قال الراوي: هذه المرة سمعتني أُمِّي وقد ارتفعتْ حرارتي، أهلوسُ نائمًا، وأكررُ حرف السين المشدة بالكسر، فنبهتني، وأحضرتْ لي كوبًا من الماء وأسندتني إلى كتفها، وشرعتْ تبلل منديلها بالماء والخل كي تطفئَ لهيب جبهتي، وقالت بلهجتها الصعيدية التي تسكنها منذ ثمانين عامًا: مالَكْ يَوْلِيدي، اسمَ الله عليك؛ فأمسكتُ يدَها، ومررتهُا على جبهتي، وأنا أرددُ: ميسِّي يمَّه.

لم يكن حدثًا عاديًا، بل هو استثنائي بكل ما تحمل الكلمة من معاني معجمية ودلالية عند أهل اللغة والفكر، وبكل ما يحمل السياق من معاناة اجتماعية وحياتية وكارثية عند علماء الاجتماع والإنسانيات، وبكل ما يحمل الخيال من كوارث محلقة لم تأت على خاطر الشعراء، فيسطروها شعرًا مأساويًا في قصائدهم وأوجاعهم.

والمسألة ببساطة هي زيارة ميسي اللاعب الأشهر والأعظم بين أقرانه لمصرنا التي غدت قزمة ضئيلة بين يوم وليلة؛ وذلك بالقياس إلى ما كانت عليه من تاريخ قبل أن يولد التاريخ، وحضارة قبل أن يتنفس صبح العالم أنفاس إشراقاتها هنا وهناك. فجأة علمنا أن التاريخ تقازم وتوارى خجلًا، وأن الحضارة الفرعونية والإسلامية والقبطية دست وجهها في التراب صنيع ما زعمت أن قدمته للعالم القديم والحديث قبل أن يحل علينا ميسي.

نعم، خرج علينا الإعلام والميديا هنا وهناك لتخبرنا أننا أمام حدث استثنائي لا ولن يتكرر. الجميع يرقب ويترقب، الكل على أهبة الاستعداد، دقائق معدودات تبدو كأنما الساعات الطوال حتى يأتي الضيف الكبير.

نعم، إنه ميسي هو الذي سيعيد إلى مصر مكانتها التي فقدت، وللتاريخ شموخه الذي تقازم قتقزم، وللحضارة شموسًا تغيبت عنها، وغربت منذ عهد بعيد.

ميسي الذي تعطلت من أجله حركة الحياة لثماني ساعات، ها هو قد جاء وقد حلت بركته في أنفاسنا، فأعاد الأمن الاجتماعي، وأصلح حال المجتمع، وقضى على الإرهاب، ودحر الدواعش، وأعان البائس الفقير، وأطعم الجائع حتى أنكر ما كان يدعيه المثقفون وأرباب الأقلام من غلاء الأسعار، ومن تدني الأخلاق، ومن تهافت العوام إلى شراء بقايا أطعمة ومخلفات مصانع في الوقت ذاته الذي تشرفت فيه الكنانة بالزيارة الميمونة؛ ما حمل الشركة الراعية لزيارته إلى الجهر بالقول بأن مصر عادت مرة أخرى إلى صدارة المشهد بعد تغيب دام أكثر من ست سنوات، أو بالأحرى منذ ثورة يناير 2011.

نعم، ميسي الذي جاء مروجًا للسياحة العلاجية في مصر، أنهى زيارته وقد برئ مرضى الكبد وفيروس سي من مرضهم، وقد نشط مرضى السرطان من أطفال 57357 يلعبون ويمرحون ويصرخون لعبا وفرحًا بعد زيارة ميسي التي تخيلوها، ولم تحدث، لكنما يكفي تخيلهم لها. أوفدنا له سفراءنا من اللاعبين ووجهاء القوم يستقبلونه، ويحتفون به، وكأنه المسيح يحمل بشارة العدل والسلام والخير للعالم الذي عمت فيه الفوضى، وكثر فيه البلاء، وتناثرت فيه الدماء، وتناثرت فيه الأشلاء، حتى ظنناه المخلص والمهدي قد جاء بقميص يوسف وعصا موسى، يشير بيده، فإذا العالم قد استحال إلى يوتيوبيا من مهد الأهرام المقدس.

الآن ماذا نفعل أيها الرفاق البائسون وقد غادرنا ميسي؟ كيف ستكون حياة أولئك الذين دبت فيهم الحياة وقد غادرهم! ترى كيف سيتصرف الشباب الذين توزعت عليهم بركاته أعمالًا وأشغالًا وأموالًا، وقد ازدحمت بهم أماكن أعمالهم حتى اشتكوا من عدم فراغهم، وأن المقاهي احتجت حين خلت بهم، وأمسوا يشتاقون إلى الالتقاء مرة مساء كل خميس، يطمئن بعضهم بعضا لدقائق معدودات!

سامحك الله يا ميسي وقد غادرتنا، فتعلقنا بك، فرحنا بقدومك الذي مر كأنه لمح بالبصر، أعدت إلينا منظر شارع الهرم خاليا وكأننا في أربعينات القرن الماضي، ذلك الزمن الجميل، غادرتنا بعد أن أينعت اخضرت أشجار شوارعنا، والآن تغادرنا ونخشى أن تمسي حدائقنا يبابا [بالمناسبة، يبابا: تعني خرابًا في المعجم الوسيط].

وأخيرًا غادرتنا يا ميسي وقد تفلتت الأحرف من بنيان مقالي، فلم أعد قادرًا على إعادة أحرفي.

فيأيها البائسون، هونوا عليكم.. سيظل ميسي في قلوبنا حتى وإن غادرنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد