ملاحظة: أمي أنا أعرف بأنك تحبينني وأنا أحبك، أمي أنا أعشق كل حرف من حروف اسمك، أمي أنا كما دومًا تقولين «جزء منكِ وأنتِ لستِ جزءًا مني»، أمي أنا أعتذر لأني سأكتب هذه الحروف وأنا متأكد أنك ستتفهمينني كعادتك حين أرتكب الحماقات الواحدة تلو الأخرى، وتبقين تلك الهادئة التي لا يبدو عليها إلا سكوت المنتصر، وما سأكتبه هو إحدى تلك الحماقات.

قالت لي أمي بعد أن تكلمت بكلام سيئ على أحد الشيوخ المعممين الذين يظهرون على الفضائيات أكثر من «الإعلانات»، والذين يبثون روح الاختلاف والفرقة والتعصب «الظاهر غلطت بتربيتك».

جملة هزت كياني بهدوء نطقها وعمق تأثيرها، وإن كانت مبررة في وقتها لتجاوزي على معتقد لآخر، وكان لسوء الحظ ذلك الآخر أمي.

لقد مر على هذه الحادثة أكثر من سنتين، ولكن مرارة الكلمة ما زالت في فمي، وأخيرًا وبعد سنتين من عدم تقبل الكلمة استجمعت قواي الفكرية لأقول الآن «أنا آسف».

أنا آسف لأني سفهت من طريقة تفكيرك، فحواري معك لم يكن حوارًا بناءً بين فكرين مختلفين، بل كان أشبه بمحاولة فاشلة لإثبات ذات.

أنا آسف لأني كنت أظن أنني على حق بطريقتي الهجومية في النقد، التي إن دلت، فإنما تدل على عدم نضج تفكيري وقلة خبرتي في محاولة إبداء رأيي.

أنا آسف لأني وقعت في المطب ذاته الذي يقع فيه من يظن أنه يدعم فكره بتسفيه فكر الآخرين، بالنظر بدونية لكل ما لا يتشابه مع ألوان فكره، دينيًا كان أم فكريًا.

أنا أعتذر يا أمي

ولكن يجب أن تعرفي يا عزيزتي أني ما زلت على رأيي لم أستبدله، فما يزال عندي مقبولاً. يا أمي الحياة أقصر من أن نضيعها في محاولة إثبات أيا منا هو الفائز. نحن نعيش حياة واحدة، وأنا لست مهتمًا بأن أضيعها في محاولة إثبات أن الآخر ليس على صواب. لماذا لا نتقبل الآخرين على «نقائصهم»؛ فالله ليس لأحد دون آخر، أليس الله «إله العالمين»؟ لماذا لا نتقبل فكر السني والشيعي، الصابئي والمسيحي واليهودي، البوذي والسيخي، والملحد والاأدري، فكل لديه أدلته وكل لديه ما يعتقد بأنه يسير بها أو معها على طريق مستقيم. يا أمي أنا لست مع أحد دون أحد، كما أني لست بضد لأحد، إلا من سيمنعني عن أن أكون كما أريد ويريدني أن أكزن كما يريد هو.

أنا مؤمن بأن الله سيناقشني باختياراتي وسأناقشه، أنا مؤمن بأني على الحق طالما لم أوذ أحدًا. أنا مؤمن بأني على الحق طالما لم أظلم أحدًا، أنا مؤمن بأني على حق طالما أني لم أتجاوز على حق غيري، وأنا مؤمن بأني على حق طالما أحببت الإنسان لإنسانيته وليس لدينه، أو معتقده. يا أمي أنا لا أحب من يقضي يومه في التفكير والتقرير والبحث والإصرار على أنه هو وحده من يملك طريق الجنة، يا أمي هذا ظلم.

فأنا لست ضد الدين، أنا ضد من يتحكم بالآخرين باسم رفعة الدين. أنا لست ضد الشريعة، أنا ضد من يتحكم بالآخرين باسم تطبيق الشريعة. أنا لست ضد التاريخ، أنا ضد من يتحكم بالناس باسم إعادة التاريخ، أنا لست ضد الأعراف الاجتماعية، أنا ضد من يتحكم بالآخرين باسم حفظ الأعراف الاجتماعية، أنا لست ضد السياسة، أنا ضد من يتحكم بالآخرين باسم قوانين اللعبة السياسية. أنا لست ضد الحكومة، أنا ضد من يتحكم بالآخرين باسم توفير الأمن. عدوي وصديقي أنا لست ضدهما أنا ضد أن يتحكما بي باسم محاولة إصلاحي. أنا حر يا أمي، أو هذا ما أظنه على الأقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد