(1)

خديجة بنت خويلد: لها عمر لم ينل من جمالها شيئًا – أربعون عامًا – بلغت من الحسب والنسب الشيء العظيم، خزائنها مملوءة بالمال، تجارها تجوب البلاد طولا وعرضا يتاجر الرجال لها علي  شيء تجعله لهم، أي كأجرة. مالها وشرفها تحديدًا جعلا الرجال كلهم يتقاتلون عليها، لاسيما الأمراء والوزاء كل يريدها أن تصبح زوجته؛ لأنه في مجتمع تسود في العصبية والعنصرية، في مجتمع الأسياد والعبيد الارتباط بامرأة كخديجة سيسبب طفرة لحياة رجل مهمل في مجتمع عنصري جدًا، وسينفخ جيوبه بالمال فيحلق بعيدًا عن حياة الفقر المدقع التي أكلت منه وشربت، وسيبدأ في تنفيذ أحلامه التي كان قد يئس منها وتحقيق طموحاته التي كان يعدها دربًا من الخيال، وطبعًا هذا كله بفضل مال خديجة، وهكذا تكون الدنيا قد ضحكت له ونظرة له نظرة رضى أخيرًا. أو الارتباط بامرأة كخديجة سيزيد الفخر ويتم السؤدد لأمير أو وزير، وسيجعل العنصرية تنمو فيه أكثر، هذا غير رفاهيته الماديه التي ستزداد بفحش.

هذا بالنسبة لهم، أما خديجة فكانت تعلم كل هذا لذا لم تخدع باسم الحب أو الزواج أو الكلمات العذبة التي كان يرددها أولئك الأوغاد، علمها بما يستقر في نفوسهم أعطاها القوة لتغلق الأبواب كلها في وجوه طالبي الزواج منها، ورد كل الخطاب دون تردد أو خجل. خديجة كانت قدر نفسها جيدًا، وتفقه معاني الزواج بعمق، وهذا جعلها أبعد ما يكون عما يريد هؤلاء، كانت تعلم  أنها لسيت سلعة، لذا لم تبع نفسها بقليل ثمن أو كثير لأي من أولئك المغرورين، فهم بالنسبة لها اختيار غير مناسب بالمرة، بل غير لائق تمامًا.

(2)

محمد بن عبد الله صلي الله عليه وسلم: شاب أعطى الجمال كله، فكأن أبويه الشمس والقمر، وجماله كان متعدد الزوايا، كثير الأوجه، ولم يكن مقتصرًا أبدًا علي صورته الجملية جدًا، حيث لو اقتصر على ذلك لكان من أنقص الجمال. محمد بن عبد الله كان نموذجًا للجمال بكل أنواعه وأشكاله الظاهرة والباطنة.

 محمد كان جميلًا بأخلاقه النادرة في مجتمع بلا أخلاق تقريبًا، أو بأخلاق طغت وكثرت على كل جميل، فكانوا ينادونه بالصداق الأمين، وهذا يخبرك بكل شي.

محمد كان جميلًا بعقله النير وتفكيره المنطقي، فكان لا يطوف بقبر، ولا يسجد لصنم  يطلب الزلفي منه والقربي، ولا يذبح عن نصب، ولا يضرب بالأزلام، وكان أبعد ما يكون عن الخمر والميسر ببساطة عقله، كان يرفض وفطرته كانت تأبي.

محمد كان جميلا بعفته في مجتمع صار أشبه بحظيرة كبيرة تجرد أفراده من دينهم وإنسانيتهم؛ فصارو وفق شهواتهم وأصبحوا لا يرون نقصًا أو عيبًا في السفاح، بل ربما يتفاخرون بذلك. في مجتمع  كان للعراهات في صلاحيات كثيرة، فكن يجعلن رايات حمراء على خيمهن ليعلمن أصحاب الشهوات النهمة بهمنتهن الشريفة جدًا. في مجتمع الزواج فيه أقرب توصيف له: زنا مشرعن! زني بصورة لطيفة! في مجتمع تنتشر فيه رائحة خبيثة، وتتفشى في لزوجة لا تزيلها أقوي المنظفات وسوائل الاستحمام. في ذلك المجتمع الخبيث جدًا، والدنس للغاية محمد كان يسير بشموخ نادر تحوطه عفته ويعلوه طهره ونقاؤه وشرفه الذي لم يخدش.

محمد كان جميلًا بعصاميته، فهو ليس من النوع الذي تعبث به الحياة كيفما تشاء، ولا تستميله الظروف كيفا تريد. محمد كان أقوى وأصلب من ذلك بكثير، فبالرغم وفاة والده وهو في بطن أمه، ووفاة أمة وهو ابن ست سنوات، ووفاة جده وهو ابن ثماني سنوات وشهرين وعشرة أيام، بالرغم من هذا كله لم يستكن، ولم يعجز، بل أبدى للحياة ما أدهشها، فرعى الغنم في بني سعد، وفي شعاب مكة، ثم بدأ يضرب بالتجارة وجوه البلاد يبتغي زرقًا طيبًا من عرق جبينه. باختصار: محمد كان فارس أحلام كل فتاة في مكة، وحلم كل امرأة في جزيرة العرب كلها.

(3)

محمد وخديجة: محمد كان كالكوكب الدري، وخديجة كانت كالنجم الزاهر، ولم يكن بينها أية علاقة، بالرغم من كم الصفات التي يشتركان فيها، بالرغم من التوافق المذهل الذي سيتحقق لو اجتمعا، بالرغم من المجتمع الذي لا يقف أمام  أية علاقة مهما كانت، بالرغم من كل هذا كانا بعيدين عن بعضها، ببساطة أخلاقهما كانت تمنعهما من ذلك، ما ميزهما عن غيرهما كان يحول بينهما وبين ذلك. ثم يشاء الله أن يخرج محمد بتجارة لخديجة مع غلامها ميسرة، ثم يرجع محملًا بأعظم المكاسب وأوفر الأرباح؛ فيعطيها لخديجة دون تبذل للحصول علي أجر مضاعف، بالرغم من أنه يستحقه. وضع المال وأخذ أجرته التي ضاعفتها خديجة ومضي لحاله. ثم بقيت خديجة في حال من التردد، ثم أبدت استسلامها كأية امرأة؛ فأفصحت لصديقتها نفيسة بنت منبه بما في صدرها من رغبة في الزواج بمحمد بن عبد الله؛ فتذهب نفيسة لفورها وأخبرت محمدًا الخبر بصراحة، فقبل محمد بالرغم من فارق العمر الذي يتعدي العشر سنوات؛ لأنه إذا تواجدت صفات خديجة سيصبح عمرها من التفاصيل عديمة القيمة. ذهب محمد مع أعمامه لخطبة خديجة من عمها لأن أبوها كان قد توفي وشهد العقد بنو هاشم ورؤساء مضر.

ثم جمع الله بينها فالتقي جلال العفاف بطهر النقاء وسرت سنة الله: الطيبون للطيبات. لتبدأ قصة حب تحفظ مكانها  إلى الآن في كتب التاريخ والسير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أراء, تربية, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد