لم يعد مقبولًا الادعاء أن اللغة العربية غير قادرة على مواكبة التطور المتلاحق السريع في عصرنا الراهن من منطلق أننا أمة مغلوبة تسعى إلى أن تتوارى خجلًا بتراثها وثقافتها ولغتها الصعبة؛ فاللغة هي الوعاء الذهبي الذي حمل أجل المعاني وأسماها لفظًا وغاية ودلالة في القرآن الكريم، ثم تراثنا الحضاري الكبير الممتد عبر أعلامه الجاحظ والتوحيدي وابن المقفع وكبار الشعراء من مثل المتنبي إلى حفيده شيخ العربية أبي فهر محمود شاكر ونفر ممن أعلوا شأنها وأعلت قاماتهم من مثل العقاد والمنفلوطي والرافعي إلى أصغر شاعر أو أديب يرابط على مرافئ الحرف العربي الشامخ.

أستغرب من أولئك الذين يصرون على إهانتنا وإهانة أنفسهم حين يتنازلون عن العربية في أحاديثهم وخطابهم التداولي وهم قادرون على التحدث بها في طلاقة ومرونة، لا أدعو إلى التقعر واستخدام الغريب منها، فاللغة ما كانت، ولم تكن كذلك أبدًا، إنما ذلك من فذلكة أصحاب الصنعة والنحاة في عصور محددة لا تخفى على باحث مبتدئ.

اللغة المعاصرة التي تتوسط بين الفصيحة والفصحى تلعب دورًا تنويريًا ممتازًا في لغة الأدباء والكتاب الكبار في الصحف والمجلات، وذلك أمر محمود ومطلوب تفعيله بدلًا من الركون لغة إعلامية عامية مبتذلة لا تليق، وليست هي بلغة الخطباء المنفرين، إنما لغة معاصرة تحمل جمال العربية ودلالاتها، وهي دون لغة الأدب شموخًا، وفوق لغة الشارع رقيًا.

اللغة غايتها التواصل بلا شك، ومن ثمَّ فلا غضاضة متى استعملتها في حيزها المناسب وفي سياقها المعتاد من لغة البيع والشراء والتداول اليومي، وهي لغة حياتية وحيوية في الوقت نفسه، تلبي الغرض من استعمالها المناسب.

أكتب مقالي هذا بعد مناقشة مع واحد من أصدقائي المهمومين باللغة واستعمالها في سياق التواصل اليومي، كونها لغة خطاب يتنوع بين السياسي والثقافي والإعلامي وغير ذلك من أغراض الحياة، لكن لنتفق أن لكل مقام مقالًا، ومن هذا فلا بد من مراعاة أحوال الناس، فالخطاب السياسي، على وجه الخصوص، يحتاج لغة محددة منضبطة لا تقبل التأويل إلا حين تنتج من أجل ذلك التأويل المقصود، لا أن يختلف في تأويلها الشعب والعامة والنخبة.. المهم أن تكون لغة لا تخضع لدلالات متباينة متعددة الفهم، ومن ثم يغدو الناس بعد سماعها متسائلين ما المقصود من جملة الخطاب في كذا وكذا..

ولا يفهم من كلامي هذا أنني أدعو إلى أن نهتم بالكلام المؤطر الجميل على حساب العمل والإنجاز، فنحن في حاجة إلى مسئول فعَّال لا قوَّال، وإلى إنجازات حقيقية تعود على الناس بالنفع والخير لا إلى خطب رنانة أودت بنا إلى هاوية الهزائم والانتكاسات عقودًا من الزمن.

نحن في حاجة إلى تجديد في الخطاب الديني لا بالمفهوم الشائع إعلاميًا، بل إلى معاصرة الخطاب لأحوال الناس ومصالحهم.. نحن بحاجة إلى الهدوء في التوجيه والنصح لا إلى الصريخ الذي ينفر الناس والجمهور من الخطب التي لا طائل من ورائها إلا الصياح الأجوف… نحن في حاجة إلى تجديد الخطاب في كافة المناحي الحياتية، إلى إنماء الاحترام والقيم الجمالية في الخطاب؛ نحن في حاجة ماسة إلى أن نعيد احترام ذواتنا وكف ألسنتنا عن الغيبة والنميمة في الإعلام.. نريد خطابًا إعلاميًا هادفًا يحترم الأسرة المصرية دون سباب شتم واستخفاف.

وأخيرًا نحن في حاجة إلى أن نتذكر أن كل قول يصدر منَّا سنحاسب عليه، وأننا سنسأل عن حصاد ألسنتنا. وفي النهاية ما اللسان إلا اللغة التي نتواصل بها في المجتمع الإنساني الذي حملنا الله تعالى فيه أمانة الكلمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد