أتت معجزة الله سبحانه وتعالى لنبيه موسى عليه السلام جزءًا منه ومن حياته ومن معناه. يناديه الله سبحانه وتعالى وسط الدهشة والذهول ليسأله فيما يعلمه تعالى “وما تلك بيمينك يا موسى؟” وكأنه التعبير عن سؤال الاستطاعة لمواجهة ما قادمة.

لم يكن لتلك العصا في حياة موسى عليه السلام أي أهمية تذكر تجعله يفخر بها أمام الله ولكنها كانت حاجة ما ينسبها لنفسه، فلربما اقتطعها من شجرة يابسة قبل سنين أو قام بالتقاطها من قارعة الطريق لتكون إجابته عنها (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ) سورة طه.

كانت العصا في حياة موسى عليه السلام تعبيرًا عن ذاته ووظيفته ثم تفجرت معجزة لتعبر عن معناه في هذه الحياة أيضًا. كانت هي القوة التي فقدها الجسم في صدق الحياة يستعين بها عليها، وكانت هي الأداة الوظيفية التي يعيل أهله ونفسه بها ومنها، ثم أصبحت بعد ذلك معجزته التي أبهرت عظماء زمانه، منها تفجرت دهشة السؤال، ومنها تفجرت دهشة المعجزة التي غيرت تلك الأيام.

استطاع شهداء ثورة القدس أن يسألوا أنفسهم ذلك السؤال العظيم: (ما الذي في أيماننا؟!)، وتجلى صدقهم في الإجابة والاختيار لتطغى السكين على الإجابة، أجابوا بالمعجزة التي تحيل العدو صنمًا عاجزًا لا يضر ولا ينفع أمام ما يمتلك من ترسانة عسكرية أو عمل استخباراتي أو وسائل حماية.

هناك سقطت كل خطط السحرة وأعمالهم، ليكون الفلسطيني هو العقل المخطط والمنفذ. وحده يمتلك القرار وساعة الصفر، ودومًا ما تكون إجابات حياتنا الصادقة بحق مغيرة لها.

السكين التي أتى بها موسى الفلسطيني أمام تجبر فرعون أحالت كل ما لدى السحرة عملًا لا قيمة له، وأخذت بأرواح الكثيرين وراءها توقًا وشغفًا، فقد عبرت عن القوة التي يستعين بها الإنسان المظلوم على صدق الله والحياة ليكون ندًّا وأهلًا للمواجهة ولو كانت السكين أمام النار، وأخبرتنا عن وظيفته التي يحيا لها في أننا خلقنا لهذه الأرض وفداء لها نعيل منها قضيتنا وأهلنا، كما تفجرت منها دهشة المعجزة في أن اليد التي لا تستطيع أن تصفق وحيدة، تستطيع أن تطعن.

كسرت السكين منظومة الأصنام كلها في حياة الإنسان من عمل وأهل ومال وشهرة، فأضحى بعدها نورًا لا تليق به إلا الشهادة وارتقاء الأبطال في المواجهة، ولو وجد أبطالنا أبعد منها لاتخذوه صدقًا وعملًا، ومن هنا تجلت معجزتهم فيها، أنها الأقصى.

كتب جلال آل أحمد في روايته “نون والقلم” على لسان بطل روايته ميرزا أسد الله:

“أتعلم حقيقة أن الشهادة لا تكف يد الظلم عن أرواح الناس وأموالهم، لكنها تسلب سيطرة الظلم على أرواح الناس، فتسيطر عليها ذكرى الشهداء، وهذا هو نفسه حمل الأمانة.
وعندي أن أعظم أنواع المقاومة في مواجهة الظلم تأثيرًا… هي الشهادة”.

أمام سؤالنا لأنفسنا: ما الذي بيمينك؟
ستختلف الإجابات، والصادقون في الإجابة بحق يستطيعون المواجهة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد