قال تعالى في سورة النساء :

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)».

تبدأ السورة بالنداء الرباني للناس كافة بالتقوى وتذكيرهم بالذي خلق النفس الأولى ومنها زوجها ثم جاء بالنسل منهما رجالًا ونساءً،ثم بالتوصية بالأقارب والأرحام التي تربط الناس بعضهم ببعض، ثم الأمر لكل وصي على يتيم أن يؤتيه ماله عندما يكبر ولا يستبدل الوصي ماله خبيث المصدر بالطيب من مال هذا اليتيم وألا يأكل مال اليتيم لأنه إثم عظيم.

ثم تبدأ الآية الثالثة بالحديث أيضًا عن اليتامى ولكن هنا وقفة مهمة جدًا:

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا (3)

لو تدبرت معي الآية وركزت في كلماتها جيدًا لابد أن يطرأ سؤال عاجل على ذهنك:  

ما علاقة عدم القسط في اليتامى بجواب شرطها (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)؟

الكلام في هذة الآية عن البنات اليتامى وأسلوب الشرط هنا بصيغة موجهة إلى أوصياء اليتامى يقول الطبري في تفسيره:

إن عروة بن الزبير بن العوام – هو ابن السيدة أسماء أخت السيدة عائشة أم المؤمنين – سأل خالته عن الآية في هذا الموضع:

قال: سألت خالتي عن معنى قوله تعالى: «وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طابَ لكم من النساء».

قالت السيدة عائشة لعروة: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حِجر ولِّيها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من سُنة صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما سواهُنَّ من النساء.

بمعنى أن الوصي تكون له يتيمة يربيها ولها مال ورثته وعندما تكبر هي بين حالين إما أن تكون جميلة فيرغب وصيها في الزواج منها لمالها وجمالها، وإما أن تكون ليست جميلة – بمقاييس الشكل في المجتمع الذي تربت فيه – وهنا يعضلها وصيها – أي يرفض زواجها ممن يرغب في مالها حتى لا يخسر مالها الذي خلطه بماله.

والمشكلة هنا أنه لو أراد الزواج منها فإنه غالبًا يبخسها حقها ويمهرها بأقل من غيره – يعني ذلك أنه يستغل الموقف ويضغط عليها لتقبله زوجًا بصداق أو مهر قليل جدًا وهذا بخس لحقها.

ثم يختم الآية بقوله تعالى: ذلك أدنى ألا تعولوا.ومعناها أن الاكتفاء بالزواج من واحدة أو ملك اليمين هو أضمن للسلامة من الجور والظلم ومعنى تعولوا: تميلوا فتظلموا.إلا أن يكون ذلك منها عن طيب نفس وخاطر فحينها يجوز لكم أخذ هذا الجزء المتروك عن طيب خاطر هنيئًا مريئًا.

بمعنى أنه حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل فيما يملك فقط من النفقة والمكوث والمتاع وكان يعتذر من ربه فيما لا يملك من مشاعر وأمور محلها القلب.

لكن النهي هنا جاء عن الميل فيما يملك الرجل فيظلم زوجته فلا هي أيم لا زوج لها ولا هي زوجة لها كامل رعاية الزوج وعنايته واهتمامه وانشغاله.

كل ما سبق كان تعليقًا على قوله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى.

وهو أمر للوصي الذي يخاف ظلم اليتيمة التي رباها بأن يتزوج من أي امرأة أخرى حرة حتى لا يظلم اليتمية التي رغب في مالها بحد أقصى أربع نساء لأن العرب قبل الإسلام كانوا يتزوجون بعدد يصل أحيانًا إلى عشر نساء غير اللاتي عنده من ملك اليمين – كان هذا هو المتعارف عليه وقتئذ – والمشكلة هنا أن الأوصياء كانوا يأخدون نفقات الزواج الجديد من مال اليتامى الذي عندهم!

فحدد العدد ثم أكمل قائلًا إنكم يجب أن تخافوا ظلم النساء كما تخافوا ظلم اليتامى فالظلم ظلمات يوم القيامة.

فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم.

ثم يكمل الله تعالى موصيًا بإعطاء النساء مهورهن كاملة ولا تجبروهن على إعادتها لكم.

وفي الآية 129 من نفس السورة استكمال للمعنى حيث يقول الله تعالى: «وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (129)».

وبشرى بأن الرجل إذا حاول أن يكون مصلحًا تقيًا قدر إمكانه يكون الله معه بالرحمة والمغفرة على التقصير الذي لا ذنب له فيه.

ولذلك يبدو واضحًا دور معاني الكلمات وكذلك تفسير وتوضيح أسباب نزول الآيات في زيادة فهم المقصود والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد