لعل حال الشعب المصري اليوم يُشبه إلى حد قريب «أسطورة سيزيف» الإغريقية الشهيرة؛ فسيزيف أو «سيسيفوس» (Sisyphus) كان ملكًا عُوقب في «تارتاروس» بأن لُعـِن بأن يدفع حجرًا لأعلى الجبل؛ ليراه بعد ذلك يتدحرج إلى الوادي؛ فيعود لدفعه أعلى الجبل تارة أخرى، ويظل يفعل ذلك إلى الأبد.

وكان سيسيفوس أحد أكثر الشخصيات مكرًا بحسب «الميثولوجيا» الإغريقية؛ حيث استطاع أن يخدع إله الموت «ثانتوس» ويكبله؛ مما أغضب كبير الآلهة «زيوس»، فعاقبه بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي، فيعود إلى رفعها إلى القمة، ويظل هكذا أبد الدهر.

والسيزيفية تعتبر كل مثال للنشاط غير الهادف والسعي المتخبط والفاشل والذي لا يصل إلى أية نتيجة. وهكذا حال الشعب المصري، كُتب عليه في كل عهد أن يعيد حمل الحجر لأعلى، ثم يسقط الحجر؛ ليعيد حمله من جديد ويصعد به إلى قمة الجبل!

والحجر هنا هو ما يسمى في كل العهود، (من السادات، وحتى السيسي) «عملية الإصلاح»، وما ينتج عنه من غلاء طاحن وفاحش يهرس قلب وعظم المواطن المصري تحت وطأته.

السادات ومبارك والسيسي تعددت الشخوص والأزمنة والسياسة واحدة!

ففي كل مرة يُطلب من الشعب المصري تحمُل ضريبة الإصلاح من أجل أن تعبر مصر إلى بر الأمان مع ولى النعم وسيد كل عصرورمز التحدي وزعيم الشعب!

والغريب والعجيب والمحير أن عملية الإصلاح وما ينتج عنها من أعباء لا يتحملها إلا الفقراء المطحونون المعوذون بفقرهم وحاجتهم، بينما الأغنياء المتخمون بثرواتهم وشهواتهم يزدادون غنى، ويزيدون في ظل ذلك الإصلاح المزعوم من ثرواتهم أضعافًا مضاعفة من الملايين إلى المليارات.

وذلك أمر يثير الرثاء إلى حد البكاء ويتعدى حدود الشجن.

وعلى الرغم من أنى كتبت من قبل عدة مقالات مُعمقة عن الشأن المصري مثل: همسة مزدوجة في أذن الجنرال الرئيس ومؤيديه عن الفرق بين تجربة البكباشي الزعيم وتجربة المُشير الرئيس.

دعوة إلى تحكيم العقل في مصر

النظام وجماعاته وفوبيا 11/11

عن الثورة والثورة المضادة والواقع المصري

وفى ذلك الجو من الفراغ والوحشة والإحباط رأيت أن الحالة المصرية اليوم، وهى حالة ضبابية تجمع ما بين الارتباك والإحباط والغضب، تقتضى عدة ملاحظات سريعة دون إغراق في التفاصيل!

ملاحظات على أداء الرئيس وحكومته

لعلنا في مصر اليوم نرى قرارات وتصرفات وتعليقات على مواقف مختلفة من النظام الحاكم وحكومته تبدو في أحيان غريبة، وفى أحيان أخرى مُريبة، وهى عجيبة طوال الوقت!

فبعيدًا عن تصريحات الرئيس التي تثير لغطًا كالعادة، مثل: «ثلاجة الرئيس الفاضية»، و«اللي يقدر على ربنا يقدر علينا». كان يتحتم على كل فرد أن يسأل الأسئلة المنطقية: من الذى يحكم مصر؟ وكيف تحكم وتُدار مصر؟ وكيف يتخذ صانع القرار قراره؟ ومتى يجب أن يتراجع صانع القرار عن قراره؟ وكلها أسئلة مشروعة لا يُجرمها قانون العقوبات المصري في إحدى مواده!

ولا يُعطى قانون الإجراءات الجنائية المصري الحق للنيابة العامة في حبس صاحب تلك الأسئلة أربعة أيام على ذمة التحقيق انتظارًا لتحريات الأمن الوطني!

كثيرون من مؤيدي الرئيس «السيسي» يرون أن أهم مميزاته هي رقة قلبه، وسمو مشاعره التي تجعل دموعه تنساب وعبراته تترقرق من عيونه على الحال الذى وصل إليه الشعب المصري في عهده الميمون!


ولعل من أهم الملاحظات على أداء الرئيس وحكومته هي:

الملاحظة الأولى: التضارب في المواقف والتصريحات

مثال: خروج الرئيس منذ فترة ليطلب من الشعب الصبر لمدة 6 شهور كي ينصلح الوضع الاقتصادي السيئ.

فيديو للرئيس

ثم يأتي مساء نفس اليوم ليظهر المتحدث الرسمي لمجلس الوزراء في أحد البرامج لينفي تصريحات رئيس الجمهورية قائلًا: «الدنيا لن تنصلح في ستة أشهر»!

فيديو للمتحدث الرسمي باسم الحكومة

https://www.youtube.com/watch?v=wiqGC-dBYSc

الملاحظة الثانية: التضارب في الأرقام والمعلومات المعلنة من قبل الرئيس وحكومته، وكأنهم ليسوا جهازًا تنفيذيًا واحدًا، على الرغم من تأكيد الرئيس على متابعته لحكومته لحظة بلحظة!

مثال: ما بين ضبط الأسعار في شهرين، والصبر ستة شهور!

يعد الوضع الاقتصادي المتدهور الذي يعيش فيه أغلب الشعب المصري، أحد أهم وأكبر المشكلات التي تواجه عبد الفتاح السيسي، وظهر الرئيس المصري في عدد من المؤتمرات والكلمات مؤكدًا للشعب المصري قُرب ضبط الأسعار خلال فترات زمنية محددة وقريبة.

ونبدأ من يوليو (تموز) 2014، وبعد أيام من رفع أسعار عدد من السلع الأساسية التي تهم كل المواطنين، قال السيسي في خطاب متلفز في الذكرى الهجرية لانتصارات حرب أكتوبر (تشرين الأول)، العاشر من رمضان: «كان من الضروري رفع بعض السلع، ونظام الدعم يستفيد منه الأغنياء على حساب الفقراء، وسنسعى لضبط الأسعار».

فيديو للرئيس

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 وخلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة قال: «بنهاية الشهر الجاري ستتدخل الدولة لتقليل الأسعار بشكل مناسب»،

فيديو للرئيس
https://www.youtube.com/watch?v=B-zeZ7s6Nxs

ثم عاد في نفس الشهر ليتراجع خلال افتتاح مشروعات في شرق بورسعيد قائلا: «الجميع سيلاحظ انخفاضًا حقيقيًّا في أسعار السلع الأساسية بنهاية ديسمبر» (كانون الثاني).

فيديو للرئيس

ومع دخول العام 2016 كانت ارتفاعات الأسعار المستمرة، ومع تصاعد أزمة «تيران وصنافير» التقى السيسي بمجموعة من ممثلي مجلس الشعب والمجلس القومي لحقوق الإنسان والنقابات المهنية والعمالية، وكتاب وصحافيين، كان ذلك تحديدًا مع بداية إبريل (نيسان)
2016، وقال: «لن يحدث تصعيد في الأسعار مرة أخرى، حتى لو سعر الدولار ارتفع مرة أخرى، والجيش مسؤول والدولة مسئولة عن ذلك…هذا وعد».

وعود الرئيس الوردية لا تنتهى

وفي نهاية نفس الشهر أبريل (نيسان) وخلال كلمته المتلفزة بخصوص أعياد تحرير سيناء، طالب وقتها الحكومة والقوات المسلحة ببذل الجهود للحفاظ على الأسعار وعدم ارتفاعها، حتى لو حدث تذبذب في سعر الدولار، وكلف الحكومة بحساب فرق الأسعار والتضخم الناتج عن الارتفاع.

فيديو للرئيس

وفي سبتمبر (أيلول) 2016 وخلال افتتاح مشروع بشاير الخير في غيط العنب في محافظة الإسكندرية قال: «خلال شهرين، السلع سيتم خفضها، نتيجة زيادة المعروض، بغض النظر عن سعر الدولار، وهذا التزام من الحكومة للشعب المصري».

راجع الرابط

فيديو للرئيس

https://www.youtube.com/watch?v=hfLlZ75q5qI

وبالطبع ما يحدث من ارتفاعات الأسعار بنسب تزيد في بعض السلع عن 50% يعكس مدى الوهم أو الخيال (ولا أريد أن أقول الكذب) في تصريحات الرئيس.

إن كل ذلك التناقض الذى شاهدناه ما بين المُصرح به من قبل الرئيس وما يعيشه ويلمسه المواطن المصري البسيط على أرض الواقع يخلق فجوة أصبحت تتسع كل يوم بين القول والفعل، وبين الظاهر والباطن، وبين المعلن والخفي.

وكل ذلك يخصم حتمًا من شرعية النظام التي أصبحت تتناقص مع كل يوم ينقضي.

الملاحظة الثالثة: سوء الإدارة واصطناع الأزمات

مثالأزمة جزر صنافير وتيران

السيسي وسلمان وبينهم جزيرتان!

لم يكن الرئيس السيسي (وحكومته الرشيدة!) بحاجه لمشكلة جديدة يصنعونها لأنفسهم ـ كعادتهم ـ ليضيفوها إلى المشاكل والمشكلات التي تحول بعضها ـ بفعل الإدارة السيئة لذلك النظام، ولتلك الحكومة ـ إلى أزمات قائمة بالفعل أمامهم.

تلك الأزمات التي أصبحت تؤثر على توجهاتهم وتشوش على نظراتهم وتعيق تحركاتهم وتشل قدراتهم!

فلم يكتف الرئيس وحكومته بحديثه في بداية أزمة الجزر مبررًا التنازل عن الجزر بقوله: «أمي علمتني، وقالت لي متطمعش في إلى في إيد الناس حتى ولو كان والدك»!

فيديو لتصريحات الرئيس

https://www.youtube.com/watch?v=domVrspUdVQ

تلك التصريحات التي سوقها الإعلام الرسمي وكأنها اكتشاف جديد في نظريات العلاقات الدولية!

ومنذ عدة أيام فوجئ الجميع بقيام مجلس الوزراء بإحالة اتفاقية الجزر الموقعة مع السعودية إلى البرلمان المصري (برلمان «عليا الطلاق» و«لو سمحت»)، وذلك دون الانتظار لحكم المحكمة الإدارية العليا الذى سوف يصدر بعد أيام قليلة؛ وذلك أثار موجة كبيرة من السُخط والغضب الواصل إلى حد القرف، والاستياء الواصل إلى التخوين للنظام وحكومته.

ولعل السؤال الذى يجب أن يثار هو: لماذا الآن؟ ولمصلحة من يتم ذلك الفعل؟

وكانت تصريحات الرئيس مع أفعال حكومته مليئة بالغموض ومُثيرة للقلق وموقظة للشك.

الملاحظة الرابعة: اشتداد القبضة الأمنية والعنف خارج إطار القانون

لقد أصبح من الواضح اليوم اشتداد القبضة الأمنية والعنف خارج القانون من قبل النظام وحكومته، وتلك شهادة كل منظمات حقوق الإنسان المعترف بها دوليًا. فالنظام اليوم يتصرف في معالجة الأزمات على طريقة مقولة الرئيس الأمريكي «فرانكلين روزفلت» «تكلم بلطف واحمل عصا غليظة».

فهو يتحدث بمنتهى الرقة، ولكن تصرفات أجهزة النظام تنطلق بمنتهى الغلظة.

صورة لتجاوزات الأجهزة الأمنية

ومن شواهد ذلك: حالات الاختفاء القصرى، وعودة سياسة التعذيب من جديد داخل أقسام الشرطة (حالة «مجدى مكين» مثال)، والتعامل بمنتهى القوة، بل التجاوز في استخدام القوة المفرطة ضد أية محاولة للاعتراض ضد أية سياسة من السياسات، أو قرار من القرارات للنظام وحكومته، ولعل ذلك عائد لعدة أسباب:

  • منها سوء الإدارة وقصور الكفاءة للنظام الحاكم وحكومته.
  • ومنها قصور الإنجازات الحقيقة بعيدًا عن تلوين الإعلام على أرض الواقع.
  • ومنها الفهم الخاطئ والاستسهال في استخدام قوة الدولة، لتتجاوز لاستخدام القوة المفرطة. وتلك نقطة ينبغي الوقوف عندها والحديث عنها بنوع من الشرح:

فصانع القرار(أي صانع قرار) ينسى أن استخدام القوة ممكن إذا التزم حدوده الدستورية و القانونية، ولكن عندما تتجاوز تلك القوة كل الأطر الدستورية والقانونية؛ فإن الدولة تنزل وتتنازل عن دور رجل الشرطة الذى ينفذ القانون، إلى بلطجي بأجرة وأجر لا يردعه رادع، سوى قوة أكبر منه وأقوى! كما كان الوضع في عصر «الفتوات» الذى حدثتنا عنه قصص وروايات أديب نوبل «نجيب محفوظ».

ولعل أكثر ما يمكن أن يجسم ذلك هو الطريقة التي تعاملت بها أجهزة الأمن مع مظاهرة لمجموعة من الشباب لم تزد عن (20) فردًا أمام نقابة المحامين بوسط القاهرة منذ أيام قليلة اعتراضًا على تحويل مجلس الوزراء لاتفاقية الجزر للبرلمان.

فيديو لفض المظاهرة والقبض على بعض المتظاهرين

وفي حقيقة الأمر ينسى صانع القرار في مصر أن تعسفه في استخدام تلك القوة وتجاوزه حدود تلك القوة بعيدًا عن الأُطر الدستورية والقانونية «تخصم من شرعيته، وتزيد من كراهيته وتُحرض على إزاحته»!

الصورة الاقتصادية المصرية مأساة حقيقية

ديون مصر الخارجية ترتفع 14 مليار دولار في عام.. وإجمالي المبالغ تجاوز 120 تريليون جنيه

بلغت أعباء الدين الخارجي لمصر(فوائد وأقساط) 2.458 مليار دولار في الربع الأول يوليو (تموز) ـ سبتمبر (أيلول) من العام المالي الجاري 2016-2017، مقابل 2.324 مليار دولار في الفترة نفسها من العام المالي 2015-2016، بارتفاع قدره 5.7%.

تعويم الجنية قرار سبب أضرارًا كبرى

وكشف البنك المركزي المصري، الخميس 5 يناير (كانون الثاني) 2017، عن ارتفاع الدين الخارجي للبلاد ليصل إلى 60.152 مليار دولار في نهاية الربع الأول من العام المالي الجاري من 46.148 مليار دولار في نهاية الربع الأول من العام المالي السابق، بمعدل ارتفاع يبلغ 14 مليار دولار.

ويبدأ العام المالي في مصر مطلع يوليو (تموز) حتى نهاية يونيو (حزيران) من العام التالي، حسب قانون الموازنة.

وتمثل أعباء الدين الخارجي لمصر في الربع الأول من العام المالي الجاري، نحو 89% من 2.75 مليار دولار قيمة الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي البالغ 12 مليار دولار، التي حصلت عليها القاهرة في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016.

وتعهدت مصر بتدبير 6 مليارات دولار في صورة دعم ثنائي من دول ومؤسسات مالية؛ لنيل موافقة الصندوق على طلب القرض.

وارتفعت إلى 16.3% نسبة الدين الخارجي لمصر من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية الربع الأول من العام المالي الجاري مقابل 13.2% في الفترة نفسها من العام المالي الماضي.

ديون مصر في آخر خمس سنوات

ولعل من المفارقات أن النظام وحكومته الذى يشكو دومًا من ضيق ذات اليد ويطالب المصريين بالتحمل دون أن يفتحوا أفواههم بكلمة! ودائمًا ما يذكرهم بقلة الموارد للصرف على الخدمات الأساسية: تعليم، وصحة، وإسكان، وخلافه، قام بصرف أكثر من 750 مليون جنيه مصري حوالى 100 مليون دولار على إنشاء سجون جديدة كان آخرها سجن «المستقبل»!

وحسب الموازنة المصرية فإن ميزانية وزارة الداخلية تساوي خمسة أضعاف ميزانيتي وزارتي الصحة والتعليم معا»، وتلك مفارقة، لكنها تُظهر التوجهات الحقيقية للنظام ومبعث قلقه وتخوفاته.

الصورة الاجتماعية فجيعة كُبرى

ومما يزيد الصورة وضوحًا وجلاءً مطالعة تلك الأرقام؛ حتى نتعرف على مدى فداحة التقسيم الطبقي اليوم بصورة أبشع مما كان عليه الوضع قبل ثورة يوليو (تموز) 1952.

فمصر تحتل الآن المركز الثامن بين أسوأ 15 دولة في العالم في توزيع الثروة، كما كشف تقرير أصدره بنك «كريدي سويس».

حيث يسيطر 10 % من المصريين على 73 % تقريبًا من ثروة البلاد، و1% من الأغنياء يسيطرون على 48.5% تقريبًا من هذه الثروة. ويحصل 5% من الموظفين على 40% من إجمالي الأجور، و95% منهم يحصلون على الـ 60 % الباقية!

الظلم والقهر الاجتماع وصل لدرجة غير مسبوقة

ولعل ما لا يفهمه الرئيس وحكومته ــ أو يتجاهلون فهمه ــ أن عدم خروج الشعب المصري حتى الآن ضدهم وضد رؤيتهم وسياساتهم وقراراتهم لا يعنى أن المصريين يوافقون على تلك السياسات؛ فالغضب يجتاح الصدور، والأسعار ترتفع بمستويات فلكية؛ لتكوي القلوب قبل الجيوب!

والتوقعات بحدوث فوضى في مصر تتداولها صحف غربية وإسرائيلية، وهى تطالب العالم بتقديم مساعدات عاجلة لمصر.

راجع الرابط

واقع اجتماعي مرير يعيشه المواطن المصري

ثم إن كل الدراسات الاقتصادية الجادة تؤكد أن الأسوأ لم يأت بعد، فعجز الموازنة العامة بلغ 13%، والدين الداخلي وصل إلى 100%، والديون الخارجية تعدت 53 مليار دولار، من المقرر أن يضاف إليها 21 مليار دولار بعد قرض الصندوق، و25 مليار دولار أخرى لإنشاء محطة الضبعة النووية، مع وصول التضخم إلى 14%، وهى مؤشرات تؤكد صحة التوقعات بوصول الفقراء في مصر إلى 70 مليون نسمة، بعد أن كانوا 30 مليون فقط، قبل ما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية!

تغييب تام للمؤسسات وغياب أي نوع من الشفافية أو المشاركة المجتمعية في صناعة واتخاذ القرار أصبح هو السمة السائدة في مصر اليوم

الخطير في الأمر أن السلطة في مصر تتخذ مثل هذه الإجراءات الاقتصادية القاسية بطرق ملتوية وغامضة، لا تُشرك الرأي العام فيها، وتقدم له وعودًا يصعب تنفيذها، أو على الأقل لا تُلزم نفسها بتحقيقها.

حتى الآن نحن لا نعرف أي شيء على الإطلاق عن خطة الحكومة لتحقيق الرفاهية الاقتصادية التي تعدنا بها منذ جاءت، ومتى ستتوقف عجلة الفقر في مصر عن الدوران؟ هل بعد 5 سنوات أو 20 سنة؟

إن السلطة في مصر تتعمد ـ مع سبق الإصرار والترصد ـ تغييب الجماهير عن المشاركة في صنع القرارات المصيرية.

فالمظاهرات الغاضبة المعترضة يتم منعها بغلظة تخصم من شرعية النظام.

القوة الغاشمة يقابل بها أي تحرك احتجاجي

والإعلام أصبح مثل كل المؤسسات في مصر مهجنًا، لا يقول إلا ما تريده السلطة، ولا ينتقد إلا من تريد الأجهزة الأمنية نقدة، ولعل إقصاء الصحفي «إبراهيم عيسى» من برنامجه مثال واضح على عدم تقبل أي نقد ـ ولو مستتر ـ للنظام.

إبراهيم عيسى

وعدد كبير من إعلاميي النظام صاروا يشبهون ذلك الشاعر الذى دخل على أحد الحكام في العهد المملوكي، وكانت مصر وقتها قد أصيبت بزلزال عنيف، فقال ذلك الشاعر
مادحًا له:

«ما زُلزلت مصر من كيدٍ أريد بها .. لكنها رقصت من عدلكُم طربًا!»

والبرلمان قد تم هندسته على المقاس المطلوب؛ ليصبح برلمان «موافقون» كما كان قبل ثورة يناير (كانون الثاني)، ولعل البرلمان المصري اليوم ورئيسه «علي عبد العال» ينطبق عليهم قول الشاعر الذي أراد أن يمتدح أحد الحكام فقال له: إنه لم يقل «لا» إلا في تشهده!

برلمان عبد العال موافق دائمًا (كما يطلق عليه المصريين تندرًا)

أما الأحزاب التي تتواجد في حياتنا السياسية فلا نسمع لها حس، ولا خبر، كل ما تفعله هو إصدار بيانات التأييد طمعًا في منصب تُمنى نفسها به، أو الشجب للنظام وللحكومة؛ لتقدم لنفسها مبررًا عن فشلها في أي عمل حقيقي في الشارع، ولا تحلم بتداول السلطة، بل لا تسعى إليه أصلًا.

يزيد على ذلك أن الاتفاق مع صندوق النقد جاء بنفس الطريقة التي تم بها التفاوض مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، ومع السعودية حول ترسيم الحدود البحرية.

في كل تلك الحالات والأمثلة لم تحاول السلطة في مصر فتح أي نقاش عام حول هذه القضايا. وحتى قرض الصندوق الذى يدفع الفقراء فاتورته الباهظة فرضته الحكومة على الشعب، وكأنه قدر لا فكاك منه، بالرغم من أن هناك العديد من البدائل التي كان يمكن تبنيها لحل أزماتنا المعيشية المتفاقمة مثل:

  • على رأسها فرض الضرائب على الأغنياء، ومنع استيراد السلع التي يتوافر لها بديل محلى.
  • مع تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وإتمام إصلاحات سياسية توفر الحد الأدنى من الاستقرار الذى يسمح بعودة السياحة والاستثمارات الأجنبية.

وأخيرًا فإن الرئيس وحكومته يجب أن يعلموا

أن واجب السلطة السياسية أن تذهب إلى الناس لتقول لهم وتسمع منهم، تناقشهم وتحاورهم، وتطرح عليهم رؤاها، وتسمع منهم هواجسهم ومخاوفهم، وليس واجب السلطة أن تفرض عليهم بالقسر وبقوة السلاح أراءها وبرنامجها (عن طريق الرصاصة القاتلة أو التعذيب الممنهج)، أو تحتال عليهم بوعودها المعسولة الكاذبة (الكلمة المسمومة الناعمة التي تخرج من أعمدة صحف أو صوت مذياع أو شاشات الفضائيات).

فذلك كله يضع شرعيتها ومشروعيتها على المحك الذى يُشبه الوقوف على حد السكين!

وأخيرًا فالحرية ـ في رأيي ـ هي وسيلة من وسائل تخفيف الاحتقان الحالي بجانب الحوار، ذلك أنه إذا ما أتيحت الفرصة للجميع أن يُبدى رأيه، وأن يناقش الأسس والتفاصيل لما يراه حوله؛ لاختلفت الصورة اختلافًا جذريًا.

فالأبواب المغلقة هي التي يمكن أن يجرى وراءها أي شيء وكل شيء، أما الأبواب المفتوحة، فإن أشعة الشمس تدخل إلى كل ركن فيها.

إن الظلام هو الذى يصنع الخوف. والضباب هو الذى يجعل الخطى مرتعشة مترددة، ولكن وضوح الرؤى، والتجربة الحية المنبثقة عنه، يمنحان أصحابهما الثقة في الحركة والأداء، وحرية المواجهة على الأرض الصلبة.

ويجب أن يعلم الجميع أنه لا يمكن أن يُساق الناس إلى السعادة بالإكراه. ولا يمكن أن يُدفع الناس عنوة حتى إلى الأماني الكبيرة. وأخيرًا فإن الرئيس عليه أن يعلم أنه ليس بالبكاء تُحل الأزمات، وليس بالتعاطف تُبنى الأمم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السيسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد