لا يجمتع في دين الإسلام مسجدٌ وقبرْ، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذو القبور، فإني أنهاكم عن ذلك» [1]. وقد بيّن الله تعالى في سورة الكهف أن بناء المساجد على القبور إنما هو من فعل أهل الغلبة والسلطان، فقال عز من قائل: «وقال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذنَّ عليهم مسجدًا» وفي الصحيحين: أن أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كنيسةً رأتاها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» [2]، وأكد صلى الله عليه وآله وسلم على نهيهِ وامتناعهِ عن اجتماع القبر والمسجد في الإسلام في أكثر من مناسبةٍ لخطورةِ هذا الأمر وأهميته.. فقال: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» [3]. وعن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [4] وقد بعث صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب إلى اليمن لهدم القبور المشرفة وطمس التماثيل، فقد أخرج مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه آله وسلم؟ «أن لا تدع تمثالًا إلا طمستهُ. ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» [5]، كما و حذر صلى الله عليه وآله وسلم عن كل ما يفضي إلى تعظيم القبر أيان كان صاحبه، فنهى أن يرفع القبر مقدار شبرٍ عن الأرض، وأن لا يجصص، ولا يقعد عليه ولا يبنى عليه، ولا يكتب عليه.

وسبب ذلك أن أول ذريعة للشرك إنما قامت في قوم نوح عليه الصلاة والسلام حينما بدأ قومه بتعظيم قبور ودًا، وسواعًا، ويغوثَ، ونسرًا، فعبدوهم واتخذوهم وسطاء بينهم وبين الله عزوجل، وتتابعت الأقوام تترًا على هذه البدعة، وباتت أغلب الأمم من بعد نوح عليه الصلاة والسلام تعظم قبور أنبيائها وصالحيها فيتخذونهم أولياء يقربونهم إلى الله زلفى، وقد بين الله عز وجل قُبح ذلك الفعل فقال عز من قائل: «أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ» [6].

ولا يخفى على كل مسلم اليوم كيف أن هذه القبور يُصرف لها الناس أنواع العبادات التي خصها اللهُ نفسهُ من دعاء، واستغاثة، واستعانة، ورجاء، ومحبة، ونذر، وقسم، وطواف، ونحر، وتقبيل، وتمسّح، وتبّرك، فإن لم تصبح هذه القبور بهذه الأفعال آلهة من دون الله.. فما هي صفة الإله إذًا.

لذلك ولنهي النبي صلوات ربي وسلامه عليه الشديد عن هذا الفعل، وشدة تمسك الصحابة رضي الله عنهم والتابعين أصحاب القرون الثلاثة الأولى فإننا لا نجد أثر لبناء القبور في تلك العهود، على أن أقدم ضريح أقيم وذلك في نهاية القرن الثالث الهجري حيث تذكر الدكتوره سعاد ماهر خبيرة الآثار في كتابها: مساجد مصر وأولياؤها الصالحون 1/ 46: «إن أقدم ضريح في الإسلام أقيمت عليه قُبة ترجع إلى القرن الثالث الهجري، وقد عُرِف هذا الضريح باسم (قبة الصليبية)، ويوجد في مدينة سامرّاء بالعراق على الضفة الغربية لنهر دجلة إلى الجنوب من قصر العاشق، ويقول الطبري: «إن أم الخليفة العباسي استأذنت في بناء ضريح منفصل لولدها فأذن لها؛ إذ كانت العادة قبل ذلك أن يدفن الخليفة في قصره، فأقامت قبة الصليبية في شهر ربيع الثاني سنة 284هـ»، وقد ضم الضريح إلى جانب المنتصر الخليفة، المعتز، والمهتدي، وتُعتَبر قبة الصليبية – نسبة إلى موقع الضريح عند تقاطع طريقين» [7].

ويعود السبب في تشييد هذه القبه إلى أم الخليفة وهي «أم ولد نصرانية رومية فهي بحكم عقيدتها وما تربت عليه من تعظيم القبور طلبت ذلك وأجيبت إليه عندما تمكن نساء القصر من تسيير الحياة وغلبن على الخلفاء في حال ضعفهم، وانصرافهم إلى شهواتهم وملذاتهم»[8] «ثم ظهر بعد ذلك ضريح إسماعيل الساماني، وهو رجل فارسي مجوسي اعتنق الإسلام في آواخر الدولة الأموية، وقد آلت إليه زعامة السامانيين عام 269 وقد توفي سنة 295 هجرية»[9]، «ثم ظهر بعد ذلك قبر الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه في النجف حيث أقامهُ الحمدانيون سنة 317 هجرية، ثم ظهر بعد ذلك ضريح محمد بن موسى في مدينة قم بإيران سنة 366 هجرية»[10]، وقد أكد هذا الترتيب غير واحد من الباحثين من المستشرقين، وبعض المتخصصين في الآثار والعمارة الإسلامية.

ويعتبر القرامطة والفاطميون وبنو بويه هم المؤسسون الحقيقون للقبور والتي أغلبها مزعوم ولاحقيقة لها، ومن ثم بنوا عليها القباب والمآذن[11]، ولما اكتملت ملامح وأركان المذهب أو الدين الأثني عشري أوخر القرن الثالث الهجري وبدايات القرن الرابع الهجري ظهر إحياء كثير من القبور الدوارس، ومن ثم بُني عليها القباب والمآذن، خصوصًا مع قيام الدولة البويهية سنة 334 هجرية ومع ضعف الدولة العباسية لدرجة أن الخليفة العباسي أصبح يتعاطى راتبهُ من الدولة البويهية، ومع وسطوة الأخيرة قامت حركة شديدة لبناء القبور المزعومة إلى أهل البيت سلام الله عليهم فكان أول قبر أظهره البويهيون من قبور أهل البيت سلام الله عليهم هو قبر علي بن أبي طالب سلام الله عليه سنة 317 هجرية، ثم قبر الإمام الحسين سلام الله عليه وهو أيضًا قريبًا من هذا التأريخ.

وقد زعم الشيعة الإمامية بأن الإمام زين العابدين هو من أظهر قبر الإمام الحسين وقبور أصحابه، وذلك من خلال حضورهِ في اليوم الثالث عشر، أو الثاني عشر من محرم إلى موقع المعركة وتفقده للجثث التي سقطت فيها، وذلك من خلال معجرةٍ آلهية، إذ إن الإمام السجاد وأهل بيته سلام الله عليه بعد انتهاء المعركة في العاشر من محرم حملهم عمر بن سعد إلى قصر الإمارة في الكوفة عند الأمير عبيد الله بن زياد، وكانوا بحسب ما روتهُ الروايات الشيعية أنهم حمُلوا بصفة أسرى مكبلين ومقيدين إلى عبيد الله بن زياد، ولكن لأجل رتق الفتق الذي يروونه بأنه «لا يُغسل الإمام إلا الإمام» [12] فكان لزامًا وأجلًا مسمى أن يقوم الإمام السجاد بتجهيز وغسل ودفن جثة أبيه بنفسه، فكان لابد عن استحضار المعجزة الإلهية والدعوى بأن الإمام قد طويت له الأرض، ومُد له الزمان، واختفى عن الأبصار، فلم يشعر بخروجه جنُود وحرس عبيد الله بن زياد، لأجل أن يقوم بغسل ودفن جنازة أبيه الإمام الحسين سلام الله عليه، وهذه الحادثة فتق من الفتوق الكثيرة التي مُلئ بها الدين الاثنا عشري، فكان لابد عن استحضار المعجزة، وهذا ديدنٌ مطرد في جميع الروايات المتناقضة، والتي تعج بها الكتب الشيعية، والحقيقة أن الذي قام بدفق جثث القتلى الذين سقطوا في معركة الطف هم قبيلة بنو أسد، وكان يستحيل عليها التعرف على جثث القتلى وتمييز الجثة عن الأخرى، ذلك أن رؤوس تلك الجثث قد حملت إلى عبيد الله بن زياد، لذلك فإن الذين يدعون معرفة مكان قبر الإمام الحسين سلام الله عليه إنما يدعون غيبًا عريضًا، ويضاف إلى هذا الأمر صعوبة ومجهوليةً في معرفة موضع قبر الإمام الحسين سلام الله عليه هو أنه وبحسب الروايات الشيعية أن القبر قد هدمه وقام بحرثه اثنين من خلفاء بني العباس ولأكثر من مرة، فكيف بعد كل ذلك الاهتداء إلى موضع القبر.

ثم إن الإمام السجاد لم يأتي العراق أو إلى كربلاء إطلاقًا كما هو الثابت في الصحيح من الروايات حتى يدل على قبر أبيه وعمه وبقية صحابة أبيه، مع أنه لم ير مصارعهم اللهم إلا المنظر العام من جثثهم، ويستحيل أن تحتفظ ذاكرته بمواقع الجثث على الأرض ومكان دفنها وقد تولى دفنها غيره، هذا على فرض أنه قد زار العراق أو كربلاء مرة أخرى بعد استشهاد أبيه وأصحابة، وهذا ما لا تسنده الوقائع التأريخية.

وكذلك الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه فإنه عندما استشهد دفنه أولاده، وأخفوه في 13 قبرًا خوفًا من نبش الخوارج وذلك لأجل أن يمحو أثره، ثم إنهم أي الحسن والحسين قد رحلوا إلى المدينة بعد استشهاد أبيهم علي بن أبي طالب سلام الله عليه، فأما الإمام الحسين فإنه سلام الله عليه جاء إلى العراق، ولم يمر بقبر أبيه ولا بقصر الكوفة، بل إنه اقتيد من القادسية إلى الكوفة مباشرة، ومن ثم لقي الله شهيدًا فيها، فمن يا ترى أخبر عن موضع جثة أبيه علي بن أبي طالب، وأما الحسن فإنه لم يأت إلى العراق بعد استشهاد أبيه، بل إنه بقي في المدينة إلى أن توفي سلام الله عليه فيها، وبعد أن انقطع هؤلاء، فمن غيرهم يدري بموضع قبر الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه، وقد اعتمد علماء الشيعة في الإشارة إلى موضع قبر الإمام الحسين على روايات صدرت عن الإمام الصادق في زيارة قبره وهي تذكر مثلًا مفردات مثل: «إذا وصلت إلى الباب، فإذا رأيت القبة، ثم تدخل القبة الشريفة، حتى إذا كنت على باب الحائر، الباب الذي يلي المشرق، الباب الذي عند رجل علي بن الحسين، خارج القبة، إستجابة الدعاء تحت قبته، وهو على شط الفرات بحذاء الحائر على باب السقيقة»[13] والحقيقة أن هذه المفردات قد أولدت لاحقًا إذ إن كل هذه الأشياء لم توجد إلا بعد القرن الرابع الهجري، أي بعد وفاة الإمام الصادق والإمام السجاد بـ100 عام، «والمؤسف: أن جملة من الباحثين الاثني عشرية الذين سعوا لكتابة تأريخ بناء مرقد علي ونجله الحسين سلام الله عليم اعتمدوا لتقرير الحقيقة على هذه المرويات محل البحث نفسها، بعد افتراض صحتها خطأً انطلاقًا من موازين رجالية معينة، مع أننا قلنا مرارًا، ونكرر: إن أية رواية تطرح مطلبًا يخالف الواقع التأريخي المسلم، فينبغي أن يعرض عنها، حتى وإن صح إسنادها، وذلك لكونها وليدة اللحظة الزمانية التي طرحت فيها، أما كلها أو بعض منها، فتأمل كثيرًا لتعرف إن نسبه مئوية كبيرة جدًا من الأدعية والزيارات المروية في الكتب المختصة قد ولّدت لاحقًا، وبذلك تسقط عن الاعتبار قبل أن تصل النوبة للبحث» [14].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد