أحمد بابكر حمدان 68
أحمد بابكر حمدان 68

بالتزامن مع شروق الشمس، اتجهنا الى الكلية حيث الملتقى في انتظار البص الذي سيقلّنا إلى القرية التي تم اختيارها للزيارة العملية.. كنا في غاية السعادة.. انتظرنا بشغف منذ الصباح الباكر حتى وقت الظهيرة موعد تحرك مجموعتنا.

مقدمة استهلالية رائعة سطرها قلم طالب الطب البشري بجامعة غرب كردفان السودانية، مجتبى جبارة.. وهو يوثق لرحلة عملية تعرف في كليات الطب بالإقامة الريفية.

ويسترسل مجتبى في سرد أجواء ما قبل الرحلة: «انتابتنا فرحة عارمة، رفعنا حقائبنا على سطح الباص.. والطالبات داخل الباص أما نحن الطلاب فصعدنا في أعلى الباص أيضًا».

كانت لحظة مغادرة البص لمدينة النهود، مقر الكلية، جديرة بالتوثيق أيضًا: انطلقنا وسط تلويح أصدقائنا الذين كانوا ينتظرون عودة البص لنقلهم تاليًا.. وانطلقنا بعيدًا عن مدينة النهود، مقر كلية طب غرب كردفان بوسط السودان.

في مذكراته الرشيقة، كان طالب الطب ذو العشرين عامًا سهل المفردات.. يكتب بقلم صادق وروح حية يحسها القارئ بين السطور.

وترتيبا للأحداث، يصف مجتبى بداية الطريق إلى برباش قريتهم المنتظرة كما سماها تاليًا.. يصف الأشجار الملتفة على جانبي الطريق، ولا يخفي تأذي الطلاب وهم في أعلى الباص من الأغصان الشوكية في هجومها الضاري على المسافرين الأبرياء: كان منظر المدينة من الخارج يعكس جمالها وروعتها أكثر من منظرها من الداخل، أما عن الطريق فقد كان مبعثًا لسرور النفس، أشجار جميلة.. إضافة الجبال و التلال الرملية التي تمر بنا من حين لآخر… لم يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن مشاركة الأشجار في ذلك المشهد كانت أكثر إثارة وعدوانية حين بسطت فروعها الشائكة على طول الطريق، وظلت تضربنا بها من اليمين واليسار، وكنا كلما رأينا فرعًا قادمًا تجاهنا خفضنا رؤوسنا، وملنا عكس اتجاهه لنتفادى هجومه الشرس، ولكن هيهات أن تمر كل محاولاتها بسلام؛ فقد كانت في معظمها أشجارًا شوكية ضخمة، تركت أثرها واضحًا، فهذا قد خدش خده، وهذا قد مزق قميصة، وذاك يتألم من ضربة لم يقو على تحملها.

صدق الوصف وصراحة الكاتب، تجبرك على الاستمرار في تقليب صفحات مذكراته.. وينتقل بنا في جزء آخر من وصفه للطريق، حيث الغبار الخانق في بيئة رملية تعرف في السودان بعروس الرمال: تصاعد الغبار إلى السطح، حيث كنا ليفرض هالة من الأتربة على رؤوسنا.. كم كان منظرنا مثيرًا للسخرية والشفقة.. اتسخت ملابسنا.. ويا للحسرة على تلك الملابس الأنيقة التي ارتديناها لنقابل بها أهل القرية.. لقد كان منظرها مزريا وذهب جمالها أدراج الرياح والغبار.

في بعض الطريق، حدث تطور مهم للكاتب وزملائه، فقد تم استدعاؤهم من أعلى الباص إلى داخله.. والانتقال من السطح إلى المقاعد.. فهل يعني ذلك انتهاء معاناتهم مع الأشجار الشوكية والغبار.. أم أنهم سيواجهون متاعب أخرى؟ يجيب مجتبى: بعد نزول مجموعين في قرى على الطريق، طلب منا السائق، النزول من سطح البص إلى الداخل، إذ أصبحت المقاعد فارغة تقريبًا باستثناء تسع طالبات من مجموعتنا.. في الداخل كان الجو ساخنًا والغبار يتسلل من النوافذ بلا استئذان ليزيد الأمر سوءًا.. إغلاق النوافذ لمنع الغبار يزيد الحرارة وفتحها للتهوية يزيد كمية الغبار.. كان الأخير خيارًا صعبًا، ولا بد مما ليس منه بد.

ويصور مجتبى لحظة بزوغ علامات الوصول: بعد فترة قصيرة من ابتعادنا عن الجبل لاح مرأى قرية، وكانت بلا أدنى شك قريتنا المنتظرة (برباش).

عند مدخل برباش، يصور لنا الكاتب أبرز المباني في القرية، ولحسن الحظ كان المبنى اللافت للزوار مركز صحيًا فخما أخضر اللون، وصفه الكاتب بمماثلة مباني المدينة.

وينتقل بنا مجتبى إلى داخل القرية حيث السوق والمحال التجارية وتجمعات الشباب: لم تكن بالسوق حيوية تذكر وقت مرورنا على الأقل.. فكثير من المحلات التجارية قد أغلقت باكرًا على ما يبدو.. وبعض المتاجر لا تعمل، إلا يوم الاثنين كما ذكر لي، وهو يوم السوق الأسبوعي للقرية. كانت السوق خالية سوى من بعض مجموعات شباب يلعبون الورق.

لم تخل رحلة كاتبنا مجتبى، وزملائه طلبة الطب، من نوادر و(مقالب) كما يطلق عليها في مجتمع الطلاب.

في مركز القرية ووسطها الجغرافي، كان المشهد الدرامي الأبرز: اقتربنا منهم لنسألهم عن منزل (شيخ القرية)، ولكن يبدو أنهم لم يسمعوا منا سوى كلمة شيخ فقط فدلونا على منزل (شيخ الخلوة) لتأخذ رحلتنا طابعًا آخر.

وما بين شيخ القرية وشيخ الخلوة، مساحات اصطلاحية ومسافات  مهمة في الصلاحيات.. يمثل شيخ القرية هو المسؤول التنفيذي الأول، بينما يمثل شيخ الخلوة النخبة الثقافية بوصفه مدرسًا للقرآن الكريم، وصاحب مكانة اجتماعية ودينية متميزة.. وبالعودة لرحلة طلاب الطب قبيل نزولهم في بيت (الشيخ) المعبرة عن دار الضيافة والفندق.. يقول مجتبى بعد الخطأ السماعي الذي ترتب عنه تغيير مسارهم من بيت شيخ إلى آخر: توقف الباص عند منزل الشيخ.. كنا مندهشين من المكان؛ اذ لم يكن هناك ما يدل على علمهم بقدومنا.. مكان عادي بكامل تواضعه، ولعل مرجع ذلك إلى أنه لم يكن المكان المخصص لضيافتنا.. ولم تكن لشيخ الخلوة أية علاقة ببرنامجنا في القرية.

ويسترسل في وصف ما يجري من أحداث متسارعة فرضتها حالة تغيير المسار: نزلنا من البص وأنزلنا الحقائب، ثم قفل عائدًا.

رغم قدومنا المفاجئ استقبلتنا أسرة شيخ الخلوة بحفاوة كبيرة، وسرعان ما تم إعداد المكان، فبدا وكأنه كان معدًا للزيارة منذ فترة طويلة.. لم نكتشف أن نزولنا كان عن طريق الخطأ.. ولمناهم سرًا على تأخر الإعداد، ولكن بعد أن اكتشفنا فيما بعد أنهم ليسوا المعنيين باستضافتنا، كبر مقامهم في أعيننا ونفوسنا.

كان الطلاب في حالة إعياء وإجهاد.. ولعل أهالي القرية خبراء في شؤون الأسفار وظروفها.. كان أول ما جاد بها المستقبلون، أواني كبيرة مملوءة بعصير لذيذ، وثق له مجتبى، ذاكرًا بكل صراحة أنه تناول منه حد الارتواء: كانت أول مظاهر الجود، دلاء العصير، شربنا حد الارتواء.

ويبدو حسب وصف الكاتب أن أهالي القرية يتقدمهم شيخ الخلوة كانوا خبراء في الضيافة، وترتيب النزل، وإسعاد الضيوف، مهما كان عددهم، أو وقت قدومهم.. هنا يحكي مجتبى معجبًا بشكل التنظيم الإداري ودقته وفاعليته: انقسم الأهالي إلى ثلاث فرق، جزء بقي معنا للمؤانسة، وإزالة الحواجز النفسية، وبناء الثقة والاستماع لحكايات الطريق وطرائف السفر.. وجزء آخر للإشراف على إعداد الطعام.. أما الفريق الثالث فقد كان مسؤولًا عن إعداد مكان النوم.. كانت فرق العمل نحلية نشطة أدهشتنا في إعدادها السريع لمتطلبات استضافة مجموعة كبيرة قدمت دون سابق ترتيب.. كيف استطاعوا توفير كمية كبيرة من الطعام في قريتهم الصغيرة؟ وكيف وفروا عددًا هائلًا من الأسرة خلال ساعات؟ كانت صورة مشرقة للإيثار والكرم الفياض.. وصلت موائد الطعام كان ذلك بعد صلاة العشاء، جلسنا في ثلاث مجموعات، أما أهل البيت، فقد ظلوا يطوفون حولنا ليلبوا احتياجاتنا، أنهينا طعامنا، وكان الشاي حاضرًا دون فاصل زمني.

ثم ماذا بعد العشاء.. لم يتأخر الجواب كثيرًا.. يقول محتبى: أخبرنا أحد الشباب بمكان النوم، وقد كنا في غاية الإرهاق والتعب.

كانت الأسرة مصفوفة بطريقة جميلة.. نمت ليلتها نومًا هادئًا تخلصت خلاله من آلام الظهر التي يسببها عادة الجلوس لساعات طويلة.. استيقظت في قمة النشاط.. واستقبلت رئتي هواء برباش النقي.

من اللافت في مذكرات محتبى جبارة، حرصه البالغ على اصطحاب القراء وإدماجهم في تفاصيل القصة والأحداث بسرد مشوق وترتيب متقن.

كان الصباح في القرية ذا طابع خاص حيث الهدوء، ولا تكاد تسمع سوى تغريد العصافير، وصياح الديوك، وحفيف الأشجار حين تداعبها الرياح.. كل ذلك الجمال لم يكن ليقارن بشروق الشمس.. كان الشروق رائعًا وكأنها ليست الشمس نفسها التي تشرق علينا كل يوم في المدينة.

أرسلت الشمس أشعتها البراقة تداعب من بقي منا على فراشه تخبرهم بقدوم يوم جديد.

استيقظنا جميعنا وتجمع أهل القرية حولنا لتناول الشاي.. شربت يومها نحو أربعة أكواب بمذاقات مختلفة.. انتهت مراسم (شاي الصباح) وتفرق أهل القرية إلى أعمالهم.. واتجهنا نحن أيضًا إلى عملنا في أولى محطات برنامج الإقامة الريفية لطلبة الطب.

نواصل في استعراضنا لمذكرات مجتبى في المقال التالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك