بحَسب ما قاله «ستيفن واينبرج»، و هو فيزيائي مُلحِد حاصِل على جائِزة نوبل، في حِواره مع عالِم البيولوجيا التَّطوُّريَّة المُلحِد أيضًا «ريتشارد دوكنز»، فإن الضَّبط الدَّقيق للكَون لا يُمكِن تَفسيره، إلَّا بوُجود خالِق عَظيم أو أكوان مُتعدِّدة[1]، غير أن واينبرج يَتحدَّث عن الأكوان المُتعدِّدة فيقول «لم يأت أحد بنَظَريَّة تثبت صِحَّة ذَلِك، أقصد إنَّها ليست فَقَط تَخمين، النَّظريَّة لابُد أن تَكون تَخمينيَّة، لَكِن ليس لدينا نَظَريَّة، بحيث يَكون هذا التَّخمين مُدرك رياضيًّا، لَكِنَّها احْتِمال»[2]. وقد بَدت وَقتها خَيبة أمل على وَجه دوكنز.

وعن العَدَد المُحتمَل للأكوان بِناءً على هذه الفَرضيَّة يَقول ستيفن واينبرج «على الأقل 10 مَرفوعة للقُوَّة 120 .. في الحَقيقة هذا مُزعج نَوعًا ما».

المُثير للسُّخرية أن المَلاحِدة قد خَرجوا بتَبنيهم لهذه الفَرضيَّة مِن حَقائِق العِلم المادي التَّجريبي إلى افْتِراضات فَلسفيَّة سُفِسْطائيَّة، مع أن الفيزيائي الشَّهير «ستيفن هوكينج» يَقول في مُستهَل كِتابه «التَّصميم العَظيم»، والَّذي حاول مِن خِلاله تَفسير نشأة الكَون، بدون وُجود إله، «لقد ماتت الفَلسفة»؛ في إشارة مِنه إلى قُدرة العُلوم التَّجريبيَّة على تَفسير «كُل شَيء»!

والأكثر إثارة للسُّخرية، هو أن قَول المُلحِد بهذه الفَرضيَّة، أشبه بإيمان المؤمن بالغَيبيَّات، الَّتي طالما عابها وجَحدها المُلحِد؛ كَونها لا تَخضع إلى المُشاهدة والتَّجربة، ذَلِك أن الفَرضيَّة (Hypothesis) تَختلف عن النَّظريَّة (Theory)، وكِلاهما يَختلف عن الحَقيقة (Fact): فالحَقيقة هي كُل ما يُمكِن مُلاحظته وقياسه، أمَّا النَّظريَّة فهي مُحاولة تَفسير أية ظَاهِرة بِناءً على عَدَد مِن الأدِلَّة والحَقائِق والمُلاحظات، وهي لذَلِك قد تَكون قَويَّة أو ضَعيفة، صَحيحة أو خاطِئة، في حين أن الفَرضيَّة هي تَفسير مَبني على افْتِراض (ظَن)، وليس تَجربة.

ولَكِن كَيف ظَهرت فَرضيَّة «الأكوان المُتعدِّدة»؟

صاغ عالِم الفيزياء الألماني الحائِز على جائِزة نوبل «فيرنر هايزنبيرغ» (1901 : 1976) مُعادلة رياضيَّة تُفيد بأنَّه «لا يُمكن تَحديد خاصيَّتين مُقاستين مِن خَواص جُملة «كموميَّة»، إلَّا ضِمن حدود مُعيَّنة مِن الدِّقَّة، أي أن تَحديد أحد الخاصيَّتين بدِقَّة مُتناهية (ذات عَدَم تأكُّد ضَئيل)، يَستتبع عَدَم تأكُّد كَبير في قياس الخاصيَّة الأُخرى، فيما يُعرَف بمَبدأ «عَدَم اليَقين». مَثلًا: الفوتونات تَتصرَّف كجُسيمات (Particles)، ومَوجات (Waves)، ولَكِن رَصدها يَكون كجُسيمات أو مَوجات فَقط.

هذا الأمر جَعل الفيزيائي المُلحِد «هيو إيفرت الثَّالِث» (1930 : 1982) يَقترح وُجود عَدَد مِن الأكوان مُساو لعَدَد احْتِمالات الرَّصد، وقد لاقى اقْتِراحه هذا اسْتِهجان كَثير مِن العُلماء.

غير أن هذه الفَرضيَّة تَم تَوظيفها مِن جَديد في نَظَريَّتي «الأوتار» و«التَّضخُّم الأبدي». فنَظريَّة الأوتار (String Theory) تَفترض وُجود أبعاد أُخرى، غير الَّتي نُدركها، وهو ما يَعني وُجود عَوالم أُخرى، وبحَسب نَظَريَّة التَّضخُّم الأبدي (Eternal Inflation)، فإن بَعض الجيوب في الفضاء توقَّفت عن التَّضخُّم، والبَعض الآخر لا يَزال، ولذَلِك نَشأ العَديد مِن الأكوان الفُقَّاعيَّة المَعزولة (Bubble Universes).

ولسنا بحاجة إلى نَقد فِكرة «الأكوان المُتعدِّدة»، فهي كَما قُلنا فَرضيَّة لا تَرقى إلى مُستوى الطَّرح العِلْمي القابِل للنَّقد، ولَكِن حَتَّى لا يَظُن أحد إمكانيَّة رَصد عَوالم أُخرى في المُستقبل نَقول أن هذا مُستحيل عِلْميًّا، والسَّبب ما يُعرَف بأُفق الجُسيم (Particle Horizon). وهو أقصى مَسافة مِن تلك الجُسيمات الَّتي تَحمل المَعلومات والَّتي ما أن تَصل للرَّاصِد يَكون عُمرالكَون قد انْتَهى.

أيضاً الفَرضيَّة تَتَعارض مع «نَصل أوكام» (Occam’s Razor)، فأبسط التَّحليلات لمُشكلة مُعقَّدة هي الصَّحيحة، ولا رَيب أن وُجود كَون واحِد مَضبوط ضَبطاً دَقيقاً أبسط بكَثير مِن فَرضيَّة وُجود أكوان لا تَقل أعدادها، كَما يَقول «ستيفن واينبرج» عن 10 مَرفوعة للقُوَّة 120.

و رَغم تَشبُّث المَلاحِدة بهذه الفَرضيَّة، إلَّا أنَّه على فَرض صِحَّتها لا تَنفي وُجود إله خالِق، إذ يَبقى السُّؤال: كَيف نَشأت هذه الأكوان المُتعدِّدة؟

وليس أدل على عَدَم تأثُّر «المُؤمنين» بتلك الفَرضيَّة مِن كَون البَعض يَرى أن القُرآن قد تَحدَّث عن الأكوان المُتعدِّدة في أكثر مِن مَوضع، وإن كان تأويلهم باطِل ومَردود.

————————

[1] If you discovered a really impressive fine-tuning … I think you’d really be left with only two explanations: a benevolent designer or a multiverse.

[2]{ وَ مَالَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّا لظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً }

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأكوان
عرض التعليقات
تحميل المزيد