في الجزء الأول من مطالعتنا ليوميات الطالب الجامعي مجتبى جبارة، تناولنا اليوم الأول من رحلته إلى قرية برباش وسط إقليم كردفان بالسودان.

اشتمل المقال الفائت على ذكريات ما قبل الرحلة، ومشاهد الطريق، ووصف الكاتب للحظة الوصول إلى برباش وما تلا ذلك من مواقف طريفة تارة ونبيلة ومدهشة تارات أخرى.

وفي الجزء الثاني، نقلب يوميات مجتبى بسرعة مناظرة لأيامه الجميلة في حضرة برباش.

ويوقع صاحب اليوميات على صفحات مذكراته موثقًا لليوم الثاني وما حواه من فعاليات وأنشطة: بدأنا أنشطة الإقامة الريفية بالتجول لملء استبيان حول الحالة الصحية لسكان القرية، وقد اشتمل الاستبيان على إحصاء للحوامل والأطفال دون الخامسة أيضًا.

استمر تجوال الطلاب ومشرفيهم حتى الظهيرة، ونالهم من المشقة الكثير، وتأخرت وجبة إفطارهم إلى ما بعد صلاة الظهر. يستطرد مجتبى: عند منتصف النهار عدنا جميعًا إلى مركز العمل ونقطة الإنطلاق. جمعنا الاستمارات، وجلسنا نتبادل قصصًا ومواقف عن حفاوة أهل القرية وجميل استقبالهم. تناولنا وجبة الفطور متبوعة بالشاي. بعدهما غط بعضنا في نوم عميق، وانشغل البعض بألعاب وأنشطة ترفيهية.

كانت الفترة بين الصلاتين استراحة وتجديد نشاط، ليستأنف الطلاب ما تبقى في أجندات اليوم العملي الأول في برباش: بعد صلاة العصر، تهيأنا لبرنامج الإصحاح البيئي وتنظيف السوق. بدأ العمل بمجموعة صغيرة ولكن سرعان ما توافد سكان القرية بمختلف أعمارهم حتى شكلوا فريق عمل ضخمًا. أنجزنا جزءًا كبيرًا من العمل في وقت قصير. وقد كان تفاعل أهل القرية ومشاركتهم في تنظيف السوق دلالة على رغبتهم الكبيرة في العمل البيئي وحرصهم على النظافة، لكنهم بحاجة لمن يتقدم ويبادر، وهذا ما قام به طلاب الإقامة الريفية.

وأخذ التعب بالطلاب كل مأخذ، لينتظر الجميع أذان المغرب، كحال الصائم يوقت لأنشطته بما لا يفوت عليه (الإفطار). يواصل جبارة السرد: كان أذان المغرب يومها إعلانًا عن نهاية يوم أول حافل بالعطاء. عدنا لمقر الضيافة لأداء فريضة المغرب. ثم تناولنا الغداء أو (العشاء). بعدها كان المشرف قد أعد لنا جلسة ترفيهية. جلسنا في دائرة تحت ضوء القمر. وقد كان منظره استثنائيًّا. وكم استمتعنا بالنظر إليه والتأمل في روعته. تجاذبنا الحديث حول عمل المجموعة. ولكن سرعان ما اخذت الجلسة طابعًا آخر أكثر ثراء وتنوعًا. استمر حديثنا طويلًا إلى منتصف الليل موعد النوم حسب برنامج الزيارة.

يقول مجتبى عن الليلة الثانية في القرية: ليلتنا تلك كانت أروع من  الوصف. كانت الابتسامة لا تفارق شفاه الزملاء. ولا عجب أن تظل خالدة في الأذهان.

اليوم الثالث للرحلة والثاني في العمل، وما زال كاتبنا يوثق لها لحظة بلحظة: تستمر الحياة هنا سريعًا لتشرق الشمس معلنة يومًا ثالثًا لبرنامج الإقامة الريفية في القرية. كان اليوم الثالث علاجيًّا. أحسسنا خلاله بعظمة الطبيب وحاجة المجتمع إليه. بدأ توافد الأهالي إلى المركز العلاجي منذ الصباح الباكر واستمر طوال اليوم حتى المساء. لم تغب عن ذاكرتي فرحة السكان وهم يغادرون حاملين ما يحتاجون إليه من أدوية و(علاجات) وألسنتهم تلهج بالشكر. وترتسم على وجوههم علامات الرضا.

وفي جانب آخر من يومياته. يتوقف كاتبنا عن السرد، مقدما انطباعاته بوصفه إنسانًا ومواطنًا ودارسًا في المجال الطبي: كانت حاجة القرية إلى طاقم طبي واضحة وجلية إذ لم يكن بالمركز الصحي طبيب.وكم هو مؤلم أن تعيش في مكان لا تتوافر فيه أدنى مقومات الرعاية الصحية، وليس لأهل الأرياف من ذنب سوى أنهم لا يعرفون كيفية المطالبة بحقوقهم. وما هو أكثر إيلامًا أنك لا تستطيع أن تقدم لهم شيئًا أو أن تحرك لهم ساكنًا.

بنهاية اليوم العملي الثاني، كانت الرحلة قد قطعت أشواطًا كبيرة قاربت النهاية فقد انتهى اليوم العلاجي سريعًا في نظر أهل برباش، لتواصل عجلة الحياة هنا دورانها السريع. وتشرق الشمس معلنة صباح الثلاثاء آخر أيام البرنامج. يكتب مجتبى عن اليوم التطبيقي الثالث: كان آخر منشط في برنامج الإقامة الريفية، حملات توعوية وندوات تثقيفية لتنتهي قائمة أنشطتنا بالقرية.

ويسجل صاحب اليوميات انطباعاته وإعجابه بأيام برباش: عجبًا لبرباش قدمنا إليها ونحن لا نعرف فيها أحدًا. ونغادرها في اليوم الرابع ونكاد لا نجهل أحدًا. تعرفنا إلى مجتمعها البسيط المضياف. عرفنا الصغير والكبير. وها نحن نفارقها وكأننا نفارق جزءًا عزيزًا منا. تملكنا إحساس غريب وامتزجت فرحتنا بمعرفة القرية وأهلها بالحزن لفراقها.

وفي لحظة الوداع، كان القلم حاضرًا ليوثق مشهدًا دافئًا متدفقًا بالحب والوفاء: عادت الحافلة من مدينة النهود  قبيل صلاة العصر، ولا أنكر أن بعضنا كان متشوقًا للحظة العودة. أما الأغلبية فقد كانت بعكس ذلك. وكنت أنا ممن يتمنون أن تستمر الإقامة طويلًا.

وسط أجواء من الحزن رفعنا أمتعتنا في أعلى الحافلة كالعادة، لتحين لحظة الوداع. تجمع أهل القرية لوداعنا وأعين البعض تذرف. تذوقت يومها ألم الفراق، والمودعون يلوحون لنا بأيديهم والحافلة تنطلق بعيدًا عنهم حتى غابوا عن أعيننا وغبنا عنهم، لتنتهي أروع أيام لا تنسى في حضرة برباش.

وقبل أن يسدل ستار ذكرياته في برباش. يلخص طالب السنة الطبية الثانية، جملة ما تعلمه من الرحلة في عشر نقاط، قائلًا:

– علمتني رحلة برباش أن الإنسان هو أهم عناصر التنمية.

– علمتني برباش أن الإنسان إن أراد حياة كريمة جيدة فعليه أن يخرج من قوقعته ويتحرر من قيوده.

– علمتني برباش أن داخل كل إنسان منا حكاية تنتظر من يبحث عنها وينقب.

– علمتني برباش أن السعادة لا تكمن في الماديات فقط بل في تكامل الحياة وبساطتها.

– علمتني برباش أن الرفاهية لا تتوقف على الأدوات فقط. بل يمكنك أن تصنع رفاهيتك بأسلوب خاص.

– علمتني برباش ألا أحتقر إنسانًا مهما كان قدره وضيعًا في نظر الناس.

– في برباش تعلمت أن العقل لا يرتبط بالعمر دائمًا، فقد يكون الصغير بعقل كبير.

– في برباش تعلمت رؤية الجمال في شروق الشمس و بزوغ القمر وفي وجوه الناس.

– في برباش تعلمت الاستماع إلى الجمال في تغريد العصافير وصياح الديكة وفي كلمات أهلها ودعواتهم.

– في برباش تعلمت أن أستنشق الجمال في نسماتها وطيب عبيرها.

وبخاتمة من بضع عشرة كلمة، يسدل مجتبى ستار أول فصل في يومياته: برباش.. حكاية سطرها أهل القرية بمداد الصدق والكرم والحب. ستظل خالدة على صفحات القلوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد