من الاستثنائي أن تكون حاملًا لجنسيتين أصليتين، حين استنشقت ذرة الأكسجين الأولى التي منحتني إياها مدينة بولوغين أصرت رئتي اليسرى أن تستحوذ عليها تاركةً للرئة اليمنى إمكانية الامتلاء بهواء بئر السبع المحتلة ذات يوم، كل شيء في جسدي وروحي يقوم على مبدأ النصفين.. كل ما فيّ يدين بشطر منه إلى فلسطين وبالآخر إلى الجزائر.. يا لها من معادلة غريبة ويا له من شعور لذيذ محيّر!

لأن قلبي متعدد الجنسيات تغير الأمر عندي، فبدل الرقم قومي واحد لي رقمان، وبدل النشيد الوطني الواحد لي نشيدان.. صار بإمكاني أن أسأل (واش راك لا باس خويا؟) وبإمكاني أن أجيب (الحمد لله منيح تسلم يا أخوي)، وأصبح لدي القدرة على الفخر مرتين بشكل صادق متساوي مرة أمام صور العربي بن مهيدي وهو يهين الجلاد الفرنسي برباطة جأشه وعبقريته ومرة أمام صور ياسر عرفات، وهو يقف شامخًا يلوح بالبندقية أمام أنظار الكون، ولدي الخيار الكامل بأن أنتشي مرتين مرة حين تطلق المدافع قذائف الاحتفال بثورة نوفمبر المجيدة ومرة حين تطلق القوات المقاتلة صواريخها التي تقول للعالم لم يُهزم أبناء كنعان بعد! أن يكون قلبي متعدد الجنسيات يعني أن يكون عندي جمال المنظر متساويًا إذا نظرتُ إلى سواحل غزة أو إلى سواحل شرشال، وأن أرتدي قميص الحماسة ذاته إن كنت أشجع منتخب محاربي الصحراء أو المنتخب الفدائي في مباراة كرة قدم.

الأمر حساس جدًا ولا بد للوعي والإدراك أن يرتب الأوراق لكي لا يتبعثر قلبك، لكنه نعمةٌ عظمى لو تدري، أشعر بقيمة هذه النعمة حين أسمع الناس يقولون (لم يزوجوه لأنه لاجئ وهم من المواطنين) أو (لم يزوجوه لأنه أمازيغي وهم عرب)، أشعر بتفاهة وضيق القُطرية المقيتة لأنني أحمل جنسيتين، لكنني لست الوحيد الذي يتمتع بهذه النعمة، بل إن كل إنسان على هذه الأرض يتمتع بها لو يدري، في الحقيقة لقد راودتني فكرة هذا المقال وأنا جالس في مكتبي أعد قائمة الأغاني الصباحية التي أتعمد دائمًا أن تحتوي على أكبر عدد من اللغات واللهجات المختلفة، من الفارسية والعربية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والايرلندية والكردية والأسكتلندية وغيرها.. في جميعها أشعر أنني أستمع إلى صوت آدم الأول وتمتلئ روحي بكل حناياها بصوت أخي الإنسان أو بالأحرى صوتي الذي مهما اختلف عني جغرافيا أو عرقيا فإنه يشبهني تمامًا.

لا يوجد أكثر حماقةً ممن يكرهون الآخر بسبب لونه أو دينه أو عرقه، لا أقول هذا لأن على الجميع أن يتحلى بالإنسانية فقط (وهذا ضروري)، بل لأن فكرة العرق الواحد بعد مرور عشرات آلاف السنين على بداية البشرية فكرة ساذجة حقًا، لقد ذهلت وأنا أقرأ تقريرًا لمشروع جينوغرافيك الذي عمل على مدار أعوام لوضع خارطة جينية لشعوب العالم، هل تصدقون أن إيران التي تعد الدولة القومية للعرق الفارسي أكثر من 56% من شعبها يعود إلى العرق العربي؟ وأن مصر التي تعد معقل العرب 68 % من شعبها يعود إلى عرق شعب شمال إفريقيا ؟ وهناك الكثير من النتائج الصادمة للذين يكرهون الآخر بسبب عرقه، بل من الممكن أن يكتشف أنه شخصيًا يعود إلى العرق الذي يكره أصحابه، إذن هو يكره نفسه في الحقيقةّ!

إن تدافع الحضارات والثقافات أمر حتمي لاستمرار المسير البشري إلى نهايته المجهولة، لكن هذا لا يبرر إطلاقًا ما تم توثيقه في الدراسات المستقلة عن مقتل عشرات الملايين من الهنود الحمر على يد المستعمر (الأبيض) كما يقول عن نفسه، بأي منطق يباد شعب كامل.. تُحرق خيامه ويقتل رجاله وتسبى نساؤه، ومن لم يمت منه بالبارود والنار مات جراء الأوبئة القاتلة التي أبدع المستعمر في تحضير فيروساتها؟!

صراع الحضارات ضروري، لكن بأي منطق يتم تهجير شعب من أراضيه وتحويل مساره الحضاري المتميز إلى وجع ونكبة ولجوء، وبأي منطق يحرق النازيون اليهودَ الأبرياء في محاولة للتخلص من أتباع ديانة سماوية للأسف وقعوا لاحقًا في نفس الدرجة من التدني الإنساني الذي كان عليه النازيون، بل أكثر، وللأمانة التاريخية أيضًا لا بد أن نذكر بعض المعارك الدامية الشرسة التي شنتها الدول التي حكمت باسم الإسلام (بعد الخلفاء الراشدين) ضد العديد من الشعوب من أجل التوسع الجغرافي والديموغرافي، والذي أسفر عن مآسٍ وجراحات لم تندمل إلى اليوم في قلوب هذه الشعوب، وهنا يجب أن أؤكد أن الدولة الوحيدة التي نفذت حرفيًا قانون التعايش هي دولة النبي محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فالناظر إلى مجتمع المدينة المنورة يعرف واقع الاختلاف العرقي والديني فيها، لكن النبي المرسل وضع دستورًا بشريًا عادلًا مرنًا وأرسى قواعد التعايش السلمي التي تتغنى بها بعض الدول الغربية اليوم بعد أن قُتل منها الملايين في معاركها الداخلية خلال الحروب العالمية.

حين اشتد العذاب بالمسلمين الأوائل (العرب) على يد سادة قريش (العرب) أمر النبي أتباعه باللجوء إلى عدل النجاشي (الحبشي المسيحي)، كان يريد الصلاة والسلام أن يؤكد أن الإنسان أخ الإنسان وأن الكره الذي ينجم عن الاختلاف الديني والعرقي والمذهبي ليس إلا أمراضًا نفسية تتجمل بقناع الحب والتضحية الزائف، لذلك وجد المسلمون الأمن والسلام الذين لم يكونوا متاحين عند أهلهم وأقاربهم وبني قومهم، إن التعصب هو أكثر أشكال الضعف النفسي انتشارًا، فالضعيف العاجز الذي لا يستطيع تحقيق أي نجاح أو رضا ذاتي يلجأ إلى هذه المفاهيم الواسعة التي توفر عليه عناء التفكير والاجتهاد.

يغيظني حقًا تهميش الأعراق التي تشكل أقلية في الدول تحكمها، الظلم لا تبرير له إطلاقًا، لكن برأيي أن هذا السبب لا يجب أن يكون دافعًا لدعوات الانفصال، أمريكا التي تسيطر على العالم اليوم قائمة على العشرات من الأعراق المختلفة (طبعًا بعد سنوات طويلة من العنصرية ضد الأفارقة والهنود الحمر وحاليًا المسلمين)، إذن فالمشكلة ليست في الأقلية، ولا في الأغلبية المشكلة في العقلية التي تسود مجتمعًا ما، المشكلة في التطرف والتعصب للدين والمذهب والعرق والطائفة، إنها الطامة الكبرى التي تهلك الحرث والنسل وتحرم الناس من السلام والحرية والأمن.. كما أخبرنا القرآن في سورة الحجرات (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، لم يقل لتتقاتلوا وتفنوا بعضكم أو لتفرضوا الحصار على بعضكم أو لتشردوا بعضكم وتقيموا الجدران العنصرية، ويا ليت إخوتي في الإنسانية يعلمون!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد