مَثَّلَ رحيل محمد الجبة (الشاب المنتمي لجيل الثمانينات، المصري الثائر) في إسطنبول مؤخرًا جرحًا متجدد الإيلام لنفس كل شريف مخلص لدينه، ثم وطنه، نعاه أغلب الثوريين المفترضين، وترنموا بذكر أفضاله، ومآثره، وتاريخه البطولي؛ بما ترك أكثر من سؤال، وعدَّد مناطق الألم والنزف داخل الروح من قبل القلب والنفس: ترى فمن تسبب في وفاته إذًا، إذا كانوا مئات يرثونه، ويعظمونه، ويقدرونه، فور مفارقة روحه لجسده، وبعد نهاية معاناته المختلفة والمتعددة؟ أو لم يكن غيض من فيض وقليل من هذا الاهتمام جديرًا بأن يقضي الشاب آخر ساعات من حياته، إن لم يكن آخر أشهر، بل سنوات في هناء، وحبور، وطمأنينة!

حذرنا منذ سنة 2017 حينما بدأ رحيل بعض من الراحلين عن الوطن والمغيبين عن مشهده حتى لو كانوا من عمر أكبر قليلًا من الراحل الأخير، حذرنا من أن تيه المنافي بدرجاته قادر على طي الجميع، وأن المغتربين عن الكنانة دون هدف، أو رؤية، أو مجرد تكتيك، فضلًا عن إستراتيجية، سيزدادون مع الأيام. وكررنا القول بأن المواجهة مع النظام المصري في أواخر حكم الرئيس الراحل المخلوع حسني مبارك لم تكن مواجهة مع الأخير، أو حتى أعوانه، وسدنة حكمه المقربين فحسب، وإنما كانت مواجهة شاملة عفيِّة مع ثعابين وشياطين نظامين أولهما مباشر قريب (مبارك)، لكنه يمثل دولاب الدولة العميقة المتداول بفساده وعفنه وزخم طبقاته المتوارثة، هذا من ناحية، ومن أخرى فإن تخلي إنسان عن سلطة (أيًا ما كانت دقت أم تداخلت) أمر يشبه المستحيل، ما لم يكن قد توافرت لصاحب المنصب تربية قوية واستعداد فطري أقوى للترفع عن متع الحياة الوقتية. فالسلطة وأن يأمر المرء فَيُطاع أقوى شهوة على الإطلاق في الحياة، والأمر جدير بالدراسة، وسنرى مصداق ذلك بعد قليل، بعيدًا عن التعجيل بتكرار تجربة 1954 بعد حوالي 60 عامًا، فمن المعروف أن الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ تنازعوا على السلطة بالسيف بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

حذرنا قبل 2017 وبعدها من أن «بوصلة» الجماعة ـ التي تكاد تكون المؤسسة الوحيدة بمصر بعد الجيش ـ انساقت عدة مرات وراء خطة مخادعة لئيمة لإفنائها وإزالتها عن الوجود بدرجات، ففعلت أولًا لما خالفت نهج مؤسسها الإمام الراحل حسن البنا في نهايات حياته بالعودة عن الخروج من المسجد، والعكوف على تربية مائة شاب من الوطن العربي فيه، ثم لما ألقت الجماعة بنفسها في آتون السلطة فيرالمرة الأولى مؤتمنة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على أفضل كوادرها ومسيرتها معًا فعصف بهم وبها.

ثم لما عادت للعلن بعد 1974 فحرصت على استمرار السرية كنهج خاص يبقي على مصالح البعض غير النظيف اليد والضمير، ويغرق في إبعاد الجماعة عن مسيرة العمل النضالي الوطني، ويبقيها في مساحة وحيز خاصين. بالإضافة إلى تجهيل متعمد في مناهج تربية الجماعة للمسار السياسي بشكل مبدئي وعام. فإذا أضفنا لذلك الحرص المتزايد على إلحاق أكثر المتفوقين من أبناء الجماعة بالكليات العملية، بل التفاخر والتباهي بكليتي «الطب» و«الهندسة» تحديدًا، مع تعمد الأنظمة خاصة منذ اغتيال السادات على عدم إلحاقهم بجهاتهم المسماة بالسيادية، أدركنا جيدًا أن الجماعة ابتعدت عن الأخذ بالأسباب الدنيوية الخاصة بالتمكين، والنصر، اللذين أرادتهما، وبالتالي حكم الدولة، ومن ثم الأمة فالعالم.

قلنا وغيرنا مرارًا وتكرارًا أن البنا ـ رحمه الله ـ لم يكن يعرف في نهجه الثورات وآليتها وما يترتب عليها، وزدنا بأن قرار نزول الجماعة في أحداث 25 يناير (كانون الثاني) بعد ممانعة لأيام تحمل تبعته المرشد المسجون الآن الدكتور محمد بديع ـ فك الله قيده ـ وحده، على النقيض تمامًا من قرار المشاركة في الانتخابات الرئاسية الذي ألقت الجماعة بتبعته على مجلس شوراها العام، وكررت الجلسة لثلاث مرات لتصل إلى النتيجة التي أرادها المهندس خيرت الشاطر ورفاقه، والشاهد أنه لم تكن هناك آلية واحدة واضحة فعالة لاتخاذ القرار، فضلًا عن معرفة المسار الصحيح والنهج الفعال.

وتزايدت المشكلات وتفاقمت المحنة الأخيرة حتى عن نظيرتها الأولى في 1954؛ إذ أمرت الجماعة بعد أحداث يوليو (تموز) 2013 جميع كوادرها ـ حرفيًا ـ بالنزول إلى التظاهر لطلب عودتها للحكم، ولا نعرف على وجه الدقة حتى الآن مَنْ الذي أخذ قرار (كشف) أفراد الجماعة كلها للأجهزة الأمنية خلال عام الحكم، ثم مواصلة الرحلة الأمر في تاريخ الجماعة ـ إن لم يكن مصر كلها ـ بالمواصلة، فضلًا عن رؤية الجماعة لكيفية عودتها أو حتى إمكانيتها عقلًا أو حتى شرعًا؟

وجاءت الجماعة بعشرات الآلاف لإسطنبول كأبرز منفى اختياري لأتباعها، اتسع لاحقًا حتى طال أغلبية منفيي السودان، فيما كان أحد أبرز قيادتها ـ المفتخر بانتخابه في مكتب الإرشاد ـ يقول نصيًا قبل طرد آناس مفترض أنهم أتباع له بأيام: «أؤكد أن معهم عامين على الأقل في أماكنهم دون أدنى مشكلة».

وفي إسطنبول برزت شهرًا بعد آخر أخلاقيات الصف، وتلونت، وتشكلت، وصدقت نبوءة المؤسس البنا، فكثيرون ـ إن لم يكن أكثر ـ لم يتلقوا تربية إيمانية، وإن أقررنا بأن دينهم وحسابهم على الله، لكننا نتوقف أمام مَنْ يأخذون أموالًا يستأثرون لأنفسهم بها أو لمقربين معهم، دون الشباب الذي يهيم في الطرقات، ولا يقل عدده عن المئات بحال.

وإن دققنا فيمن يمنعون العمل إلا على الموافقين لهم في الرأي (أهل الثقة لا أهل الكفاءة)، ومع ندرة وقلة العمل في تركيا التي يزيد عدد سكانها عن 85 مليونًا، أي لا تنقصها خبرات أو كفاءات، فضلًا عن خصوصية لغتها، فإن تأملنا فيمن حولنا من محسوبين على قيادات الصف، فيما يرون أن الاختلاف مع أحدهم في الرأي يعده اختلافًا مع صاحب الشريعة ـ والعياذ بالله ـ فيما يرون أن الخلاف، أو النصح، أو المشورة للجماعة خلاف مع الإسلام يوجب الطرد!

هكذا عانى الراحل محمد الجبة ـ رحمه الله ـ ومات مؤخرًا بعد الأربعين بقليل، وهو لا يجد عملًا أو مناخ حرية، فضلًا عن أن عدم الخلاف في الرأي ليس السبب الأوحد للإقصاء من مختلف ألوان طيف وفصائل الجماعة، بل يكفي أحيانًا أن يصل الأمر لمجرد عدم «استلطاف الطَّبع».

ترى مَنْ يتحمل في ميزانه دماء إخوة له خرجوا نصرة لجماعته، ثم تعمد أن يتخلى عنهم حتى ليلقى بعضهم الله عن عمر يزيد عن الخمسين، ومؤخرًا الأربعين نتيجة عدم قدرتهم على مجرد «التنفس أو الراحة»، فالجنرال الخائن عبد الفتاح السيسي من ورائهم، وإخوانهم الذين لا يتحملون مجرد المراجعة، أو محاولة التفاهم، من أمامهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد