في بداية عام 1908، ولد أحد أشهر القتلة في تاريخ الولايات المتحدة، واسمه نيلسون، الذي كان يلقب بالقاتل ذي الوجه الملائكي، إسقاطًا على ملامح وجهه الوسيمة، هذا الفتى الذي بدأ حياته الإرهابية بسرقة ممتلكات بسيطة مثل إطارات السيارات، وساعات الشباب، ومحلات تجارية، وكانت سرقاته هذه تمثل شيئًا أشبه بالتدريبات العسكرية، التي سيغدو بها، وكما وصفه مكتب التحقيقات الفيدرالية، بـ«العدو رقم 1» في الولايات المتحدة.

حاول مكتب FBI القبض عليه كثيرًا، ولكنه كان مناورًا بارعًا، عطفًا على أنه كان قاتلًا ماهرًا، ولكن بالنهاية نالت قبضة العدالة منه وأردي جثة عفنة.

قصّة هذا الرجل استوقفتني؛ فظروفه فيها فيض كثير من ترادفاتنا المجتمعية والسياسية في بلادنا العربية. فلمن يقلتنا أوجهٌ عدة، وكلهم يحملون وجوهًا ملائكية، لا تعترف إلا بمعتقداتها وإن كانت خاطئة، هذه الوجوه الملائكية، إما أن تكون ليبرالية، وإما أن تكون إسلامية، وإما شمولية ماركسية. فننجذب فورًا، ونقع في حب وجوههم الجميلة، وأغلفتهم القيّمة، فنقع في أكبر فخٍّ في التاريخ؛ فخ حب الوجوه لا المحتوى.

لهم معانٍ جميلة، وسلوك مشين، فمن يدعون بالحريّة يجذبون السالكين طريقهم نحوها بوسيلة أو بأخرى، تنحرف الغاية، ويختلُّ عقرب البوصلة الوحيد إلى طريق الكبت والضلال. ومن يسمّي نفسه بالإسلامي، فإنه يملك المعتقد الأسمى في العالم، بكل قوانينه النافذة، وبدستوره الغني القيم والمعاني الصحيحة، ولكن هي المشكلة ذاتها؛ فرداء الإسلام الذي يرتدونه يستر صدورهم المشوّهة.

وكذلك الاشتراكي، الّذي كان -ولم يكن- دومًا يطالب بحقوق الكادحين والعمال والفقراء، ونجده من يعتلي قمة الهرم في النظام الاشتراكي؛ ليصبح شخصًا برجوازيًّا يملك أموالًا طائلة لا تنفد، من جرّاء صيته الذي وصل إلى عنان الأذهان، وفجوات الأفئدة.

بدأوا سرقاتهم منّا بطرق خفيفة كما بدأ نيلسون بالضبط، فافتتحوا الجمعيات الخيريةـ والمنتديات الثقافيةـ وترشّحوا بدعايتهم الانتخابية إلى حصد مقاعد في البرلمانات العربية، أو تقلّدوا رتبًا عسكرية في الجيش تسلسلًا، حتى اعتلوا كرسيَّ الحكم إلى الأبد.

وهكذا بدأنا نحن نكتشف أن وعودهم كاذبة، وأحلامنا أضحت كوابيس علينا، فكل شيء باء بالفشل، وكل منحنى رسمناه تصاعديًّا انحدر تنازليًّا إلى الأسوأ.

ولأنّنا شعوب امتنعت عن البصيرة، وعن طَرْق مسامير الرؤية المستنيرة بوجدان الأحزاب السياسيّة، فقد وقع أثر حبنا لهم من جرّاء النظر المحدود إلى جمال وجوههم. فلقد أحسنوا ممارسة البروبوجاندا الحزبية علينا، وجنّدوا مثقفيهم، وأئمتهم، وناطقيهم، من أجل إقناعنا بحفرتهم التي لن نستطيع الخروج منها أبدًا.

فقتلونا تارة باسم الله، وأخرى باسم الوطن، وأخيرةً باسم الجوع والفقر. بشعارات دقيقة تصف حال شعوبنا، وفاسدة لا تحسن التطبيق.

لو تراصصنا سويًّا لاستطعنا الخلاص، ولو تمسّكنا بحقوقنا الأصيلة لما تآمر أحدٌ علينا، فالشعب هو القرار الأخير، هو من يملكه.

هذه عمليّة معقّدة؛ فأعقد العمليّات هي عمليات غسل العقول بعد أن كانت محشوّة بالأيديولوجيّات المنحرفة والضالة. فكيف يمكننا إعادة هيكلة الشعب، لكي يرجع مرّة أخرى فارغًا من أفكارهم، وأطروحاتهم، وأناشيدهم!

ما أعتقده دائمًا بالمثقفين، يجب ممارسة أكبر من هذه الفئة، وندوات أعظم من تلك التي يمارسونها ممارسة دورية خفيفة، إزالة الخوف من قلوبهم هي المرحلة الأولى، فهم جمع قليل، ونحن جمع غفير.

والمسؤولية الأكبر تقع على عاتقنا نحن الشّعوب، كيف نتنصّل من هؤلاء النّاس، وكيف علينا خلع لباسهم الوطنيِّ، وتجريدهم من كل معنى زائف وفاسد.

هي مسؤولياتنا، فمن يُضرب بالسوط ليس كمنْ يُضرب.

نعم، أبارك لشعب الجزائر؛ فقد فعلوا ما ذكرت بالدقة في هذا المقال، رفضوا سرقَ أحلامهم من الفئة ذاتها التي كانت دائمًا ما تقتلهم، فحرّروا تكبيلهم بأيديهم، ولم يخشوا في سبيل نيل حريتهم، وامتلاك قرارهم أحدًا قط، فأصبحوا هم الذين يُخشى منهم، ومن تسللت عدواهم إلى الحدود المحيطة والأبعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد