يصعب على الإنسان العادي أن يراجع قناعاته التي نشأ وتربى عليها ، فما بالنا بأستاذ لقسم الاقتصاد في الجامعة، لكن الواقع وخيباته سرعان ما توقف الإنسان الصادق مع نفسه ، ليعاود التفكير من جديد، ويسأل نفسه‫: بعد كل ما نقول ونفعل ‫..هل فعلا تحسن حالنا؟ هل فعلا ما نقوم بتعلمه وتعليمه في الجامعة هو الذي يحل في مشاكل الواقع ؟

من هنا كانت البداية الحقيقية في تجربة يونس ، وهي لحظة فارقة في التغيير ، فكل تغيير يبدأ باصدام مع الواقع ، فحين تعجز الأفكار والنظريات عن أداء دورها، فالحل في أن ننحيها جانبا ، ونفكر من جديد‫..هذا طبعا إن كانت النتائج على الأرض هي المهمة عندنا وليس رصيد ما نقرأ ونحفظ ونتعلم من نظريات‫.

يقول يونس‫: قررت أن أصبح تلميذا من جديد ، وأن يكون سكان قرية ‫”جوبرا‫” المجاورة للجامعة التي أعمل بها بمثابة أساتذتي المعلمين، وأن أكرس نفسي للتعلم قدر استطاعتي من هذه القرية‫. أما الجامعات التقليدية فقد قامت بخلق فجوة متسعة بين طلابها، وبين ما يجري من أحداث يومية في بنجلاديش‫.

[c5ab_gettyimages ][/c5ab_gettyimages]

وبدلا من تلقين طلابي العلم اعتمادا على الكتب التعليمية التقليدية، قررت أن أمد طلاب الجامعة بمعلومات تساعدهم على تفهم الحياة اليومية التي تمر على أحد الفقراء‫.

فعندما تحمل العالم في راحة يدك وتقوم بتحليله بمنظور أحادي، فإنك أميل لأن تكون متعاليا في أحكامك، حيث تضطرب الحقائق وتصبح مشوشة عند النظر إليها من بعيد، ومن ثم كان قراري بدراسة ظاهرة الفقر عن كثب حتى أتفهمها بشكل أوضح‫.

بدأ يونس حينها أول خطوة لدراسة ظاهرة الفقر ، فكان يزور القرى المجاورة لجامعته،التي يعمل بها، ليكتشف من هذه الزيارات الكثير من الحقائق التي ساهمت في إنشاء بنك ‫”جرامين‫” ‫.

ويقول يونس حول تجربة تعرّفه على أوضاع تلك القرى عن قرب ‫”قمت بتجريب العديد من الأشياء التي نجح بعضها وفشل بعضها الآخر‫. ومن الأشياء الناجحة التي جربتها كانت تقديم قروض ضئيلة جدا إلى الفقراء ليقوموا بتشغيل أنفسهم بأنفسهم، فقد كانت هذه القروض بمثابة نقطة البداية للقيام بالصناعات المنزلية وغيرها من الأنشطة المولدة للدخل، والتي استفادت من المهارات المتوفرة بالفعل لدى المُقترضين‫.

بهذه التجارب الصغيرة والتي لا يكاد يبلغ حجم القروض فيها بضع عشرات من الدولارات، لم يكن يونس يتخيل أنها ستكون حجر الأساس في تأسيس بنك الفقراء‫، والذي خدم 2.5  مليون فرد، وانتشرت فكرته في أكثر من مائة دولة حول العالم‫.

من هنا تحول بنك الفقراء من حالة شعور بالذنب لفئة من الناس تتضور جوعا، لتجربة عالمية غيرت من وجه ظاهرة الفقر في العالم‫.

 

الأرجل المغموسة في الطين ‫..عنوان الحلقة الرابعة فإلى لقاء‫.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد