توفي الشاب مهند إيهاب! شاب في مقتبل العمر لم يتجاوز عشرين عامًا. لم يتوفَّ في حادث سير، ولم يسقط من فوق مبنى، بل مات من الإهمال الطبي الذي لاقاه في محبسه في سجن «برج العرب»، توفي من تعنت إدارة السجن معه ورفضها نقله إلى مستشفى يُعالج فيها من سرطان الدم الذي كان ما زال في مراحله الأولى وكانت فرصة شفائه كبيرة إلى حد ما، ولكن إدارة السجن تركت الحالة تسوء وتتدهور يومًا بعد يوم حتى وصلت نسبة السرطان في دمه إلى 93%. فبدأ العد التنازلي لنهايته، وأصبح موته مسأله وقت.

ورغم صغر سنه لم تكن هذه المرة الأولى التي اعتقل فيها مهند، بل كانت الثانية. حيث تم اعتقاله مرة عندما كان عمره 16 عامًا، ووُضع في إصلاحية الأحداث في كوم الدكة بالإسكندرية. ويحكي مهند ما حدث له هناك في رسالة كتبها بخط يده، فيقول إنه في يوم الخميس 13-3-2014 تعرض للضرب والإهانة، ثم جاء وقت النوم فلم ينم، فدخل عليه ضابط فوجده مستيقظًا، فأمسكه وأخرجه وهو ينعته بأقبح الألفاظ والشتائم التي تمسه وتمس أهله، وأمره أن يزحف على بطنه، وهو يضربه على ظهره، ثم قام بإشعال النار في ذقنه التي كانت لا تزال خفيفة. هذا ما ذكره مهند وأكده والده بعد ذلك وهو يتحدث عما حدث لابنه في جنازته.

ثم خرج مهند في أبريل 2014 بعدما قضى 4 شهور في إصلاحية الأحداث، ليُعتقل مرة أخرى في 2015 على خلفية الاشتباه بحقيبة كان يحمل فيها معداته بالقرب من مظاهرة، ليدخل سجن برج العرب الذي عاش فيه أيامًا لا يحُسد عليها. فهناك أصيب بالمرض – وهذا يرجع لسبب وراثي وليس من المعتقل – وهناك لاقى معاملة سيئة وحياة بائسة أشبه بحياة العبيد في مكة قبل الإسلام، وهناك حاول مرارًا وتكرارًا بمساعدة والديه ومحاميه الخروج لتلقي العلاج بعد ظهور أعراض المرض عليه، ولكنهم كانوا يخبرونه أنها «أنيميا».

هذه الواقعة لم تكن الأولى من نوعها في دولة العسكر؛ فقد حدث ذلك مرارًا وتكرارًا مع أُناس من كافة التيارات والأطياف. فقبله كان كريم حمدي وإسلام عطيتو وأحمد مدحت، والأستاذ بطب عين شمس الدكتور طارق الغندور، ونائب مجلس الشعب السابق فريد إسماعيل، وقبلهم كان خالد سعيد وغيرهم من مئات وآلاف الضحايا الذين قضوا نحبهم في سجون ومعتقلات رأوا فيها شتى أنواع التعذيب والإهانة، لا شيء سوى أنهم قالوا كلمة حق، وباحوا برأيهم، وعارضوا دولة بوليسية لا ترحم ولا تمتلك ذرة إنسانية.

ولكن الجديد في واقعة مهند هو تباين وجهات النظر حولها، و ظهور آراء تؤيد وتبارك ما حدث له، بل وتعتبره واجبًا كان يجب القيام به. فمهند كانت له منشورات على حسابه الخاص على فيسبوك يؤيد فيها أفعال داعش، وكان يقول إنه يرى أنهم أمل الأمة، وكان ينشر صورًا لأفراد من جماعة داعش وهم يذبحون أشخاصًا ويعلق عليها قائلًا «بالذبح جئناكم يا النصيرية»، ونشر مسبقًا صورة لأفراد مقتولين من الشرطة وعلق قائلًا «سيناء عرين المجاهدين». وهنا كان مربط الفرس، حيث إنه بعد هذه المنشورات اعتبر البعض مهندًا شخصًا متطرفًا وإرهابيًا كان يجب قتله والتخلص منه، ولكن لم ينتبه أولئك الأشخاص لعدة نقاط كان يجب التعاطي معها وأخذها بعين الاعتبار:

-أولًا: عندما كان يكتب مهند هذا الكلام وينشر هذه الأفكار كان وقتها لا يملك من العمر سوى 17 عامًا! أي كان لا يزال طفلًا. لم يكن في مرحلة نضج يستطيع أن يُحاسب فيها على آرائه وأفكاره. كان من الأولى ساعتها مناقشته باللين والرفق بدلًا من نعته بالإرهابي والمتطرف والزج به في معتقل ينمي ويرسخ هذه الأفكار عنده.

-ثانيًا: إذا نحينا مسألة عمره – آنذاك – جانبًا، وتعاملنا معه على أنه إنسان واع وناضج يجب محاكمته على تحريضه وتأييده للقتل والذبح، فما علاقة ذلك بمنع العلاج عنه وتعذيبه وإذلاله في السجن؟ فحتى إن كان مذنبًا وإرهابيًا، حتى وإن كان عدوًا مأسُورًا من أرض معركة، حتى وإن كان شيطانًا رجيمًا؛ فليس من حق أحد أن يمنع عنه الدواء، ليس من حق أحد أن يهينه ويعذبه في المعتقل. هذا حق مشروع  تكفله له الإنسانية قبل القانون، ويكفله له العقل والمنطق قبل كل شيء.

ثم إني لا أستطيع استيعاب هذا الهجوم على أفكار ومعتقدات مهند، وهو شخص قضى طفولته في معتقلات، وتجرع كأس الذل مبكرًا، فكان يزحف على بطنه ويضع وجهه في التراب ليُشبع رغبة الضابط المريض الذي كان ينتشي وهو يشاهده هكذا. ألم يتعظ أحد مما حدث لشكري مصطفى (مؤسس جماعة التكفير والهجرة) الذي اعتنق الفكر المتطرف نتيجة التعذيب الذي عاناه في المعتقل فكان يقول «لا يمكن أن يكون من يعذبني مسلمًا»؟ لم يتعظ أحد مما حدث مع سيد قطب؟ هذا الرجل الذي كان ليبرالي الأيديولوجية، ثم أصبحت كتاباته المرجع الأساسي والعمود الفقري للجماعات الإرهابية كطالبان وتنظيم القاعدة وداعش بعدما ذاق مر سجون عبد الناصر! ماذا كنتم تنتظرون من مهند؟ أكنتم تنتظرون منه أن يصبح ناشطًا حقوقيًا مثلًا؟! لا يهم، هو الآن ليس موجودًا بيننا، لقد استراح من غباء البشر وظلمهم وبطشهم. رحل وتركنا ننعم بغبائنا اللامتناهي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد