الصراع بين بعض الأجنحة داخل منظومة العسكر في مصر الذي تجلى مؤخرا في حوار المرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق وتلميحاته عن شبهة تزوير في انتخابات الرئاسة التي جرت في 2012 واستدلاله باتصالات من رئيس الأركان آنذاك سامي عنان ومراد موافي مديرالمخابرات العامة، هو ما دعا الاثنين إلى الخروج وتكذيب ما قاله أحمد شفيق.

هذا الصراع أو الخلاف يمكن أن يؤشر إلى خلافات بين الرعاة الإقليميين للانقلاب العسكري في مصر، والتلويح بورقة شفيق جاء بعد إخفاقات قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وشعور البعض بأنه بات عبئا حتى على داعميه.

لكن الأهم من ذلك هو أن من يحكمون مصر من الخارج أو الداخل يضعون خيارات واحدة أمام المصريين، هو رئيس من داخل المؤسسة العسكرية بحيث تبقى دولة الجيش متمتعة بامتيازاتها ومشاريعها الاقتصادية، فالعسكر عقديتهم مبنية في الأساس على أن المدنيين لا يصلحون للحكم أو الإدارة بزعم غياب الانضباط وتحمل المسؤولية عندهم، وهو مادفعهم دوما إلى الحرص على أن يكون حكم مصر داخل دائرة العسكر.

مرسي يخترق الدائرة:

لعل وصول الدكتور محمد مرسي – أول رئيس مدني – لحكم مصر عبر انتخابات نزيهة جاء بمثابة خرق لهذه الدائرة العسكرية، وهو ما أزعج مؤسسة الجيش؛ فليس بمتصور لديهم أن يحكم مصر مدني، والمدنيون في نظر العسكر غوغائيون، لا يفهمون، ولا يدركون، فعمل العسكر على إفشال مرسي عبر مؤمرات – تكشف جزءا كبير منها بعد الانقلاب – استهدفت إسقاطه، وحاول العسكر تجميل وجوههم عبر استخدام واجهات مدنية في حربهم ضد مرسي تمثلت في جبهة الانقاذ ووسائل إعلام ورجال أعمال.

ورغم كل ما بُذل من محاولات للضغط على مرسي لتقديم استقالته أو تفويض المجلس العسكري لإدارة شؤون البلاد كما جرى مع مبارك، أو على أقل تقدير نقل صلاحياته إلى شخصية مرضي عنها عسكريا، إلا أن مرسي رفض ذلك؛ فلم يجد قادة الجيش سوى اللجوء لانقلاب عسكري خشن تصدر فيه العسكر لأول مرة المشهد بشكل مباشر دون مواربة، ومع فقدان الثقة أكثر وأكثر في المدنيين، لم يجد العسكر سوى ترشيح السيسي مندوبا عنهم في الرئاسة في تحدٍّ، واضح وضع الجيش كله في المواجهة، وبات التراجع عملية صعبة فالعسكر ألقوا بثقلهم خلف السيسي لضمان عدم المساس باقتصادهم وضمان التوسع لهم والسيطرة على موارد البلاد بشكل أكبر.

وهنا تلقت القوى المدنية التي كانت تطمح بأن تحكم هي عقب الانقلاب على مرسي لطمة كبرى، حيث أصبحت خارج ملعب السياسة من الأساس ومن بقي منهم يدور الآن في فلك العسكر ينتظرون أي فتات من موائدهم.

مع استمرار حالة الفشل التي يحققها السيسي يبدو أن خيارات بقائه تعني إدخال البلاد الى مستنقع عنف كبير، قد يتطور ليصل إلى مراحل أكبر وأوسع كحرب أهلية مثلا، أو على الأقل انتقال نموذج ولاية سيناء إلى محافظات أخرى، هنا تبرز أهمية إيجاد خيارات أو مسارات وهو ما يعكف عليه العسكر عبر طرح عدة بدائل تمثل في نهاية المطاف خيارا واحدا، وهو رئيس عسكري.

مرسي ومسمار جحا:

ومع ما نراه من مناورات عسكرية في الساحة السياسية ينادي البعض بضرورة تخلي رافضي الانقلاب عن خيار عودة الرئيس محمد مرسي شرطا أساسيا للتوافق، والعودة لنقطة 11 فبراير.

لكن المدقق يرى أن الحفاظ على خيار عودة الرئيس محمد مرسي هو في الأساس حفاظ على ورقة الضغط الوحيدة في صراع الدولة “المدنية – العسكرية” فمرسي يمتلك شرعية انتخابات نزيهة أتت به رئيسا، ويملك شرعية صمود جعلت منه رمزا – ليس على مستوى مصر بل على مستوى العالم – وشرعية تضحيات تقدم على مدار عامين من قبل أنصاره ومؤيديه، تمثلت في أكثر من أربعين ألف معتقل وآلاف القتلى والمصابين.

وبالتالي فإن من يدعون انحيازهم لخيار الدولة المدنية لم تعد لديهم سوى فرصة وحيدة لمواجهة عسكرة مصر، والفرصة هي محمد مرسي، حتى وإن اختلفوا معه أيدولوجيا أو شخصيا أو حتى في طريقة إدارته إبان فترة حكمه.

فوجود مرسي هو بمثابة مسمار حجا في جدار دولة العسكر الذي يمكن الاتكاء عليه لمواجهة عملية العسكرة التي تجري لكل مؤسسات الدولة على قدم وساق، التي تسعى من خلالها مؤسسة الجيش إلى استنساخ نماذج حكم شمولية كما في كوريا الشمالية.

إخراج مرسي من المشهد يعني ببساطة إحكام إغلاق دائرة الحكم العسكري حتى وإن أتت أي حكومة مدنية في نهاية المطاف؛ فإنها تدور في فلك العسكر وتأتمر بأمرهم، وبالتالي فإن التمسك بعودة مرسي يجب أن يكون خيارا ومطلبا لكل المنادين بمدنية الدولة، على أن يتم الاتفاق على شكل عودته وآلية الانتقال إلى مرحلة جديدة، وإبقاؤه في المشهد أمرا ضروريا باعتباره فرصة أخيرة لإدارة الصراع مع العسكر.

الشرعية ومعناها:

ربما أدرك كثيرون أن كلمة الشرعية التي كان يرددها مرسي كثيرا وكان البعض يتهكم عليها كان المقصود منها خيار الشعب، وهو ما يرفضه العسكر الذين تدور حياتهم حول تعيينات وتعليمات ورتب أعلى تحكم، وتتحكم في مصير الرتب الأقل.

أما إبداء الرأي أو الاعتراض فيعني أن يكون مصيرك السجن أو القتل أو على أقل حال التكدير.

اتفق أو اختلف مع مرسي وإدارته للبلاد خلال سنة من حكمه، اتفق أو اختلف مع خلفيته الإسلامية ومشروعه الذي يحمله، اتفق أو اختلف مع علاقته بالإخوان وباقي التيارات الأخرى، اتفق أو اختلف مع شخصيته وهل كان رجل المرحلة أم لا؟

لكن المؤكد برأيي أن التمسك بشرعية مرسي بات آخر هجمة مرتدة يمكن لدعاة الدولة المدنية أن يحرزوا منها هدفا في شباك العسكر، وبعدها قد نلجأ لتغييرات في أرض الملعب، ووقت إضافي وضربات ترجيح لحسم المباراة نهائيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد