يتميز عصرنا الحالي الذي نعيشه بتسارع هائل في التغيرات والتطورات المعرفية والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية وغير ذلك من تطورات التي دعت الباحثين في علم النفس إلى الاهتمام بالجانب العقلي المعرفي للإنسان، وهذا ما يفرض على الإنسان وضع وتطوير استراتيجيات جديدة تساعده على التعامل مع المعطيات الجديدة بشكل أفضل، من خلال فهم الإنسان لذاته واستكشافه ما يدور حوله من بيئة مادية واجتماعية.

وهذا ما أدى إلى اهتمام الحضارات على مدار العقود السابقة بالقدرات العقلية الًّتي تعكس ذكاء ممتلكها من الأفراد، وهذه القدرات لا تقف عند حد نجاح الفرد أو فشله في قضية معينة، وإنما تتعدى ذلك إلى نجاحه في الحياة، من خلال طرقه المفضلة في معالجة المعلومات المتعلقة بالمشكلات المختلفة الًّتي تواجهه في حياته، فقد تكون هذه المشكلات المختلفة رياضية، أو تكون لغوية أو اجتماعية أو غير ذلك، ومن هنا جاء دور نظرية الذكاءات المتعدِّدة الًّتي تعتبر نتاجًا لعلوم الذهن والتي ساعدت في بناء المهارات الأساسية لدى الأفراد، وتنمية القدرة في التعامل مع مختلف الموضوعات، وتنمية القدرة على مهارات البحث (عامر ومحمد، 2008).

وتعد الفروق الفردية محورًا أساسيًا من محاور علم النفس، التي تناولها الكثير من العلماء والمهتمين بالبحث في الكشف عن الذكاءات في مختلف الميادين (Jostein, 1999).

وقد تعددت المظاهر الًّتي يختلف فيها الأفراد، وحظيت بالاهتمام والدراسة، فشملت الخصائص العقلية والانفعالية، وما يرتبط بكل منهما من تباينات في القدرة على التفكير والتحصيل والتعلم، والقدرات اللُّغوية والعددية، والاستدلالية والمكانية، والقيم والميول والاتجاهات والطموحات التعليمية، وغيرها من السمات الًّتي أنتجت مدىً واسعًا من الفروق والاختلافات بين الأفراد (الزيات، 1995).

مفهوم الذكاء وتعريفه

يعد الذكاء جزءًا طبيعيًا من كل آليات السلوك الإنساني، فهو خاصية وليس شيئًا ظاهرًا وملموسًا كما أشار لها الإمام (2006 م)، كما حظي مفهوم الذكاء باهتمام علماء النفس باعتباره أحد أهم المفاهيم الأساسية في الميدان التربوي، وعلى الرغم من الدراسات والأبحاث العديدة الًّتي تتناول الذكاء، إلا أنّ علماء النفس لم يصلوا إلى تصور يمكن أنّ تتكامل تحت لوائه طبيعة الذكاء الإنساني، ومكوناته ومظاهره وأساليب، التعبير عنه وقياسه.

ومما لا شك فيه أن لمفهوم الذكاء منذ العصور القديمة أهمية خاصة، كأحد السمات المميزة للفرد، ومظهرًا من مظاهر السلوك حتى تم وصفة بأنه موهبة المواهب، أو قدرة القدرات، ونظرًا لشيوع مفهوم الذكاء فقد ظهرت تفسيرات عديدة للذكاء (فارس، 2006).

نظرة تاريخية للذكاء

أعاد «جاردنر» (Gardner) اكتشاف مفهوم الذكاء بحيث يكون متفقًا مع مقتضيات النجاح في الحياة فلا يوجد ذكاء واحد، ولكن يوجد ذكاءات متعددة، فالاعتقاد السائد هو أنّ الذكاء في جوهره يستمر مع الإنسان مدى الحياة وأن الطالب الذي يمتلك قدرات ذكائية أفضل من غيره تبقى ثابتة لديه وغير قابلة للتعديل أو التغيير ولكن الاعتقاد الحديث للذكاء كما أوضحه «جاردنر» (Gardner) لا يمكن وصفه على أنه كمية ثابتة يمكن قياسها.

وبناءً على ذلك يمكن زيادة الذكاء وتنميته بالتدريب، والتعلم بل أوضح أَنه متعدد وله أنواعٌ مختلفة، وكل نوع مستقل عن الآخر، وينمو ويتطوِّر بمعزل عن الأنواع الأخرى (جاردنر، 2004).

ومن ناحية تاريخيه تمحورت وجهات النظر حول الذكاء إلى قطبين متناقضين:

الطرف الأول هو الأكثر محافظة تسوده وجهه النظر الأحادية بخصوص الذكاء، وهي وجهة نظر تُصَوِر أنّ الذكاء تقريبًا فطري وهو نتيجة الطبيعة أكثر مما هو نتيجة التربية، ويعتبر الذكاء من وجهة النظر هذه على أنه بشكل رئيس كيان عقلي موحد، وهذا الذكاء العام مبني في الأساس على قدرات الاستدلال والقدرات اللُّغوية، كما ينعكس في اختبارات معامل الذكاء المقننة، ويأتي بشكل مفترض وبدرجات مختلفة حيث إنّ البعض يمتلك قدرًا أَكبر من الآخرين، وفي الطرف النقيض تقع فكرة الذكاء الدينامي والمتعدد، ويغذيها أصحاب نظريات كثيرة، وخاصة علماء النفس المعرفيون، ومن أهم هذه النظريات نظرية جاردنر للذكاءات المتعدِّدة (عفانه والخزندار، 2007).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1. عامر، طارق عبد الرؤوف ومحمد، ربيع. (2008). الذَّكاءات المتعدِّدة. عمان: دار اليازوري العلمية.
2. الزيات، فتحي محمود (1995). الأسس المعرفية للتكوين العقلي وتجهيز المعلومات. مصر، المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر.
3. الإمام، محمد. (2006). مؤشرات الذَّكاء المتعدد – دراسة مقارنة على عينَّة من الطلاب ذوي صعوبات التعلم والعاديين والمتفوقين دراسيًا. المؤتمر العلمي الإقليمي للموهبة، مؤسسة الملك عبد العزيز لرعاية الموهوبين، المملكة العربية السعودية، ص.491-453
4. فارس، ابتسام. (2006). فاعلية برنامج قائم على الذَّكاءات المتعدِّدة في تنمية التحصيل الدِّراسي ومهارات ما وراء المعرفة لدى طلاب المرحلة الثانوية في مادة علم النفس. رسالة دكتوراه غير منشورة، معهد الدراسات التربوية، جامعة القاهرة.
5. جاردنر، هوارد. (2004). “أطر العقل” نظرية الذَّكاءات المتعدِّدة. ترجمة محمد بلال الجيوشي، مكتب التربية العربية لدول الخليج. الرياض، السعودية.
6. عفانه، عز وإسماعيل، الخزندار، نائلة نجيب (2007). التدريس الصفي بالذَّكاءات المتعدِّدة، الأردن، عمان: دار المسيرة.
عرض التعليقات
تحميل المزيد