سقراط، وخصوصًا في مجتمعنا المادي الحالي، على العكس، إنما يندرج تحت أعظم المهن وأرقاها؛ ألا وهي مهنة التعليم، أما احتكار العلم وعدم تقديمه إلا بوجود المال هو من أقف في وجهه بالمرصاد، كما وقف سقراط في وجه السفسطائيين في ذلك الزمن.

مجتمعنا المخيف هذا وصل إلى أقصى درجات الجهل؛ وذلك لظن كل متعلم ومثقف أنه فيلسوف عصره وزمانه، ونسي تمامًا المعنى الحقيقي للفيلسوف، وهدفه السامي في هذه الحياة بعيدًا عن الغطرسة الشرسة ضد البشرية لظنه أنه مختلف. لا شك أن العلم والثقافة أمر سامٍ ومهم في كيان كل إنسان واعٍ، ولكن هذا لا يعطيه الصلاحية للتصرف كـ«أبو العريف» مع من هم أقل ثقافة وعلمًا منه، لا يمكننا أن ننسى ذلك الشخص الذي في يوم من الأيام نظر إلينا باستصغار ودناءة مفتخرًا بنفسه كالطاووس الملكي؛ لكونه يملك من المعرفة ما يجعله متكبرًا إلى الحد الذي يظن أن لا أحد سيصل إلى ما قد وصل إليه.

في الحقيقة، من يدرك جيدًا أنه نقطة في بحر المعرفة على الرغم من امتلاكه من الأفكار والثقافة ما يجعله موسوعة كبيرة مليئة بكل ما هو جميل، وما يجعل منه رمزًا فخريًّا ومرجعًا ثقافيًّا لكل من يؤمن بالعلم، هو بحد ذاته فيلسوف هذا العصر وهذا المجتمع الباهت المليء بالنسخ السفسطائية. إن الإنسان الذي يستنبط علمه؛ بالتفكر، والسؤال، والاهتمام بأدق التفاصيل مقابل اللاشيء، وإنما في سبيل الوصول إلى الحقيقة المطلقة، هو في حد ذاته الشخص الذي يستحق لقب الفيلسوف. ذلك المرء الذي يؤمن بالجميع وبقدراتهم العقلية، ويصل إلى نتيجة معينة من خلال مناقشتهم ومخاطبة عقولهم النيرة، هو من ينطبق عليه هذا اللقب.

إن الإيمان والثقة والافتخار بالنفس أمر لا بد منه، ولكن ليس إلى الحد الذي يجعل منا سلاطين ظالمين على رؤوس عروشنا. العلم في حد ذاته فخر وثقة، ولكن يجب ألا نسمح لهذا الفخر وهذه الثقة أن يقودانا إلى التعجرف حتى على العلم في حد ذاته. إن التغطرس على العلم هو ظلم للعلم نفسه، ونتيجته وخيمة جدًّا، ألا وهي جهل ينتج عن الاكتفاء بالعلم والمعرفة التي ظن مدعي الفلسفة في مجتمعاتنا أنه قد ختمها ووصل إلى أعلى درجة منها. العلم والمعرفة أمران لا متناهيان، ولا يمكن الشبع والاكتفاء منهما، حتى وإن غزا الشيب رؤوسنا الممتلئة بالأفكار والمعلومات والفلسفة.

فكما قال عمر بن المظفر في أبيات من قصيدته «لامية ابن الوردي»:

اطلبُ العِلمَ ولا تكسَلْ فمـا * * * أبعـدَ الخيرَ على أهـلِ الكَسَلْ

ماتَ أهلُ الفضلِ لم يبقَ سوى* * * مقرف أو من على الأصلِ اتَّكلْ

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات