(1)عتبات البهجة:-

متى كانت المرة الأولى؟، أُسائل نفسى كثيرًا، تخذلني الذاكرة، يضيع منها تاريخ اليوم، لكن صوتها حاضر في وجداني لا يريم.

نبراته الحالمة، دفئه الآسر، عذوبته الرقراقة، وجاذبيته الملائكية، دفعتني لأن ألقي بكتاب مدرسي ممل كان في يدي، والسير كالمنوَّم تجاه شاشة التلفاز.

كان المشهد من فيلم “بنت الحارس”، وكانت السيدة فيروز تصدح بكلمات رائعة من روائع الأخوين رحبانى”نسم علينا الهوى من مفرق الوادس”،

أيُّ إحساس تملك هذه المرأة- تساءلت فأنا لا أعرفها- أيُّ مقدرة عجيبة على استلاب وجدان مستمعها، ودغدغة أحاسيسه، والعزف على أوتار مشاعره، محلقة به في سماء غير السماء، مداعبة قيثارة الحنين إلى الوطن، فتدمع العيون التي نأت عن أحبابها، وتستعيد لمن غادروا الذكريات “يا هوا دخل الهوا خدني على بلادي”، ، سألت: من هذه؟

أجابوا: فيروز، كانت هي السيدة، وكانت هذه البداية.

(2) غواية الصوت:-

كعاشق لها أجد صوتها متفردًا، بالطبع لست موسيقيًّا متخصصًا، لكنك لست في حاجة لثقافة موسيقية رفيعة، لتتذوق جمال الصوت الفيروزي، وتفسح له – عن طيب خاطر- مساحة تليق بصاحبته في وجدانك.

صوت السيدة فيروز لم يكن فقط، واحدًا من أجمل الأصوات النسائية التي ظهرت على الساحة الغنائية العربية منذ خمسينيات القرن الماضي، أو مجرد طقس مقدس عند كثيرين من مواطني العالم العربي، يستهلون به صباحاتهم، أو يتسامرون على إيقاعاته في أماسيهم، وإنما تجاوز هذا الإطار التقليدي لمعظم المطربين، ليصبح بذاته أيقونة ورمزًا، يأتلف حوله الفرقاء، ويتفق المختلفون على كونه فوق أي صراع سياسي أو نزاع طائفي.

في بلد كلبنان- حيث نشأت السيدة وعاشت- يندُر ألا يتم تصنيف أي إنسان تبعًا لديانته أو طيفه السياسي، إلا أن جارة القمر كانت استثناءً فريدًا، لم يُعن أحد بكونها مسيحية، ولم تُحسب يومًا على هذه الطائفة أو تلك، صوتها دائمًا كان ملكـًا للبنان كلها وللبنانين جميعهم بلا انحياز أو تفرقة.

كانت السيدة حاضرة في الحديث عن الحب وشجونه، فكانت صوت العاشقين، ورسول المحبين، للراحلين عن الديار كان صوتها السلوى ومعين الذكريات، وللأطفال كانت هدهدة ما قبل النوم مصاحبة لـ”يلا تنام ريما”، ومشاغبات الأهل والجيران لـ”تك تك يا أم سليمان”.

فيم لم يغب هذا الصوت عند المُلمات، فكانت أغنيتها الجميلة “خبطة قدمكن” إهداءً لجنود مصر وسوريا المدافعين عن كرامة العرب في حرب أكتوبر عام 1973.

وكانت “بحبك يا لبنان” دعوة لأطراف الحرب الأهلية اللبنانية لإعلاء الانتماء للوطن فوق أي صراع.
و”لبيروت من قلبي سلام” تعبيرًا عن العلاقة التاريخية الوطيدة – على ما بها من التباس وتعقيد- بين البلدين الجارين.
لم يكن صوت السيدة صوت فرد، وإنما قـُدر له أن يكون لسان حال وطن بأكمله، أوان الصفو وآناء المحن.

(3) غواية الحضور:

على النقيض من سمت أهل الطرب والفن، فالسيدة تطالعك دائمًا بابتسامة هادئة، نظرة خجلى، وعزوف غير مألوف عن الحديث للصحفيين ووسائل الإعلام.

فيم تتحول آن الصعود إلى المسرح إلى شخص آخر فكأنها “تصاب بعارض المجد” كما وصفها ابنها الموسيقار المتمرد زياد الرحباني. السيدة على المسرح ملكة متوجة بحب الملايين، بإبداعها الخلاق، وبإحساسها الصادق وتفاعلها المتفرد مع ما تؤديه من أغنيات.
بساطتها غير المصطنعة، وجاذبيتها الآسرة، فضلاً عن موهبتها العظيمة، دفعت اثنين من أعظم الشعراء العرب المعاصرين إلى القول عنها “إنها رسالة حب من كوكب آخر” هكذا تحدث العاشق الأكبر نزار قباني.

“فيروز هي الأغنية التي تنسى دائمًا أن تكبر، هي التي تجعل الصحراء أصغر، وتجعل القمر أكبر، إنك تملكين يا سيدتي صوتـًا أكبر من ذاكرتنا” هكذا وصفها الأمير محمود درويش.

فكأن القدر قد هيأ للسيدة كل أسباب البقاء، فسواء أطلت بوجهها الباسم وملامحها الدقيقة، أو تركت لصوتها العذب ونغمات الرحابنة الشجية القيام بهذا الدور، تبقى السيدة فيروز، ابنة حارة زقاق البلاط البيروتية، علمًا على شموخ الحضور، وروعة الأداء، وديمومة الأثر.

(4) غواية القيمة:

ارتبط اسم السيدة بالأخوين عاصي ومنصور الرحباني، فمنذ تعرفا إليها شرع الثلاثي في التأسيس، لواحدة من أهم الظواهر الفنية والثقافية في لبنان والعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.

ولن نتورط هنا في معضلة من كان صاحب الإسهام الأكبر من الثلاثة، أو التأثير الأبرز فيم تحقق من نجاح، فكل طرف يحتفظ لنفسه بهذا الحق، وساعد على تطور حالة التجاذب هذه وفاة عاصي، ونشوء خلافات بين منصور ومن بعده ورثته حول حقوق ملكية وأداء بعض الأعمال الفنية.

لكن تبقى الحقيقة الراسخة أن ثقافة السيدة فيروز وذائقتها الموسيقية تدين بكثير للأخوين رحباني، فيم يدين الأخوان لصوت وشخصية السيدة، بالفضل في النجاح الأسطوري والذيوع الهائل اللذين تحققا لهما.

أما المنجز الإبداعي الكامل فيشهد للجميع بعبقرية متفردة، وفكر يسبق العصر- تجلى ذلك في إنتاج أغنيات قصيرة المدة متنوعة المضمون- وثراء تجاوز إطار الأغنية وامتد إلى إنتاج مسرحيات غنائية – بدأت بالحصاد عام 1957 مرورا بجسر القمر وبياع الخواتم، ووصولاً إلى ميس الريم وبترا- وثلاثة أفلام سينمائية – بياع الخواتم عن النص المسرحي، وسفر برلك، وبنت الحارس- عالجت عددًا من القضايا السياسية والاجتماعية الهامة، في توجه واضح نحو الانتصار للقيمة والمضمون الهادف، والترفع عن مجاراة النجاح التجاري السهل والشائع.

وشكلت هذه الأعمال ميراثـًا ورصيدًا إبداعيًّا متميزًا، لمتذوقي إبداع هذا الثالوث العظيم، ونبراسًا ملهمًا لمن سيعملون على الإضافة لهذا المنجز وتطويره.

(5) غواية العزلة:-

من أهم أبعاد الظاهرة الفيروزية بُعد الانتشار الجماهيري وكيفيته، ، فالسيدة منذ أطلت على الجمهور بصوتها عبر أثير الإذاعة اللبنانية وبرعاية الأخوين فليفل، ثم السيد حليم الرومي مدير الإذاعة، فالأخوين رحباني، كانت حريصة على أن يكون صوتها وحده هو الطريق إلى قلوب المستمعين، فلم تبتذل السيدة نفسها غناءً أو أداءً،، فحرصت على انتقاء كلمات وموضوعات أغانيها، ولم تكن حريصة على الإلحاح في الظهور- ومازالت-عبر الوسائط الإعلامية المعروفة آنذاك.

والأهم أنها انحازت لواجبها كأم مسئولة بعد زواجها من عاصي الرحباني، فلم يتحقق نجاح فيروز المذهل عبر بوابة القاهرة، مقصد كل عاشق للفن، وحاضرة الإبداع في الشرق بأسره، وهو أمر يندر أن يحدث أو يتكرر مع أي فنان آخر مهما عظمت موهبته أو مقدار عطائه، ، صحيح أن ذلك حرمها من فرص التعاون المثمر والمستمر مع عباقرة موسيقيين كالموسيقار محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وزكريا أحمد- زياد ابنها مفتون بهذا العبقري تحديدًا- وغيرهما، والبقاء في دائرة المزاج الرحباني- اللهم إلا في لقاءات محدودة لها بموسيقار الأجيال، ولقاءات لم تكتمل مع العملاقين محمد الموجى ورياض السنباطى- إلا أن ذلك لم يقلل من نجاحها الكبير أو يضعف من شهرتها الطاغية.

(6)غواية الخلود:-

عبر ستة عقود أو يزيد، أثرت السيدة فيروز الوجدان العربي، والمكتبة الموسيقية العربية بروائع غنائية اتخذ التعبير عنها أشكالاً مختلفة تنوعت بين الأغنية، والموال، والمسرحية، والفيلم.

لا ينكر أحد أن قيمة هذه الأعمال قد استقرت، وأن ديمومة بقائها قد صارت أمرًا لا جدال فيه، ، صحيح تبدو اللهجة اللبنانية عائقـًا في كثير من الأحيان أمام مستمعي السيدة من مختلف الأقطار العربية- لم تغن باللهجة المصرية إلا القليل- إلا أن صوت السيدة فيروز الملائكي، وأداءها الراقي والمتميز، فضلاً عن حداثة أغانيها التي تتنوع موضوعاتها، ولا يمتد زمن الأغنية منها لوقت طويل مثلما هو حال معظم الأغاني- ومعظمها رديء بالطبع- في عصرنا الحاضر.

فضلاً عن خصوصية التجربة الفيروزية وتنامي عشاقها ومريدوها في كل أنحاء العالم.

كل ذلك يضمن للسيدة، ومن ساهموا في صناعة أسطورتها مكانهم اللائق ومكانتهم المستحقة في متحف المبدعين الخالدين، والأهم في قلوب محبى الفن الأصيل والإبداع الراقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد