إنجلترا القديمة، بعيدًا عن الإرهاصات التاريخية والحقائق السياسية.

في قرية صغيرة في الريف الإنجليزي الشهير، في بيت فخم، حفلة كبيرة نسبيًّا تضم أعيان المدينة الريفية وسكان الريف من الطبقة المتوسطة والضباط الرحّالة.

فتاة تجلس من دون شريك، بينما الرقص دائر، على مقربة منها تسمع رجلًا وسيمًا يحادث صديقه: “إنه لا يجدها جميلة كفايةً كي يدعوها للرقص”

تحكي الفتاة لأختها تلك الليلة، أنها سمعت ذلك الحديث: إنها كانت لتغفر له غروره إن لم يهن هو كبرياءها.

هل عرفت تلك الرواية بعد؟

في حفلة لاحقة، يطلب ذلك الرجل الوسيم من تلك الفتاة أن ترقص معه، وتوافق دون أن تفكر حقـًّا فيما فعلت، وحين تلعب الموسيقى ذلك الفالس (في الواقع كان رقصة ريفية ولكنها أقرب للفالس بلغة العصر)، يتوقف الزمن هُنيهة – كما تصور جو رايت في الفيلم المأخوذ عن الرواية – ليرقصا معًا ويبدأ كل شيء.

 

إنها “الكبرياء والتحامل”، رواية جين أوستن الأشهر، الرواية التي لا تزال ثابتة في قوائم أفضل مبيعات للروايات الإنكليزية (كما يكتبها مُنير البعلبكي مُبدع ومؤلف قاموس المورد)، الرواية التي اقُتبست عشرات المرات لأفلام ومسلسلات ربما أشهرها: نسخة كيرا نايتلي من إخراج جو رايت عام 2005.

 

تبدأ الرواية بالجملة المأثورة – التي تُعتبر من أكثر الجمل الأيقونية بين بدايات الروايات الكلاسيكية:

It is a truth universally acknowledged that a single man in possession of a good fortune, must be in want of a wife”.”

“إنها حقيقة معروفة كونيًّا أن رجلًا أعزب يملك ثروة طائلة، لابد أن يكون في حاجة إلى زوجة”
ربما تستطيع تذكر ذات الجملة التي تقولها رينيه زيلوجر في فيلمها Bridget Jones Diary ولكن مع بعض التعديل:

It is a truth universally acknowledged that when one part of your life starts going okay, another falls spectacularly to pieces.

“إنها حقيقة معروفة كونيًّا أنه حين يسير جزء من حياتك على ما يرام فإن جزءًا آخرًا لابد أن ينهار تمامًا”

 

الطريف أن ذلك الفيلم يقوم ببطولته مع رينيه: هيو جرانت، وكولين فيرث وقد ظهرا من قبل في أفلام لجين أوستن، وكولن فيرث نفسه هو السيد دارسي الأشهر بمسلسله المقتبس عن الرواية من إنتاج البي بي سي عام 1995.

يتجاوز أثر تلك الرواية مجرد الذكر في ذلك الفيلم الإنجليزي، لتجد ميج راين في الفيلم الأمريكي you’ve got mail، الذي يدور في أجواء متعلقة بالكتب كذلك، تعترف لصديقها توم هانكس عبر البريد الإلكتروني أنها قامت بقراءة تلك الرواية كثيرًا من المرات رغم لغتها الإنجليزية العتيقة . فيحاول هانكس قراءة الرواية لكنه لا يتأثر بها كما لا تتأثر هي بالأب الروحي وعباراته المأثورة.

تتعدد ترددات تلك الرواية في الأدب والفن لتصبح أيقونة عالمية. وفي عيد الحب نشرت باريس ريفيو مقالًا تعرض فيه مقترحات كهدايا لعيد الحب مقتبسة من الكتب وكان لجين أوستن وبخاصة “كبرياء وتحامل” نصيب الأسد.

مستر دارسي

إنه الرجل المهذب، المتحفظ قليلًا، المغرور كثيرًا، لكنه مُحبًّا مخلصًا، صادقـًا في كل عباراته حتى لو كانت صادمة أحيانـًا بما لا يخرج عن إطار الأدب بالطبع، ففي ذلك الزمن الغابر لم يكن هذا احتمالًا واردًا. ينجح في إخفاء مشاعره حينـًا، لكنه لا يستطيع أن يخفيها طويلًا حتى حين تتعارض مع منطقه العقلاني، فنراه في المشهد المميز حين يتقدم لإليزابيث بينيت أول مرة يقول:

“In vain have I struggled. It will not do. My feelings will not be repressed. You must allow me to tell you how ardently I admire and love you.”

“سُدى ذهبت كل محاولاتي للمقاومة. إنها لا تجدي نفعـًا، لا يُمكنني كتمان مشاعري. لابد أن تسمحي لي أن أخبركِ عن شدة إعجابي وحبي لكِ”

Jane Austen, Pride and Prejudice __


المشكلة بالطبع وعقدة الفيلم حول الاعتبارات الاجتماعية التي قد تنطبق في ذلك الزمان كما تنطبق الآن، مما يقربنا من الوصول لإجابة التساؤل حول صمودها عبر الزمن كواحدة من أنجح الإنتاجات الأدبية.

حاول مستر دارسي الرصين أن يقاوم إعجابه بميس إليزابيث بينيت بسبب ظروف عائلتها البسيطة وتصرفاتهم السخيفة المُهينة أحيانًا، باستثنائها وشقيقتها الكبرى. بالطبع عجرفته واعتداده الشديد بنفسه لم يساعداه كثيرًا لكن حبه وإعجابه بليزي بينيت تغلبا على كل هذه المتناقضات وتقدم لها فعليًّا في المشهد السابق.

 

بالطبع ترفضه إليزابيث بينيت التي حكمت عليه من مظهره وصدقت تلك الهالة المتعالية التي توحي بها طريقته في التعامل، أضف إلى ذلك أنه لا توجد امرأة تقبل أن يتقدم إليها رجل بهذه الطريقة المُهينة وإقراره أن عقله يرفض ذلك الزواج! حتى لو كان مستر دارسي نفسه.

 

قد ينتهي الأمر هكذا، لكن الخط الأهم في روايات أوستن هو النهايات السعيدة والفرص الثانية. وربما هذا هو السبب في شعبيتها الكاسحة، فأوستن تقر بأنها تحب أن تهدي أبطالها نهايات سعيدة دومًا.

كأنها تمنحهم ما لا يحدث دومًا في الواقع، ومن هذا المنطلق قد يصنف البعض روايات أوستن الستة من الطابع الرومانسي. لست مع تصنيف الأدب عمومًا وخصوصًا مع أوستن.

فهي جاهدت في مجال كان يحتله الرجال بامتياز، وينقلون مشاعر المرأة والرجل حصريًّا، من دون مساهمة من جانب المرأة. فهل عبّرت جين أوستن عنّا حقًّا؟

“I do not think I ever opened a book in my life which had not something to say upon woman’s inconstancy. Songs and proverbs, all talk of woman’s fickleness. But perhaps you will say, these were all written by men.

-Perhaps I shall. Yes, yes, if you please, no reference to examples in books. Men have had every advantage of us in telling their own story. Education has been theirs in so much higher a degree; the pen has been in their hands. I will not allow books to prove anything.”

“لا أعتقد أن هناك كتابًا لم يتطرق بشكل ما إلى تقلب المرأة. الأغاني والأمثال كلها تتحدث عن تبدل حال المرأة وتغيره. ربما تعللتِ بأنها كلها كتبها رجال.

– ربما يجب عليّ ذلك فعلًا. لو سمحت لا تقتبس من الكتب. فالرجال كان لديهم دائمًا الفرصة ليروا قصتهم. التعليم كان من نصيبهم على مستويات أعلى، والقلم كان في يديهم. لن أسمح للكتب أن تثبت شيئـًا”.
― Jane Austen, Persuasion

إننا نقترب من حل اللغز، لغز أوستن ودارسي.

فالأمر ليس ببساطة مجرد شخصية مكتوبة جيدًا، تحظى بإعجاب القراء أو القارئات، إن الأمر أكبر وأكثر عمقـًا، إن أوستن تحدثت بلسان النساء اللاتي يعانين ظروف إجتماعية متنوعة قد ترسم أقدارهن بشكل حاسم.

 

في “الكبرياء والتحامل” إليزابيث بينيت عانت على مدار الرواية من ظروف عائلتها الاجتماعية المتواضعة، وضغط أمها لتتزوج السيد كوللينز الذي سيرث بيتهم العائلي بحسب قوانين إنجلترا في هذا الزمان، وأخيرًا حماقات أختها الصغرى، لكن المستر دارسي لم يتوانى وأصر على مساعدتها والفوز بحبها متغاضيًا عن كل هذه الملابسات ليراها حقـًّا كما هي.

وفي روايتها “Persuasion أو إقناع” تصف معاناة البطلة التي تشعر بالتردد حين يتقدم لها الكابتن وينتورث مع إعجابها به، لكنها تتأثر برأي صديقتها ومحيطها العائلي الذي ينظر للكابتن نظرة دونية، وكعادة أوستن تمنح بطلتها فرصة ثانية حين يراها الكابتن مرة أخرى بعد سنوات عديدة، هذه المرة تتحرر آن إليوت من ظروفها الاجتماعية وتأثيرها، وتقبل الكابتن وينتورث الذي لم يتخل عن حبها؛ الذي تنازع في قلبه مع محاولته لنسيانها وكرهها لترددها كل هذه الفترة.

You pierce my soul. I am half agony, half hope…I have loved none but you.” ”

“إنك تُمزّقين روحي نصفين بين الأمل والرهبة، فأنا لم أحب غيرك”

― Jane Austen, Persuasion

أما روايتها “Emma إيما”، فهي تعرض نقيض التردد في المرأة حين تميل للتسرع والاندفاع وراء مشاعرها، فإيما شخصية مثالية وطيبة لكنها تبالغ في قدرتها على الحكم على الأمور، وتتدخل أكثر مما يجب في علاقات أصدقائها، مُسببة الأذى أكثر من النفع.

واقعيًّا قد تدفع إيما ثمن هذا التسرع والحماقة غاليًا ويبتعد عنها الناس، لكن في عالم أوستن: مستر نايتلي ينقذها من هذا المصير ويعيد إليها صوابها كل مرة تخطأ في التقدير، والأهم أنه لم يحكم عليها فهو يرى شخصيتها الحقيقية الطيبة وراء الشخصية الظاهرية المتهورة.

Perhaps it is our imperfections that make us so perfect for one another.” – ”
“ربما نقائصنا هي ما تجعل أحدنا يُكمّل الآخر”.

__ Jane Austen, Emma

أوستن خلقت عالمًا جميلًا لا ينتمي لعصرها فحسب، فالعلاقات الإنسانية لا تخضع لتصنيف زمني، كما عرضت حبكات درامية متنوعة وأثرها على حيوات بطلات مختلفات كل مرة. لو أطلت النظر فيهن لترى جين نفسها في جوانب وفترات زمنية من حياتها، فخطابات أوستن مكنّت الدارسين والباحثين من التوصل لقصة الحياة التي خلقت هذه الكاتبة المتميزة . فأعمال الكتُّاب مثل البازل الذي تجمع قطعه المتناثرة من كل عمل لتصل في النهاية لجوهر الشخصية المُبدعة وتجربتها الإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد