في فيلم “30يوم في السجن” قدم الفنان الراحل محمد رضا دور المجرم المخضرم الذي سقط في لحظة ضعف متلبسًا بسرقة “حبل غسيل” بسبب شغفه وإدمانه على سرقة الغسيل؛ وبالرغم من أننا تعاطفنا معه كأطيب حرامي في السينما المصرية إلا أن حرامي الغسيل يبقى من المستويات المهينة في عالم الجريمة. فلك أن تتخيل مثلا أن يتم القبض على دومينيكو رانكادوري زعيم المافيا الإيطالية الشهير متلبسًا في قضية غسيل أو سرقة دراجة بخارية.

 

مبارك فعلها وسقط متلبسًا بسرقة “القصور الرئاسية”. فبعد أن صال وجال على مدار 30 عامًا هي فترة حكمه والتي نصب فيها نفسه إلهًا يمتلك الأرض وما عليها؛ سقط الحرامي “الغشيم” متلبسًا في قضية القصور الرئاسية بحكم محكمة قضى بحبسه 3 سنوات ومعه أبناؤه جمال وعلاء بـ 4 سنوات لكل منهما.

 

هذة القضية مهمة جدا في تفاصيلها ومغزاها ومعانيها؛ فهي القضية الوحيدة التي حكم فيها على مبارك بعد أن خرج “زي الشعرة من العجينة” من باقي القضايا، وتفاصيلها المشوقة تظهر أن هذا الرجل الحرامي “بحكم محكمة” لم يكن يفوت أي فرصة للاستيلاء على المال العام؛ فقد كان الرجل متربصًا بكل فرصة متاحة للنهب والسرقة، يترقب الشاردة والواردة في “عزبة مصر الملاكي” التي كان يعاملها على أنها ملكية خاصة.

 

وصلت القضية لقمة الإثارة عندما تمت مواجهة مبارك ونجليه بالمهندسين المسؤولين عن القيام بأعماله الخاصة؛ عندما اعترفوا أن مبارك أصر على أن تدفع وزارة الإسكان مبلغ 126 مليون جنيه قيمة الأعمال التي تم تنفيذها في مقراته الخاصة من خزينة الدولة، وجاءت شهادة صبري فرج شاهد الإثبات الأول في القضية وهو مدير عام بالجهاز المركزي للمحاسبات حيث قدم الدلائل بالفواتير والعقود والتوقيعات بما لا يدع مجالا للشك أن مبارك متورط “من ساسه لراسه” في القضية.

 

وعندما أيقن المحامي فريد الديب أن القضية “متخرش المية” وأن موكله “الغشيم” متورط تمامًا في السرقة والاحتيال والاستيلاء على المال العام، كل ما استطاع أن يقوم به هو الدفع ببطلان إجراءات القبض على مبارك؛ متذرعًا بأن القضية قد حركها النائب العام السابق المسشتار طلعت إبراهيم والذي قد تم عزله لاحقًا بسبب بطلان إجراءات تعيينه من قبل محمد مرسي. حكم على مبارك بـ 3 سنوات ولكن تبقى دلالة الحكم؛ فمبارك ومنظومة الفساد التي رعاها واحتضنها قد نهبت وسلبت مليارات الجنيهات.

 

لكن أن يسقط رأس هرم المنظومة الإجرامية في مصر في قضية “تافهة” بهذا الشكل المهين فهي إحدى حلقات سخرية القدر التي يجود بها الزمن علينا من وقت لآخر. الثورة هي عبارة عن مجموعة من المعارك الصغيرة؛ نربح بعضها ونخسر البعض الآخر. ربما لم يُدَنْ مبارك في قضايا قتل المتظاهرين؛ رغم أن القتل تم توثيقه صوتًا وصورة وكنا نحن الشهود عليه. ولكن دعونا نذكر أنفسنا بكل نجاح حتى لو كان بسيطًا؛ نتذكره وفاءً لشهداء الثورة ودعمًا للرفاق داخل السجون. رددوها أمام الجميع: أن مبارك حرامي بحكم محكمة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد