لم يكن حازم صلاح هو القائد الوحيد الذي حذّر من القادم، وإن كان بكل تأكيد هو أكثر من حذّر واستفاض! لكن، لقد حذّر الرئيس من أشياء كثيرة أيضَا وبلغات مختلفة في الخطاب: فمرة قال: (أنا خايف على البنات)، وهذا تحذير من مغبّة القادم على أعراض مناهضي العسكر، وقد جرى ما حذّر منه!

وقد حذّر مرة من التآمر، قائلا: (أنا شايف صوباعين تلاتة بيتمدُّوا جوَّا) ورغم تندُّر الناس عليه فقد جرى ما حذر منه! وكان الذين تندروا عليه بالمناسبة هم إعلام العسكر! بمعنى أنها كانت سخرية مقصودة أطلقها الذين يتآمرون في الظلام للتغطية على أفعالهم!

ولكن أخطر ما حذّر منه هو الخطر الشامل الذي يشمل تحته كل الأخطار! وذلك حين قال: (إوعوا الثورة تتسرق منكم)! تُرى هل تحذيره كان موجها لكل الثائرين أم للإسلاميين منهم فقط؟ بمعنى هل كان يقصد أن يسرق العسكرُ الثورةَ من كل من في الميدان وقتها من إسلاميين وغيرهم؟ أم كان تحذيره موجها إلى الثوار الإسلاميين، وأن هناك من يقف معهم في الميدان من غيرهم بغرض سرقة جهودهم والسطو عليها؛ لجر البلاد إلى صورة عالمانية، لم ولن تختلف عن نظام مبارك، بل ستكون أسوأ بكل تأكيد؛ لأنها لن تجد القوة الإسلامية التي تواجهها بعد أن تم حرقها وإنهاكها؛ لتسرق العالمانية جهودها على طبق من ذهب!

على مدار تاريخ تحرر الأمة الإسلامية من الاستعمار كان المسلمون يثورون ويبذلون الدم والمال ويفقدون العرض والنسل في سبيل ثورتهم، ثم يجنيها من ليس منهم من صنائع الغرب، ليجلس على كرسي حكمهم، فيسومهم مجددا باسم الغرب سوء العذاب.

ثورة الجزائر قادها بن باديس وجناها ابن بلاّ، ثورة ليبيا قادها المختار وجناها القذافي، بل قبلهم ثورة الأزهر وعلمائه ضد الحملة الفرنسية جناها محمد علي! ولماذا نذهب بعيدًا! فتنظيم الضباط الإخوان في جيش الملك استولى عليه عبد الناصر وسماه بالضباط الأحرار ثم تسوَّر على جهود الإخوان طوال عقود ليسرق البلاد بثورة يوليو الأمريكية وراجع في ذلك ما نقله الخالدي في «سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد» وما أشار إليه، وفصل فيه محمود شاكر المؤرخ في المجلد الثالث عشر من «التاريخ الإسلامي» وطبعا «ثورة يوليو الأمريكية» لجلال كشك!

لو كان للعالمانيين حاضنة شعبية وقوة في الشارع كما كانوا يرددون دومًا أغنية «الشارع لنا» لقاموا بثورات على مبارك وحدهم وحكموا!

بل لو كانت لهم قوة بشرية لوصلوا إلى السلطة بالانتخاب كما سبق ودخل ثمانية وثمانون من الإخوان برلمان 2005! لكنهم مفلسون بشريا كما أنهم مفلسون فكريا! لا يملكون قلوب الناس كما أنهم لا يملكون الحلول لمشكلات الوطن!

ولذلك يندمجون في صفوف الثائرين المسلمين على كبر وعنجهية لا تخطئها عين واعٍ ثم يسرقون الثورة كلها في كل مرة ونحن في مصاف المتفرجين! بل لا أكون جائرًا في الحكم حين أقول إن اختيار خالد سعيد أيقونة لثورة يناير كان للتغطية على كل شهداء الإسلاميين في مواجهة العسكر طوال ستين سنة وجني ثمار دمائهم التي روت شجرة التحرر دون أن يعطوهم منها ثمرة واحدة! وكان آخرهم سيد بلال!

هل كان الرئيس يقصد أن يسرق العسكر الثورة من كل الثائرين؟ لا أحسبُ ذلك! لأنه حين قال كلمته تلك قالها بعد أن سرق العسكر الثورة من كل الثائرين بالفعل وأداروا 25 يناير لصالحهم! فماذا كان يقصد الرئيس، إلا أن يسرق العالمانيون ثورة الإسلاميين منهم ويتكرر التاريخ!

الآن حين أطالع صفحة الأستاذ الفاضل المحامي الإسلامي الشهير وهو يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم
من كلمات الرئيس مرسي فرج الله كربه: اوعوا الثورة تتسرق منكم. احذروا الثورة بتتسرق»، ثم أراجع خلفية هذا الكلام من كون الرجل كان ضمن طاقم قناة فضائية طالما تحدثت باسم الثورة منذ أنشأها باسم خفاجي القادمُ من أمريكا حتى اشتراها أيمن نور المرضي عليه من أوروبا؛ ليزيل عنها كل مظهر إسلامي ويمنع فيها مجرد ذكر صفة الرئيس على أنه الرئيس!

حين أراجع ذلك أفهم معنى ما حذر منه الرئيس! أن الأرض قد تم حرقها، وأن كوادر الإسلاميين قد تمت تصفيتهم، وأن قوتنا قد تم تأطيرها، وأن عزمنا قد تم تلجيمه، وأنه قد آن للعالمانيين أن يركبوا الثورة ويسوقوها ويسوقونا معها حيث شاءوا، وأن المطلوب منا غربيا أن نسمع ونطيع ونترك مكبرات الصوت في الميدان تماما، كما نزعوا منا مكبرات الصوت والكاميرات في تلك القناة ليتم تلميع العالمانيين عليها وبها وغرسهم في وجدان الناس بصورة الأبطال المنتصرين العائدين إلى بلادهم تحت أقواس النصر قريبا إذا ما شاء الغرب خلع السيسي!

إن الاستيلاء على قناة الشرق وتحويرها بذلك الشكل ونزع صبغتها الإسلامية الأولى الرقيقة؛ يُنذر بخطوات حقيقة واقعية تمشي برسوخ وتؤدة لسرقة الثورة! بل لتسليم البلاد لهذه الفئة التي لا تبذُل، ولكن تركب! فلم يعُد التحذير من سرقة الثورة مجرد تحذير! بل لقد أصبح صوت النداء الأخير!

فهل نترك الثورة تُسرق؟ هل نترك الثمن الذي دفعناه يشتري المجد لغيرنا؟ هل نأتي بمحمد علي لينفي عمر مكرم من جديد؟ هل سيكون نصيب د. مرسي أن يُصبح مجرد اسم في السياق السياسي رغم كل ما بذله أهله وعشيرته في سبيل التحرر؟ كما لم يخرج عمر مكرم بنصيب من الحكم إلا أن صار مجرد اسم يُطلق على مسجد في ميدان التحرير! مسجد يعتلي منبره مظهر شاهين فينبح وينبح وينبح!

لقد تعمدت أن أكتب العنوان (أخطر ما حذر منه الرئيس) ولم أذكره باسمه المجرد د. مرسي؛ لأنه لا رئيس إلا الرئيس! فلو كنتَ إسلاميا تؤمن بالديموقراطية سبيلا فلا مهرب لك في تأييد أي حل يشترط التخلي عن الرئيس بزعم الاصطفاف الثوري!

هذا اصطفاف في الممنوع لن يلبث أن يتسبب في كارثة مرورية! ولو كنت إسلاميا لا يؤمن بالديموقراطية سبيلا فتأييدك للرئيس واجب عليك وهو من باب مغالبة الطواغيت وأعوانهم، وعدم السماح لهم بالتمكن أكثر من بلاد الإسلام ومن المسلمين!

وقد تحدث الشيخ رفاعي سرور قبل وفاته عن أن تأييد حازم كان واجبا؛ لأنه مغالبة للطواغيت فلا يختلف الحكم الآن في د. مرسي لأنه الوحيد الذي نستطيع به مغالبة الطواغيت قبل أن يسرقوا منا ثورتنا ليعطوها لعملائهم العالمانيين المندسين وسطنا كالعادة؛ ليحكموا بفضل دمائنا وأعراضنا! لا لأيمن نور حل توافقي، لا لأي تسوية لا تتضمن الرئيس وطاقمه وكافة المعتقلين، لا لأي حل لا يتضمن القصاص من مؤسسات الانقلاب، لا عودة للوراء. أفيقوا قبل أن يتكرر التاريخ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد