أحب صدق الرئيس السيسي، أشعر أنه كاشِف، أشعر أنه مرآة لنا، بالتأكيد بعد ردح من الزمان لن يتغاضى التاريخ عن سرد هذه الحقيقة، الرجل من اليوم الأول أعلن لنا أنه لا يمتلك برنامِجًا أو خطة زمنية، لم يعلن لنا عن أيديولوجيته ولم يتسن لنا التأكد من كونه يمينيًّا معتدِلًا كما يحب أن يروج لنفسه في وسائل الإعلام الغربية – نظرًا لأنه يعلم ما يترتب على إعلان يساريته– أو يساري برتبة ناصري كما يحب أن يروج لنفسه في الإعلام المحلي، الرجل قد يكون أول حاكِم في العالم تم انتخابه لمجرد أنه قال “تحيا مصر” ثلاثًا وأتبعها بالحديث الناعم عن الثورتين ولِمَ لا نضعهم في جملة واحدة؟

مما حدا بواحد من أبرز مؤيديه أن يقتبس عنه هذه الجملة ويضعها عنوانًا لبرنامجه ويباهي بها أقرانه من الإعلاميين، وفي إطار صراحة الرئيس المعهودة قرأت حديث الرئيس للواشنطن بوست الذي حوى أربعة محاور أساسية:

1. الولايات المتحدة

منها وإليها نعود، فد تكون هي الجملة الأنسب لوصف ما يشعر به الرئيس نحو الولايات المتحدة – على الأقل في حواره-، بدأ حواره مع الصحفية بتذكيرها بآخر مقابلة لهما حين أخبرها أن أمريكا أدارت ظهرها لمصر، فسألته: وما رأيك الآن؟ فأجابها أنه يرى أن هناك مشكلة في التواصل، وسرد لها الأخطار التي تتعرض لها المنطقة، وختم إجابته أنه يؤمن أن أمريكا تتابع عن قرب تهديد الإرهاب “لها”، وتلك قد تعد جملة مطاطة لكن سيستفيض هو في الشرح لاحِقًا.

عادت الصحفية لتسأله عما ينتظره من أمريكا؟ فأجابها أنها يجب أن تدعم إرادة الشعب، فقالت له: بمعنى أن تدعمك؟ فقال لها نصًّا: “السيسي يعكس الإرادة الشعبية للمصريين”، هنا يخبرنا الرئيس عن نفسه وعن وجوب دعم أمريكا لنظامه طبعًا لمكافحة الإرهاب، تحدِثه الصحفية عن تأجيل أوباما لصفقة الأسلحة لحين إحراز تقدم على مستوى الحريات والديمقراطية، فيجيبها الرئيس بسؤال عمن يقوم بالإرهاب أليس هؤلاء الذين لا يريدون الانضمام للعملية السياسية، هنا يُصدِّر الرئيس أزمة مصر أنها عبارة عن طرفين: الأول يمثل الدولة بمؤسساتها الدستورية، والثاني طرف يرفض الانخراط في العملية السياسية.

لم يتحدث الرئيس عن حملة التشهير بحق كل من شارك في ثورة 25 يناير أو تشويه كل وجوه العملية السياسية إن حاولوا الاقتراب منه، في جانب آخر من الحوار وفي سياق الحديث عن التسليح الروسي وبدلًا من أن يجيب إجابة تليق برئيس دولة مستقلة يجيبها أن هناك العديد من التهديدات، وأنا أحتاج إلى السلاح من أي مكان، ويبدأ مجددًا في اللعب بورقة الإرهاب هذه المرة في ليبيا، ويتعجب من موقف أمريكا المشاهد لما يحدث، فتسأله عن رؤيته لما يتوجب على أمريكا فعله، فيجيبها أن تدعم مصر وأن تحميها لأن مصر دولة كبيرة سكانيًّا وإذا سقطت ستجر المنطقة نحو دائرة الفوضى، استخدم الرئيس في حواره مصطلح سقوط الدولة وما يترتب عليه من فرض سيطرة داعِش على المنطقة، مما جعل الصحفية تتعجب من ذلك.

2. إيران

سألته الصحفية مباشرة عن رأيه في أزمة إيران وهل يعتقد أنها يحق لها امتلاك سلاح نووي؟ فأجاب أنه يتفهم وضع الرئيس أوباما ويتطلع لتحقيق إنجاز أكبر في الأمر مع الأخذ في الاعتبار القلق الإسرائيلي، في الأحوال العادية سيجيب رئيس أكبر دولة عربية وإسلامية عن هذا الأمر بأنه لا يرى مشكلة في امتلاك إيران لقوة نووية بشرط ألا تستخدم إلا في الأغراض السلمية، وليس لإرهاب جيرانها وينوِه لخطورة وجود دولة في المنطقة تمتلك سلاحًا نوويًّا، وليس أن يقول إنه يتفهم القلق الإسرائيلي، أي قلق يا سيادة الرئيس من دولة تبعد عن إسرائيل آلاف الكيلومترات بينما أنت لا تمتلك أي ذرة قلق من دولة تمتلك بالفعل قوة نووية على حدودك الشرقية، في الغالب قصد السيسي بتلك الإجابة مغازلة رجل الشارع الأمريكي الذي يخشى على أمن إسرائيل ويخشى على نفسه من الإرهاب، وهو ما تطرق إليه مرات ومرات خلال حواره.

3. إسرائيل

حين ذكر القلق الإسرائيلي سألته الصحفية عن علاقته بإسرائيل، وهنا في رأيي أهم مناطق الحوار التي أجاب فيها الرئيس بكل صراحة، قبل أي شيء نتذكر جميعًا ما حدث منذ ثلاثة أعوام حين تسرب للإعلام خطاب تعيين سفيرنا الجديد في تل أبيب، وقيل في المعزول محمد مرسي أشد مما قيل في الخمر، وكان الخطاب المادة الدسمة على الموائد الإعلامية حتى الآن، أجاب السيسي عما يتعلق بإسرائيل بالآتي:

“نحن نحترم اتفاقية السلام مع إسرائيل مذ وقعت، مثال على حجم الاحترام بيننا أن المعاهدة لم تكن تسمح بوجود قوات مصرية في وسط وشرق سيناء وهي المناطق المتاخمة للحدود، ولكن الإسرائيليين قالوا إنه من الجيد أن تكون هناك قوات مصرية في هذه المناطق، مما يعني أن المشاعر العدائية وأجواء التشكك قد تناقصت بوجود سلام مع إسرائيل، هذا ممكن الحدوث بين كل الدول العربية وإسرائيل إذا تم الوصول لحل الدولتين”.

هنا يعلن الرئيس المصري القادم بعد ثورتين أنه على المستوى الرسمي لم تعد هناك مشاعر عدائية أو تشكك في القيادة الإسرائيلية، الرئيس يظن أنه من كرم أخلاق الصهاينة سماحهم بوجود قوات مصرية على الأراضي المصرية، الرجل لا يعتقد أن اتفاقية السلام بحاجة إلى إعادة نظر يكفيها شرفًا أنها جعلت من مصر مثالًا يحتذى به للتطبيع مع إسرائيل، الرئيس يعتقد أن إسرائيل ستكون حليفًا جيدًا بشرط إقرار حل الدولتين، هو يطلب من العرب عن بكرة أبيهم تقديم التطبيع مقابل فتات الأرض، شجعت إجابته المنفتحة الصحفية على توجيه سؤال هام آخر وهو:

هل تتحدث كثيرًا لنتنياهو؟ فأجاب: “كثيرًا، وأؤكد له أن اتفاقية السلام مع الفلسطينيين ستكون خطوة تاريخية له ولإسرائيل، وأننا مستعدون للمساعدة”، هل يجب على أحفاد جوبلز الآن الكف عن الطنطنة بسيرة الزعيم الذي يقض مضاجع الصهاينة؟!

5. الإخوان وداعِش

حين يذكر رفض بعض الأطراف لدخول العملية السياسية بعد 30 يونيو، فتسأله هل يقصد الإخوان؟ فيجيب أنهم قرروا الانقلاب على الدولة، ويتعجب من سلوكهم لأن الدولة المصرية لم تقم باتخاذ أي إجراء ضد المدنيين في سيناء، ويسأل في حالة مواجهة الإرهاب من الجهة الشرقية والغربية خاصة مع عدم وجود أمن في ليبيا يمنع تدفق السلاح إلى المتطرفين، فتسأله هل هم الإخوان؟

يجيبها: أن الإخوان هم آباء الفكر المتطرف وينشرونه حول العالم، هنا يجب أن نسأل السؤال السرمدي: كيف وافقت على أن تنضم إلى حكومة يرأسها إرهابي مثل محمد مرسي؟ وكيف تكون مسئولًا عن الجيش في ظل هذا النظام؟ وما الذي كنت ستفعله إن لم يعزل؟

التعليقات من موقع الصحيفة تثبت أن صدق الرئيس وصل إليهم بدرجة كبيرة، فهم يتحدثون عن كونه الوجه الحقيقي لحكام الدول الإسلامية، وأنه إذا ما توافر مثله في كل الدول الإسلامية سننعم بعالم أفضل، هم ليسوا أغبياء أو عميان، هم يتعاملون في ضوء الحقائق الموجودة أمامهم لذلك قال السيسي ما قال، الأغبياء والعميان هم من تقال لهم ذات الحقائق دون مواربة ويغضون الطرف عنها مفضلين التحدث عن استشهاد كلب واحتجاز راقصة أكثر من التحدث عن الشهداء والمعتقلين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد