أخي القارئ مرحبًا بك!

مُحمد مصدق ابنُ وزير المالية في عهد الأسرة القاجارية، وابن أميرة من الأسرة القاجارية التي حكمت إيران قبل أنْ يَسْتوْلي على الحكم رضا شاه بهلوي، درس مصدق القانون في باريس، ثم حصل على الدكتوراه في القانون من سويسرا، فكان أول من حصل على دكتوراه في القانون من جامعة أوروبية، أَبْحَر مصدق في بحور السياسة، فهو القانوني البرلماني الشاب الذي أصبح وزيرًا للعدل ثم لاحقًا وزيرًا للمالية ثم وزيرًا للخارجية.

هو الرجل الإصلاحي الذي طَبَّق قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإصلاح الزراعي، وأطلق سراح الفلاحين من العمل القسري لدى أصحاب العِزَب، وأَمر أصحاب المصانع بِدفع مساعدات للعمال المرضى والمصابين، وأجرى إصلاحات اجتماعية كبيرة، وأمم النفط من الشركة الأنكلو إيرانية، مُلْغيًا الامتياز الذي أَعْطته الأسرة القاجارية وأسرة بهلوي للشركة البريطانية، مُتَعَلِلًا بأنَّ المفاوضات مع القوى الأجنبية لم تسفر عن نتائج تسمح للإيرانيين باستخدام إيرادات النفط في محاربة الفقر والمرض والجهل لسنوات طويلة، وإذ إنّ إيرادات النفط يمكن أنْ تَفي بِميزانية الدولة بالكامل في محاربة الفقر والجهل والمرض وتسمح للدولة الإيرانية بالاستقلال السياسي والاقتصادي، فقد بدأ الصدام المباشر بين مصدق وبريطانيا في الصعود على الواجهة.

مصدق ذو التوجه العلماني الليبرالي الديمقراطي ضد احْتِكار النفط الإيراني من قِبَل «بريطانيا صاحبة التَوَجه العلماني الليبرالي الديمقراطي» وَخَنْق الاقتصاد الإيراني.

مُحمد مرسي ابن أسرة مصرية بسيطة، فأبوه فلاح مصري، ووالدته رَبة منزل، درس الهندسة وتخرج في جامعة القاهرة وحصل على الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا الجنوبية في حماية محركات مركبات الفضاء، التحق مرسي بجماعة الإخوان المسلمين، وخاض من خلالها العمل السياسي، وَعَمِل عُضوًا بالقسم السياسي داخل الجماعةْ، تَمَرس محمد مرسي على معارضة النظام، فانتخب عضوًا في مجلس الشعب المصري، وشغل موقع المتحدث باسم الكتلة البرلمانية للإخوان.

هو صاحب أشهر استجواب للحكومة في حادثة قطار الصعيد، فَخَرجت الصحف المصرية مُشِيدة بدوره في إدانة الحكومة، اخْتير عالميًّا كأفضل برلماني من 2000_ 2005، وهو مِنْ أَوَائل مَنْ نَادوا بِالإصلاح السياسي وأنَّ فساد الاقتصاد لنْ يَصْلح بِدون إصلاح النظام السياسي، كان شديد الانتقاد للحكومة المصرية، متهمًا إياها بسوء الإدارة مُتَسَبِبةً في فقر المصريين وضياع ثرواتهم، سُجن مرسي لمشاركته في الاحتجاجات على تحويل قاضيين مصريين للجنة الصلاحية بسبب رفضهما تزوير الانتخابات، ثم سجن مع بدايات ثورة ٢٥ من يناير (كانون الثاني)، مُنِح مرسي لقبًا لمْ يُمْنَح لِأحد مِن حكام مصر، فهو الرئيس الوحيد الذي فاز بانتخابات باختيارٍ حُر مِن قِبل الشعب، بدأ مرسي في إقالة رؤوس المجلس العسكري، فبَدأ الصدام مع الدولة العَمِيقة المُرتبطة بالقوى العظمى كأمريكا والاتحاد الأوروبي وإسرائيل.

مرسي المصري ذو التوجه الإسلامي الديمقراطي ضد استئثار الدولة «العميقة المصرية» بخيرات الشعب المصري، وَكسر ظهور المواطنين من الفساد والمحسوبية والرضوخ للقوى الاستعمارية.

كِلا الرئيسين أَدَت دعوتهما للإصلاح السياسي والتوقف عن نهب الثروات إلى الاصطدام مع القوى العظمى الاستعمارية، وتحريك أدواتها للالتفاف على خيار الشعوب، فمصدق الذي وصل إلى سدة الحكم باختيار الشعب، ورُغْمَ الشاه ملك إيران، بَدأ من الحد من سلطات الشاه في مقابل سلطة الشعب، وألغى امتياز شركة النفط الأنكلو إيرانية، وزادت شعبيته. فبدأ الصدام بينه وبين بريطانيا، فَفي أَثْناء تَصْديق الشاه على حكومة مصدق الجديدة أَصَر مصدق على صلاحيات رئيس الوزراء الدستورية، وهي تعيين وزير الدفاع ورئيس الأركان، لكن الشاه رفض؛ فتوجه مصدق إلى الشعب وأعلن استقالته، قبل الشاه الاستقالة وعين أحمد قوام رئيسًا للوزراء، الذي بدوره أعلن نيته الاستعداد للتفاوض مع بريطانيا حول أزمة تأميم النفط، فخرجت مظاهرات عارمة أجبرت الشاه على إعادة مصدق ومَنْحِه السيطرة الكاملة على الجيش، وتَوَلَّى وزارة الدفاع مع كَوْنِه رئيسًا للوزراء، ومع شعبية مصدق المُتزايدة مَنحه البرلمان سلطة إصدار أي قانون يراه ضروريًّا، وأجبر مصدق الشاه على مغادرة إيران، وأعلن مصدق بريطانيا عدوًّا لإيران، وَجَمد العلاقات الدبلوماسية معها، فتنامى السخط البريطاني على مصدق، وبدأت المقاطعة البريطانية للنفط الإيراني وضاعفت شركتا النفط أرامكو السعودية وبريتش بتروليوم إنتاجهما من النفط، فبدأ المواطن الإيراني يشعر الخناق الاقتصادي.

بَدَا واضحًا إصرار الحكومة البريطانية على عزل مصدق، فتعاونت المخابرات الأمريكية والبريطانية سويًّا وأطلقوا عملية أجاكس لِعَزْله.

أَقنعت المخابرات الأمريكية الشاه بتوقيع مرسوم بِعزل مصدق، وتعيين زاهدي رئيسًا للوزراء اسْتنادًا للأحكام العرفية، وبدأ انتقاد مُصدق علنًا وَوِصِفَ بالديكتاتور المُعادي للديمقراطية لطلبه من البرلمان مَدَّ منحه سلطة إصدار أي قانون، وَبدَأت السخرية منه والحط من هيبة رئيس الوزراء ومن أفعاله، وهاجم الغوغائيون منزله، لكنه تمكن من الفرار، وجندت المخابرات الأمريكية شعبان الجعفري وَأَوْعزت إليه بإخراج مظاهرات معادية لمصدق وهتافات رخيصة ضده، واغتيال للقيادات الوطنية، وحدثت اشتباكات بعنف في الشارع ونهب وَحرق للمساجد، وخَلَّفت الأحداث قتلى وجرحى، وبدأ التحالف البرلماني الذي تَكون في التفكك، واتهمته مَرْجعيات دينية بِأنه عدو للاسلام، وكمحاولة لفرض اليد العليا انضم الجيش للأحداث وانتشرت الدبابات في الشوارع، وَقُصف مَقر مجلس الوزراء، وحُوصِر مصدق في نادي الضباط واعتقل في سجن عسكري، وحكم عليه بالإعدام، لِيخفف الحكم عليه لثلاث سنوات في سجن انفرادي، ثم خفف الحكم إلى أنْ فُرِضت عليه الإقامة الجبرية، وعاد الشاه ملكًا على إيران، وَدَخلت الديمقراطية الإيرانية في موت سريري.

الغرب المنادي بالديمقراطية يطعن ديمقراطية إيران في مقتل لتعارضها مع مصالحه الذاتية.

أَمَّا محمد مرسي فانتخب رئيسًا لمصر، فكان أول رئيس مصري يصعد من الطبقة المتوسطة إلى سدة الحكم عن طريق انتخاب حر من قبل الشعب، بدأ مرسي اعتماد سياسة النفس الطويل، وأن تصلح المؤسسات نفسها بنفسها، والسماح بتطبيق العدالة الاجتماعية داخل مَنظومتها، لكن مَا غاب عن المصريين آنذاك تَحول مُؤسسات الدولة إلى عِزبة تُوَرَّث المناصب فيها، وتقدم المحسوبية على الكفاءة، فَأَصْبحت مؤسسات الدولة كعائلة واحدة بينها روابط نسب.

ساعدت القوى الغربية التي كان لها الدور الرئيسي في تكوين جيوش الدول العربية على أن يسود نظام المحسوبية لِيسهل التحكم مِن بُعْد في هذه المؤسسات.

كانت الأمور تسير بين مرسي والدولة العميقة في شد وجذب، لكن محمد مرسي تعدى الخطوط الحمراء، بالمساس بمصالح القوى العظمى، فنجح في فك حصار غزة، وأرسل رئيس وزرائه إلى غزة تحت القصف الإسرائيلي وأجبر إسرائيل على التوقف عن قصف غزة، وإيقاف بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية التي بِدونها لا يكون لإسرائيل وجود، ودعم المقاومة والسلطة الفلسطينة، فأصبح مرسي خطرًا على وجود إسرائيل، واستمَر في فضح سياسات الدول الغربية الاستعمارية في المحافل الدولية ونفاقها، وتدخل في سوريا وطلب توقف التدخل الاستعماري فيها، سواءً من إيران، أو أدواتها، أو الدول الغربية.

الشيء الذي جعل القوى الاستعمارية تحرك أدواتها لخنق التحربة الديمقراطية في مصر، هو سعي مرسي في استقلال مصر بالطعام والدواء والسلاح والاكتفاء الذاتي.

خشيت القوى الاستعمارية استيقاظ المارد المصري فَيُهدد مَصالحها في الخليج العربي وليبيا وباقي الدول العربية، وتقود الدول العربية والإسلامية للتوحد ومواجهة جشع أمريكا، ولو كانت مصر بثقلها موجودة الآن لما سمحت لترامب باستنزاف دول الخليج وشفط ثرواته، ولما سمحت لإسرائيل بإجبار حكام العرب على التطبيع معها، وقبول الأمر الواقع.

ما حدث من إجهاض للتجربة الديمقراطية في إيران شبيه بما حدث في مصر مِنْ استغلال الإعلام في تشويه الرئيس، وشق صفوف الأحزاب السياسية وَإِغراء بعضها باستبدال مرسي وترك الحكم لهم، وتوقف مؤسسات الدولة عن العمل مع الرئيس واختلاق أزمات اقتصادية، وقطع للكهرباء وخلق فوضى في الشارع، فأدى ذلك إلى أنْ يَحِن المصريون إلى النظام، فلم يجدوا إلا أدوات القوى الاستعمارية.

نحن في انتظار تسريب من الصحف الأمريكية تكشف اسم العملية التي أدارتها السفيرة الأمريكية في القاهرة كعملية أجاكس التي كشفتها صحيفة النيويورك تايمز بعد 50 عامًا مِنْ عزل مصدق.

وَها هم الإيرانيون يَعدون مصدقًا بطلًا بقوله بعد أنْ حُكم عليه بالسجن «إن حكم هذه المحكمة قد زاد أمجاد بلدي التاريخية. وأنا ممتن للغاية لإدانتها لي. الليلة ستعرف الأمة الإيرانية معنى الدستورية». وقد يتذكر المصريون مرسي بقوله «ليعلم أبناؤنا أن آباءهم وأجدادهم كانوا رجالًا، لا يقبلون الضيم ولا ينزلون أبدًا على رأي الفسدة، ولا يُعطون الدنيَّة أبدًا من وطنهم أو شرعيتهم أو دينهم».

هناك نموذجان في التعامل مع أدوات القوى الاستعمارية؛ المُواجهة والمُهَادنة، وكلا النموذجين أُجْهِضا بسبب غياب وعي الشعب وعدم تحمله المسؤولية في الدفاع عن مكتسباته الدستورية والحفاظ على خيرات بلاده.

قد يكون مصدق وزير الدفاع المدني والمُتَحكم في قيادة الجيش، ورئيس الوزراء «فَعَل مَا يُعَاب عَلَيْه مرسي» الرئيس المدني، وَقد يكون مُرسي فَعَل  ما يُعَاب عَلَيْه مُصدق، لكن ماذا فعل الشعب؟ هل توحد في الحفاظ على مكتسباته الدستورية ومقدراته.

لو رأَتْ  أَدوات القوى الاستعمارية يَقظة الشعب ووعيه في الحفاظ على حقوقه الدستورية لما استطاعت الإِقْدَام على إجهاض المسار الدستوري والانقلاب عليه، فلا يستطيع رئيس وحزبه أَيًّا كانت قُوتهم الحفاظ على مكتسبات ومقدرات الشعوب، ولكن باستطاعتهم إدارة هذه المكتسبات والمُقدرات، ولنا مَثلٌ في خُطْبة أَبي بكر حين تَوَلى أَمر المسلمين،  فَلقد أوصى مجتمع الصحابة بِالحفاظ على مُكتسباته وَمُقدراته بِقَوْله إِن أخطأت فَقوموني، ولمْ يُوصِ بالقَوَامة وَمُراقبة حُكمه إلى عمر أو مجموعة من الصحابه بل إلى كل مَنْ يَأْتَمر بِأمر أبي بكر الصديق.

على الشعب أنْ يَلوم نفسه، وألا يسمح لأي جهة أيًّا كانت بعزل رئيس أو الإتيان برئيس، ويتعلم  كيفية الحفاظ على مسار العدالة الاجتماعية والتمسك بتطبيق العدل.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد