وهب الله الإنسان حواسًا متعددة يستخدمها في حياته مثل السمع والبصر واللمس والشم والتذوق. واستخدام هذه الحواس في العملية التعليمية ليس بالشيء الجديد، فقد اعتمدت علوم الأغذية والزراعة وصناعة الأدوية والهندسة الكيميائية على استخدام حواس بعينها. ولكن الجديد هو استخدام أكثر من حاسة واحدة في عملية التعلم لتحقيق مزيد من التواصل الفعال والحفظ والفهم. وقد ساعد على نجاح ذلك تميز التجارب الحياتية الأخرى التي طبقت استخدام أكثر من حاسة في تجربة معينة مثل تقنية الـ4D التي تُستخدَم في السينما كمجال ترفيهي، حيث يمكن أن يعيش المشاهد في مشاهد حقيقية تعتمد على مؤثرات سمعية وبصرية وجسدية في وقت واحد. وفي مجال الرعاية الصحية، أثبتت البيئات متعددة الحواس أنها مفيدة للأشخاص الذين يعانون من الزهايمر لمساعدتهم على تنشيط الذاكرة وإثارة الذكريات.

وتشير نتائج الأبحاث إلى مستقبل واعد لاستخدام الحواس المتعددة في عملية التعلم بسبب التقدم في بيئات التعلم التكنولوجية وبسبب الحاجة المستمرة إلى تلبية الاحتياجات الخاصة للمتعلمين. فعلى سبيل المثال، يمكن للتعلم المتعدد الحواس أن يفيد الطلاب الذين يواجهون صعوبة في القراءة Dyslexia. فوفقًا للدكتور Ben Foss مؤسس منظمة Headstrong Nation غير الربحية والتي تعنى بشئون متعسري القراءة، يوجد ثلاث أنواع من القراءة وهي قراءة الأذن وقراءة العين وقراءة الإصبع. ويمكن للطالب متعسر القراءة أن يستفيد من استخدام الكتب الصوتية أو تطبيقات تحويل النص إلى كلام بدلاً من قراءة العين المعتادة للصفحات.

ومن الأمثة الأخرى استخدام المدخلات السمعية في التعلم عن طريق الموسيقى والغناء والقوافي والنغمات الصوتية والتصفيق والترديد والحوار. فمن الممكن استخدام أنماط معينة من الموسيقى للتعرف على فترة من التاريخ جنبًا إلى جنب مع صور أزياء وملابس هذه الفترة أو تجربة أنواع الطعام التي ربما تناولوها في تلك الفترة الزمنية باستخدام التذوق والشم.

وعند تعلم القصص السردية أو دروس الفلسفة والنظريات المجردة، ستفيد حاسة التخيل المتعلمين في توسيع منظوراتهم حول المفاهيم المجردة والربط بين هذه المفاهيم والبيئة المحيطة جنبًا إلى جنب مع حاستي الشم والتذوق لاستحضار الكلمات والتعبيرات المفسرة لهذه المفاهيم.

وفي مجال تعليم الأطفال، يمكن الاستفادة من حاسة اللمس والتخيل والبصر في تشكيل حروف أو أسماء باستخدام نماذج من الرمل أو الصلصال. كما يمكنهم فهم الأرقام والعمليات الحسابية عن طريق قطع الدومينو والعملات المعدنية. ويبرز استخدام الحواس الحركية في مجال تعلم الأطفال بشكل خاص مثل استخدام الأنشطة الرياضية والمشي والرقص والكتابة الهوائية في تعلم الحروف والكلمات والحساب. وتعتبر ألعاب الفيديو الرقمية إحدى وسائل التعلم باستخدام الحواس المتعددة، حيث يمكن استخدام حواس السمع والبصر والحركة لتعلم مفاهيم المواد الدراسية المختلفة مع إمكانية تحكم المعلمين في هذه الألعاب لانتقاء ما يتناسب مع خصائص طلابهم العمرية والذهنية.

ورغم كل فوائد ومميزات استخدام التعلم المتعدد الحواس، يظل هناك بعض التحديات. فقد أكدت دراس بحثية عام 2018 أن التعلم المتعدد الحواس قد لا يتناسب مع المتعلمين الأكبر من تسع سنوات، لأن طريقة عمل التعلم المتعدد الحواس تعتمد على طبيعة معالجة الدماغ للإشارات والحواس المتعددة التي تنشط يوميًا ولكنها تتوقف طبيعيًا عند سن التاسعة. فضلاً عن ذلك، قد يجد الطلاب الذين يعانون من عسر القراءة صعوبة في التكيف مع النشاط الحركي والقيام بحركات جسدية منظمة.

وختامًا، رغم هذه التحديات التي تواجه التعلم متعدد الحواس يظل أحد أفضل الأساليب التعليمية الحديثة التي تركز على تحسين المخرجات التعليمية وتوفير بدائل ناجحة لنقاط ضعف بارزة عند المتعلمين، فضلاً عن تنمية الحواس المختلفة وتنشيطها في التعلم. ولا غرو، أن الاحتياج للتعلم المتعدد الحواس سيظل ملحًا ومستمرًا في ظل تطور التقنيات المرئية والتكنولوجية في جميع المجالات التعليمية والحياتية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد