سؤال يدور بخُلد كثير من المتابعين للمشهد السياسى في مصر، منذ الوهلة الأولى التي بدأ نجم الحركة الإسلامية يبزغ فى سماء الساحة السياسية المصرية. ولكى نعرف الاجابة على هذا السؤال؛ يجب أولا أن نلقى الضوء على بعض المقدمات والمعطيات والتى تُعتبر الإجابة عن هذا السؤال نتيجةً حتمية لها.

 

أولاً الملمح الدينى كمقدمة أيديولوجية:

جاء الرئيس محمد مرسى من صف جماعة دينية تَعتبر السياسة قضية إيمانية، وذلك بناء على شمولية الدعوة التى أسس وأصل لها الأستاذ حسن البنا، ولكن البنا أكّد أن التغيير لمفاهيم المجتمع لابد أن يكون من خلال ثلاثة مراحل لا يمكن أن ينجح أى تغيير بدونها ، وهى: مرحلة التعريف ومرحلة التكوين ومرحلة التنفيذ التى ذكرها فى رسالة التعاليم.
والمتابع لأداء الرئيس مرسى يجد إغفالا لمرحلة التكوين ،فقد اكتفى بالتعريف، ثم قفز الى التنفيذ. أسمع الآن بعضا ممن يقرأ مقالى يهمس فى أذنى قائلا: أنت لم تفهم رسالة التعاليم ،لأن البنا كان يتحدث عن ركن الطاعة ،ولم يتحدث عن التغيير! وأقول له: اسمح لى أن أخبرك بأن الطاعة ما هى إلا تغيير، ولكن البعض أغلق عقله على المعنى الحرفى القريب لكلام البنا ولم يدرك المقاصد الأخرى البعيدة من هذه المراحل الثلاث، وهل كانت طاعة صحابة الرسول لأمر الله بتحريم الخمر إلا تغييرا؟

 

ثانيا الملمح السياسى:

كان هناك فساد سياسى استشرى فى جميع مفاصل الدولة ،وتعالت صيحات الكثير من الأحزاب والقوى الثورية بضرورة التطهير من الجذور، ولكن الرئيس مرسى أغفل هذه الصيحات واكتفى بتغيير على مستوى الإدارة أو القيادات العليا ونسى ـ أو تناسى ـ أن ولاء من تركهم لن يكون أبدا إلا لمن عزلهم.

ثالثا الملمح المجتمعى :

لم يكن مطلوبا من مرسى أن يكسب ود المسيحيين أو العلمانيين أو الليبراليين، ولكن كان مطلوبا منه أن لا يدع الفرصة لأحد أن يحسبه على طائفة دون غيرها من طوائف المجتمع المصرى، بل كان مطلوبا منه أن يطبق النموذج الذى طبقه النبى صلى الله عليه وسلم فى المدينة، عندما قال إنى أعطى أناسا وغيرهم أحب إلى، فهذه هى حكمة القائد إذا أراد أن يؤسس لحكم قوى.

 

حكم الرئيس مرسى تحت الميكروسكوب السياسى :

وإذا أردنا أن نعرف إجابة السؤال، صلب هذا الموضوع، فعلينا الأخذ فى الاعتبار أننا فى ظل التقدم والتطور، أصبح أيضا حتميا علينا مراعاة نظريات التغيير الحديثة، ومن خلال متابعتى للساحة الدولية فإن أفضل النماذج المتبعة فى التغيير هى نموذج أدكار “ADKAR ” وهي اختصار لخطوات التغيير الخمسة التالية على الترتيب “Awareness” الوعى،”Desire ” الرغبة ، “Knowledge” المعرفة ، “Ability” القدرة والتمكين ، “Reinforcement” الدعم.
وكل مرحلة من هذه المراحل الخمسة عليها نسبة ٢٠℅ من نجاح نموذج التغيير، وبعملية حسابية بسيطة يتبين لنا أن الرئيس مرسى كنموذج تغيير، اعتمد على مرحلتين فقط وهما الوعى والدعم، ولم يستطع أن يوفر باقى المراحل اللازمة لإتمام عملية التغيير بنجاح، إما تقصيرا منه، وإما قصورا فى حزبه.
وعليه فإن مرسى حصل فقط على ٤٠ ℅ من النسبة اللازمة لنجاح نموذج التغيير المطروح من خلاله ، وهذه النسبة على أقصى تقدير تجعله يقضى ٤٠ ℅ من المدة التى خطط لها أن تكون فترة ولايته، وهذا يعنى انه وبدون انقلاب كان سيستمر لمدة عام وستة أشهر ، قابله للزيادة فى حالة أعاد ترتيب أوراقه وتعامل مع المجتمع دون إغفال باقى مراحل التغيير وهى “الترغيب-المعرفة-التمكين والقدرة”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد