كأنما الدين ضرب من متاجرهم .. إن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا      *جبران خليل جبران

 

دائمًا مما تتناول الدراما التلفزيونية والسينمائية مشاهد للإسلاميين مجتمعين بلحاهم الطويلة وجلابيبهم البيضاء القصيرة يخططون لاستخدام الدين بشكل انتهازي متعمد لخداع الجماهير من أجل الوصول للحكم أو تحقيق مصالح شخصية، وأشهر هذه الشخصيات هي شخصية رياض الخولي المحامي في فيلم طيور الظلام من تأليف وحيد حامد وإخراج شريف عرفة.

ولكن لو كان هذا التصور سليمًا فما الذي يفسر استهدافهم المستمر من قبل السلطة وكان يكفيها شراؤهم؟ وما الذي يفسر تضحياتهم في المعتقلات وتقديمهم الكثير من الشهداء على طول التاريخ إيمانًا منهم بقضيتهم؟ وما الذي يفسر الخلافات والتنوعات الفكرية داخل التيار الذي يشملهم؟ وفي المقابل ما الذي يفسر لنا أيضًا التعالي والاستبدالية التي يمارسها الإسلاميون مع الجماهير واعتبارهم كتلة تصويتية مصمتة في أحسن الأحوال وجهلة في أسوئها؟ وما الذي يختلف لو قلنا بنفس المنطق أن الاشتراكيين يتاجرون بآلام الطبقة العاملة وأحلامها من أجل الوصول للسلطة وتحقيق مصالح شخصية؟

في تقديري إن هذا الفهم القاصر الذي يتم تقديمه في الدراما التلفزيونية والسينمائية والكثير من المقالات السياسية والدراسات الأكاديمية، نابع من سيطرة الفكر الستاليني الدولاتي على قطاعات كبيرة من المثقفين والسياسيين الذين يعتبرون ظاهرة الإسلام السياسي والظاهرة الدينية في المجمل رجعية دخيلة على الصراع الطبقي، وتتلاقى هذه الرؤية بالطبع مع رغبة الطبقة الحاكمة في إخراج الإسلاميين من حلبة الصراع السياسي، وتجسدت هذه الرؤية أحسن تجسد في كتابات رفعت السعيد وحزب التجمع، فنعته للإسلاميين بـ«المتأسلمين» هو نموذج لهذا التبسيط الفج الذي لا يمكن قراءته بمعزل عن رفعه شعار الأسقف المنخفضة وتحالفه مع الدولة القمعية ضد الإسلاميين.

الحقيقة إن رؤية رفعت السعيد هي أبعد ما يكون عن الماركسية التي هي منهج لتحليل العلاقات الاجتماعية بالأساس تؤكد دائمًا على أن الوجود الاجتماعي سابق على الوعي الاجتماعي، وأنه لابد لفهم أي نص ثقافي أو خطاب اجتماعي النظر إلى السياق التاريخي لنشأته والطبقة الاجتماعية الحاملة له، وبالتالي لا يمكن قراءة ظاهرة الإسلام السياسي بشكل مفارق للتاريخ كما يقرؤها رفعت السعيد.

ولو رصدنا بشكل سريع الحامل الطبقي المنتج للخطاب الإسلامي، فستجده في أغلبه من قطاعات البرجوازية الصغيرة المأزومة خاصة بعد فشل ثورة 1919 فـ«حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين كان معلمًا» و«سيد قطب كان موظفًا حكوميًا بوزارة المعارف»  وتنظيم الإخوان كان أغلب مؤسسيه من الحرفيين والمهنيين وأصحاب الملكيات الصغيرة… إلخ، قد تتداخل دائرة هؤلاء مع دوائر الرأسماليين والبروليتاريا وتترك بصمتها على الخطاب، ولكن مركز الثقل والكتلة الأكبر تظل من البرجوازية الصغيرة بشرائحها القديمة والحديثة.

ومنذ نهاية السبعينيات ومع هزيمة مشروع التحديث الدولاتي، تضررت هذه الطبقة بشدة من التوسع الرأسمالي الذي هدم بنيتها الطبقية مُنهيًا مكتسباتها ونظمها الحمائية التي كانت الدولة الناصرية تقدمها رشىً اجتماعية مقابل تمرير مشروعها، وبالتالي كانت إعادة استدعاء خطاب الإسلام السياسي في الواقع بعد فترة من الانقطاع في حقبة الستينيات هو وفقًا لكريس هارمن «طوبى» نابعة من قطاع بائس من البرجوازية الصغيرة تحاول إيجاد حل للتناقض الذي تعاني منه بين واقع ضاغط تتمدد فيه الرأسمالية بعنف لتعصف بوجودها، وبين خطاب رأسمالي مهيمن يسلع كل شيء ويتسق إلى حد كبير مع تطلعات قطاعات منها.

فالبرجوازية الصغيرة رغم معاناتها في ظل النظام الرأسمالي إلا أن هناك خيطًا يشدها إلى المجتمع القائم، وهو خيط الحفاظ على الملكية الخاصة كما أن لديها القدرة على تصدير أزمتها إلى أسفل واستغلال الطبقات الأضعف في الهرم الرأسمالي مما يجعلها طبقة شديدة التردد.

ونظرًا لموقعها الطبقي المرحلي هذا يتسم خطابها بحالة من التشبع بأوهام البرجوازية حول المجتمع الطبقي النابع من تكوينها الطبقي من ناحية، والتشكك في الطبقة العاملة من ناحية أخرى، وهذا ما يخلق لديها وعيًا متناقضًا يجمع بين الرفض العملي للممارسات الرأسمالية التي تئن تحت ضرباتها، وبين القبول الفكري بالخطاب الرأسمالي الذي يتقاطع مع الوعي الأحفوري لديها حول إمكانية الصعود الطبقي والمظهرية والتدين الشكلي وغيرها من الأوهام.

لينتج هذا التناقض في الوعي خطابًا أخلاقيًا هجينًا ليس لديه مشكلة مع جوهر العملية الرأسمالية القائم على الاستغلال فالحياة «تجارة» ولكن المشكلة في فساد أخلاق التجار وابتعادهم عن صحيح الدين، أو في السلطة التي لا تطبق صحيح الدين باعتباره «خطًّا معارضًا للسلطة» أو أن المشكلة في ابتعاد الناس عمومًا عن صحيح الدين باعتباره «خطًّا داعمًا للسلطة»، وبالتالي ينعكس هذا في خطابها الديني.

فما يجمع هذين الخطين سواء المعارض أو المؤيد للسلطة هو هذه الرؤية الأخلاقية التي تفصل النظرية عن الممارسة، وتؤكد على مفاهيم التجارة مع الله وأن أربعة أخماس الرزق في التجارة، إن الرسول كان تاجرًا وإن الحسنة بعشر أمثالها… إلخ، مستلهمين من التراث ما يؤسس ويرسخ لهذا الفهم في ظل عدم وجود تنظيم قوي للطبقة العاملة يستطيع خلق معجم اشتراكي بديل.

ولا يعني ذلك عدم وجود انتهازيين وسط الحركة، الإسلاميون يتاجرون بالدين بالمعنى الحرفي ولكن القاعدة تقاس بالأصل لا بالاستثناءات، فالحقيقة أن الإسلاميين أنفسهم واقعون ذهنيًا تحت أسر الخطاب البرجوازي المهيمن الذي يحاولون الإفلات منه في الوقع في مفارقة هي إحدى السمات الرئيسية للبرجوازية الصغيرة منذ نشأت الرأسمالية على أنقاض الإقطاع.

 

إذن فالإسلاميون لا يتاجرون بالدين بشكل قصدي «متأسلمون» كما تصور السلطة واليسار الستاليني، ولكن فهمهم – بوصفهم برجوازية صغيرة بشرائحها المختلفة – للدين باعتباره نظامًا «للمرابحة» هو الذي ينعكس في خطابهم الاجتماعي والثقافي والسياسي، وبالتالي سلوكياتهم ورؤيتهم لله وللعالم، وبالتالي عندما يجتمع الإسلاميون لصياغة خطاب سياسي ما تتطابق بنية هذا الخطاب مع رؤيتهم الدينية/ الطبقية التي تقع في المسافة بين البرجوازية الكبيرة والبروليتاريا وتتراوح يمينًا ويسارًا وفقًا لمدى حدة احتدام الصراع الطبقي لحظة صياغة هذا الخطاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد