إلى جانب إيجابياتها التي لا ينكرها أحد استطاعت مواقع التواصل أيضًا أن تجلب بجدارة مصائب كبيرة على من يستخدمونها، فبفضل مواقع التواصل وحدها، والآلية التي تعمل بها مشجعة مستخدميها على تفعيل كافة إمكانياتها والتمتع بها، أصبح شائعًا أن يدلف أحدهم إلى صفحته الخاصة في أي وقت، مسجلًا لحظات خاصة من الانفعال أو الجنون أو حتى الإقدام على الانتحار. سرعان ما يندم على نشرها بعد ذلك، ولكن بعد أن يكون قد فات الأوان. ذلك أن موقع التواصل هو ساحة مغوية لتسجيل كل شيء ولمشاركة الآخرين كل لحظاتنا الخاصة، وهو أيضًا ساحة عامة للتربص، فالجميع يتربص للجميع، ممن يعرفهم وممن لا يعرفهم، منتظرًا أي واقعة من هذا النوع المثير بالذات، لإشباع حاجات نفسية غير منضبطة في تنفيس الغضب أو التشفي أو شعور الانتقام من الآخرين. وفي أحسن الأحوال الشعور بعملية التطهير وفقًا للمفهوم الأرسطي، حيث الشعور بالشفقة تجاه الآخرين والخوف من أن يقع لنا مثلهم، والشعور بأننا أفضل منهم، وهذا يمنح قدرًا ما من السرور تحدث عنه ديستوفيسكي حتى في أعظم رواياته.

 

يصل هذا الشغف والولع المهووس بالوقائع المثيرة عند البعض، إلى حد تسريب ما يستطيعون تسريبه وما هم قادرون على أن تصل إليه أيديهم من وثائق إلكترونية، فهذا يسرب كلامًا خاصًا تم تداوله في مجموعة خاصة على الواتس آب، وتلك تسرب رسالة أرسلها لها أحدهم على الماسنجر ولم تعجبها لسبب ما، كي تسر بانهمار التعليقات واللايكات على (السكرين شوت) المسرب. وذلك يسرب ملفًا للفيديو نشرته فتاة في لحظة ما قد تكون لحظة غير طبيعية من لحظاتها (على الأقل فهي لم تدرك عواقبها أو تتوقع من أحد أن يقوم بتسريبها) وخصصته للأصدقاء فقط في إعدادات الخصوصية التي يوفرها فيسبوك.

 

ولا بد أن تجعل الحكومات الفاشلة في مواقف كثيرة من كلام فرد لا يمثل إلا نفسه، موضوعا للرأي العام والاستهلاك السياسي والإعلامي، وذلك للحد من لفت الأنظار إلى فشلها في جوانب مهمة، وإن كان ذلك على الأقل لفترة مؤقتة عملًا بمبدأ (بص العصفورة) وكل فترة تظهر عصفورة جديدة، وكبش فداء جديد، ليس فقط للحكومات الفاشلة، ولكن للشعوب المريضة بالكبت والغضب أيضًا لأسباب مختلفة، والتي تنتظر أي فرصة لتنفجر دون أن تحاسبها الحكومة على انفجارها. وفي هذا المقام، فإن تصرفات الأفراد الذين لا يمثلون إلا أنفسهم، تعد فرصة مواتية لتنفيس هذا الانفجار، الذي كان ينبغي استثمار حماسته والطاقة الكامنة فيه بتوجيهه وجهة أخرى، إلا أن الخوف من نتائج التوجيه الصحيح للانفجار، تجعل الناس تستثمر مشاعر الخوف والغضب الكامنة بداخلها في الاتحاد ضد فرد واحد. 100 مليون مواطن يتحدون ضد فرد واحد، وينهالون عليه سخرية وشماتة وتشفيًا وتهديدًا وكراهية ونبذًا، عملًا بالمثل القائل: (البقرة لما تقع تكثر سكاكينها!) وعلمًا بأن الألم الناتج عن توجيه تهديد وإهانة وسخرية وشماتة لشخص محدد بعينه (تجعله يشعر بأن هذا موجه له شخصيًا)، يفوق في حجمه وقسوته أضعاف ومئات المرات الألم العام الذي قد ينتج من شعور بالإهانة العامة غير الموجهة إلى شخص بعينه. فالألم العام يمكن أن يكون عابرًا ومؤقتًا، أما الألم الخاص فإنه يبقى علامة داخل الإنسان لا يمكن محوها.

 

في علم النفس، هناك حيلة دفاعية معروفة باسم الإزاحة، حيث يقوم الإنسان بإزاحة كبته النفسي وتوجيهه نحو موضوع غير الموضوع الأصلي للكبت. وموضوع الشعب المصري في الحقيقة ليس هو منى المذبوح، بل موضوع آخر! بينما وقعت منى المذبوح، الإنسانة التي لا يعلم أحد ما هي ظروفها النفسية أيضًا وظروف قيامها بإزاحة نحو الشعب المصري، ضحية لإزاحة الشعب المصري ضدها.

 

ولكن هذه هي الطبيعة البشرية، المسكونة بالغرابة والمثيرة للدهشة، حيث يمكن أن يحدث أحيانًا، بل كثيرًا أن يستعرض ملايين من الناس قوتهم مستهلكين وقتًا وجهدًا وباذلين طاقتهم ضد شخص واحد ضعيف، يعلمون جيدا أنه لا يمثل أي تهديد مباشر أو خطير لهم. وأن سلوكه الذي يمثله منفردًا هو مجرد فرقعة في الهواء، كان يمكن تجاهلها ببساطة، والالتفات إلى أمور أكثر أهمية.

 

وهذه هي نفسها الطبيعة البشرية، التي لا تحاسب عندما تمتلك القدرة على ذلك (بصفتها ممثلة في الحكومة) آلاف المتحرشين والفاسدين كل يوم، والذين يوقعون كل يوم بآلاف الضحايا دون أن يهتم لذلك أحد. بينما يمكن أن تقوم القيامة، وتتحرك الدولة بكافة مؤسساتها، لمعاقبة فرد واحد قام بتسجيل فيديو شخصي له على فيسبوك ضمن عشرات الألوف من الفيديوهات الأخرى التي يسجلها ملايين كل يوم، دون أن يعرف أحد محتواها.

وعلى موقع يوتيوب وحده، تكفي نظرة واحدة إلى أي فيديو عربي يشارك عرب مختلفون في مشاهدته، لمشاهدة كم التعليقات التي تحتوي على ألفاظ نابية جدًا وعلى إهانات بالغة للدول يتداولها معلقون عرب فيما بينهم، دون أن يهم ذلك أحدًا.

منى المذبوح، التي ذبحتها مواقع التواصل، لن تكون الضحية الأخيرة للتكنولوجيا المعاصرة وجنون الميديا الحديثة. في عالم أصبح يلهث وراء الجديد والمثير كل دقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد