لطالما كان حولنا الكثير من أناس في غاية الغرابة يقصون كل من يختلف عنهم، ينتظر المنبوذون أولئك من يحررهم ويعتقهم من قهر العبودية بعد أن حولهم توجس البعض إلى كوابيس تلتهم ما حولها، وتنمو بنظرة الناس الدونية لهم.

هل تعتقدون أن مجتمعًا في هذا القرن تسيطر عليه أحادية الرأي وتستبد فيه عدد من الأفكار الأيديولوجية المحددة أن يمضي ويتقدم وهو ما زال ينظر للآخرين من برج عاجي ولا يؤمن بالرأي الآخر وإنما همه الأول أن يقضي على ما حوله من آراء.

كلنا نتمنى أن نرى حراكًا ثقافيًا يحضر فيه إبداع حقيقي وتتواءم فيه عدة ثقافات، أن نرى نموًا ثقافيًا تتجدد عنده الآراء وتلتقي فيه الحضارات، ونبث أفكارًا متجددة تحيي الجزء الميت منا وتنعشه فالمجتمع القائم على ثقافة واحدة ستظل فيه أجزاء ميتة ولكن المجتمع الذي تتنوع الثقافات فيه سيضمن التعدّد له حياة جميع أجزائه وسيكون أكثر حرية من القيود المفروضة.

تقول إليزابيتا غاليوتي:

«وإذا ما نُفذت التعددية الثقافية بعقل منفتح وعبر المحاولة والخطأ؛ فإنه لا يمكن أن نعثر اليوم على بديل أفضل يضمن تعايش المجموعات والثقافات المختلفة».

‎إن انتقاصك حرية الآخرين هو انتقاص لحريتك في الأساس فالحرية قيمة مشتركة تقع على عاتق الجميع لا قيمة فردية تختزل في أحدٍ ما، تنقص حريتنا كلما توسعت علاقتنا بالمحيط الذي حولنا ولكن ماذا نفعل هل نعرض ثقافاتنا وآراءنا لنشارك العالم أم نفرضها لتفقد رونقها وتغوص في وحل المقارنات البائسة؛ يَقُول الغذامي واصفًا الحرّية وجوهرها أن «الإنسان ليس حرًا ولا هو عبد ولكنه شبه حر» لأن الإنسان لم يمتلك وجوده التام قط ولن يحصل على حرية وجودية في هذا الزمن.

فمن المؤكد أن التعددية الثقافية ساهمت في بناء المجتمعات الكبيرة لأنها أكثر انفتاحًا على الثقافات الأخرى. فهي تأخذ من الكل وتقرب الجميع وتستفيد من إيجابيات الثقافات الأخرى فتتقبلها وتأخذ محاسنها وتوظفها بحكمة في المشهد الثقافي فتكون إضافة ثقافية لها فتبتعد هذه المجتمعات عن التعصب لرأي واحد بل تنبذ هذا التعصب وتكون أكثر تقبلًا لتنوع الآراء.

لعلي كنت سأنسى الجانب المضيء الآخر الذي يدعونا للتأمل من منطلق إنساني للتعددية الثقافية، أن يكون هناك اندماج دون عزل، دون إقصاء، دون تذويب. هَذا ما يفعله الغرب الآن بعد أن وقفت التعددية الثقافية حجر عثرة لهم إذ كانوا في مأزق تواجد اليهود في قلب أوروبا فوقعت مجازر النازية ضد اليهود وتجاوزوا كل ذلك فتعايش الجميع كلٌ بثقافته وخصوصيته.

وهل نسينا الأندلس عندما كانت جامعة لثلاث ديانات سماوية؟ عندما اندمجت اندماجًا تكامليًا مع الحضارة السائدة آنذاك وهي الحضارة الإسلامية، هل لنا أن نتخيل أن فن الزخرفة نتج عن اختلاط الفكر الإسلامي مع الفنون الأندلسية، وأن المسيحيين واليهود تأثروا بثقافات المسلمين ونقلوها لثقافاتهم؟ ألم يكن لذلك أثره الإيجابي على الثقافة الإسلامية التي قد أتت لتتسامح وتتعايش مع الثقافات الآخرى؛ إذن لماذا نغفل عن المنطلق الديني الذي يحثنا على التعايش والتراحم والتواصل مع الآخرين بإيجابية لنحقق مبادئ سامية فنستمد قوتنا من أخلاقياتنا وتنوعها الذي سيعم الكون بهاءً.

كثيرة هي البلدان التي قد استفادت من التنوع الثقافي في خدمة الثقافة ولعل كندا هي الأبرز ولكن ليست هي الوحيدة إنما تفردت بخطوة باهرة، وأيقنت أن هناك كنزًا مدفونًا يحتاج من يقدم على فك شفراته فأعلنوا أنهم لا يملكون ثقافة محددة؛ كل من هناك ومن أتى ومن سيأتي سيبني ثقافتهم وسينميها وسيكون جزءًا منها. إن التعددية الثقافية لو كانت في محيطنا العربي بشكل قوي لأصبحت أجمل لوحة جمالية نباهي بها العالم بأجمعه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثقافة, حريات, فكر

المصادر

مقال لـ اليزابيتا غاليوتي
كتاب الدكتور عبدالله الغذامي ثقافة تويتر
كتاب الفلسفة السياسية المعاصرة
مقال لمحمد حمزة الشريف الكتاني
عرض التعليقات
تحميل المزيد