يقول بيرجسون الفيلسوف الفرنسي الشهير «يوجد شيء بسيط، بسيط بشكل مطلق، بسيط بشكل استثنائي، حتى أن الفيلسوف لم ينجح أبدًا في قوله، ولهذا ظل يتحدث طوال حياته». فنحن نجد أشياء كالموسيقى والجمال والخير والزمن والحب وغيرهم، تتجلى لنا بمنتهى الوضوح، وكلنا نستطيع أن نفهمها وندركها جيدًا، لكننا نفشل تمامًا في وصفها أو تحديدها أو الحديث عن ماهيتها أو حتى تحليلها. فكلها أشياء تهرب من قدرتنا على التعبير اللغوي رغم وضوحها لنا، فجميعنا نمر بتلك اللحظات المفعمة بالمعاني، مثل الإحساس بالحب أو مشهد الغروب على ضفاف النهر أو عند سماع أغنية جميلة أو حتى إحساسنا باللحظة الزمنية «الآن»، لكننا جميعًا نفشل في صياغة ماهية تلك اللحظات في كلمات أو في نقلها للآخرين بنفس وضوحها لنا. وقد حاول الفلاسفة على مر العصور وصف تلك الأشياء وتحديدها، لكن الاختلاف الشديد بين النتيجة التي توصل لها كل فيلسوف، جعلت من الاتفاق على تعريف محدد أو شامل لأي من تلك المعاني، عملية مستحيلة. ومن تلك النقطة ينطلق جانكلفيتش فيلسوف الموسيقى الفرنسي وتلميذ بيرجسون، محاولًا من خلال مشروعه الفلسفي أن يجيب على هذا السؤال: «لماذا توجد أشياء لا يمكن وصفها رغم تجليها الواضح لنا؟».

لكن كيف لفيلسوف ما أن يتحدث عما لا يمكن الحديث عنه؟ يدرك جانكليفتش تلك المشكلة جيدًا فيقول: «لو كانت اللغة هي لوحة مفاتيح، فليس هناك ما يكفي من المفاتيح لكي تكون قادرة على وصف كل الفروق البسيطة اللا نهائية في الأفكار والأحاسيس. لذلك علينا أن نعبر بما هو وراء الكلمات، علينا أن نبعث الغيوم الضبابية كأنها الشفق الواقع بين النور والظلام بحيث يصنع هالة من الغموض حول تلك الكلمات التي تقع في ما وراء اللغة فلا تحمل أي دلالة واضحة فيشتعل التناقض وتنمو الرغبات». وهنا تظهر قوة فلسفة جانكليفتش من حيث كونه موسيقي وفنان، فأسلوبه في التعبير عن أفكاره، أقرب إلى الشعر، فهو يقترب من المعنى ولا يصل، مما جعل البعض يصفه بأنه يستخدم الكلمات للرقص حول نقطة ليس لها مكان أو لحظة بدون زمان أو التقاء بدون تلامس. يبدأ جانكلفيتش فلسفته بالتفريق بين ما هو مجهول كالموت وبين ما لا يوصف لأنه لا يوجد كلمات قادرة على التعبير عنه كالموسيقى. ففي الحالة الأولى، لا يوجد ما يقال لأن الموت مجهول تمامًا بالنسبة لنا، أما في الحالة الثانية، فنحن نستطيع أن نتكلم عن الموسيقى وتأثيرها وماهيتها للأبد ومع ذلك فلن نحددها أبدًا. ويصف جانكليفتش الفرق بين الحالتين بلغته الشعرية فيقول «كالفرق بين الظل الأعمى وبين الليل الواضح، أو بين صمت الأخرس المختنق وبين الصمت المفهوم، فالموسيقى تسكن في حدود الصمت».

الفكرة الأساسية عند جانكليفتش فكرة معرفية، فنحن نستطيع التفريق بين الشيء واللا شيء أو بين الوجود والعدم، لأننا نستطيع تحديدهما. لكننا نفشل في تحديد ما هو بين الوجود والعدم، تلك الأشياء التي تنتمي للوجود مثلما تنتمي للعدم، فهي تقريبًا لا شيء بقدر ما هي تقريبًا شيء، فهي أشياء ليس لها جوهر، ولا تعتبر من الظواهر أو تحتمل الإدراك العقلي، رغم أننا نفهمها ونفهم قدرتها على التأثير فينا وفي حياتنا لدرجة أنها تحركنا كحالنا عند سماع نغمات الموسيقى، إلا أننا لا نستطيع وصفها أو تحليلها أو تحديدها أو حتى التحدث عن ماهيتها، فهي تهرب من أي هيكل عقلي أو أي نظام لغوي.

فإذا ركزنا على الموسيقى كمثال لما لا يمكن وصفه، فسنجد أن الموسيقى تهرب من نطاق الخطاب العقلاني، فهي في ذاتها لا تعبر عن محتوى محدد بمعنى داخلي معين، فنحن لا نستطيع أن نشير لنقطة معينة على أنها المعنى الذي تحمله مقطوعة موسيقية في ذاتها، بعيدًا عن أية ارتباطات بأشياء وذكريات وأحاسيس يصنعها عقل وعاطفة المتلقي. وغياب ذلك المعنى المحدد فيها، يجعلها تعني شيئًا ولا شيء في نفس اللحظة. فهي تستخدم نغمات مبهمة خاوية من المعاني، تجعلها مبهمة لدرجة مطلقة في ذاتها، مما يجعلها أمام المتلقي ذات عدد لا نهائي من المعاني، حسب مشاعره وأفكاره، وبالتالي فإبهام الموسيقى الذاتي، يفتح باب صناعة المعنى على مصراعيه أمام المتلقي، ليدخل عالم المعاني اللا نهائي. يقول جانكليفتش «كل شيء ممكن في تأويل الموسيقى، فالموسيقى لن تعترض على أي معنى تحمله لنغماتها مهما بلغت درجة التعقيد والذاتية». وبالتالي فعلاقة الوصف اللغوي بالموسيقى هي علاقة من اتجاه واحد، فالموسيقى قد تستحضر عددًا لا نهائيًا من الكلمات اللغوية، ولكن اللغة نفسها لا تضيف أي شيء للموسيقى.

إننا لا نخطئ عندما نشير لشيء بأنه لا يمكن وصفه، ولكننا نخطئ عندما نحاول وصفه، لأننا حتى لو ظللنا نتكلم للأبد فسيظل هناك شيء لم يقال، فكل ما نستطيع فعله هو أن نصمت ونفعل. وهذا هو ما يطلبه جانكلفيتش، بأن يدخل الإنسان بإرادته في هذا اللغز، عن طريق خلقه لمثل تلك الأشياء لتتجلى أمام الآخرين أوعن طريق خلقه لمعاني تلك الأشياء التي تتجلى أمامه كمتلق، فيقول «الموسيقى لا تصنع لكي نتحدث عنها، بل لكي نسمعها، لكي نعزفها، لكي نفعلها». ولأن الموسيقى فعل لا قول، ولكون الفعل منبثق عن الإرادة الحرة للإنسان، فإن الإنسان يتحمل مسؤولية الخلق الدائم للموسيقى وللمعنى، ويعتبر جانكلفيتش عملية الخلق الدائمة هي نقطة التشابه الوحيدة بين الله والإنسان.

ويعزو جانكلفيتش صناعة الإنسان للموسيقى بأنها كانت طريقة الهروب من الصمت المطبق الظاهر لنا في الكون عبر الأبدية، فكما قال باسكال «الصمت الأبدي من تلك الفضاءات اللا نهائية يرعبني». وبهذا فإن الطبيعة الموسيقية هي طبيعة ميتافيزيقية بالأساس، فهي تدعي نقل رسائل لنا من عالم آخر، وهي ما تجعل الموسيقى كالسحر، تخلب الألباب وتسرق العقول لصالح الأحاسيس والعاطفة، فيتحول الإنسان لمجرد وتر يهتز على يد العازف. فالموسيقى تنقل الإنسان المسحور بها من «هنا والآن»، لعالم آخر خارج الزمان والمكان، محطمة قيود محدودية الإنسان، ولكن لماذا تتركز تلك القدرة في حاسة السمع وحدها ولا تظهر في بقية الحواس؟

يجيب جانكليفتش بأن التناغم الخفي، الذي لا يمكن تحديده، هو أقوى وأكثر تأثيرًا من التناغم الظاهر والمحدد. وهذا ما يجعل الموسيقى كالسحر، كما وصفها أفلاطون دونًا عن غيرها من الفنون بأنها «تخترق الإنسان لتصل إلى مركز الروح مباشرة». في رأيي هذا يرجع لأن الموسيقى فعل عبر الزمن، والأذن لا تملك أمام الزمن إلا التلقي فقط، فالزمن يسير في اتجاه واحد وبالتالي فهو يفرض نفسه على كل شيء بدون أن يترك من نفسه أي شيء للتحليل، على عكس العين أمام المكان مثلًا، فهي تستطيع الانتقال عبر الأبعاد المكانية بكل حرية. وتلك الطبيعة الزمنية للموسيقى تجعل الخطاب الموسيقي خطابًا قاهرًا لأية محاولات لمقاومته كالتنويم المغناطيسي، فلا تملك إلا أن تنصاع أمامه.

وكأية وسيلة سحرية، ليست للإنسان القدرة على تحليلها أو على التحكم فيها، فقد تراوحت تأثيرات الموسيقى بين النقيضين. فمن جانب، للموسيقى القدرة على تهذيب الغرائز والسيطرة على الحيوانات المفترسة وشرور الإنسان، بسبب طبيعتها كنظام إيقاعي متناغم مثل الرياضيات – فلا عجب أن فيثاغورس رأى الموسيقى كنظام رياضي يتردد صداه في الكون كله – وهذا التناغم يفرض النظام على كل عشوائية لا يمكن تحديدها، وبالتالي فهو يستطيع أن يفرض الحقيقة على كل جنون وأن يسيطر على كل ما لا يمكن السيطرة عليه، وعلى الجانب الآخر، فللموسيقى القدرة على إثارة العاطفة والشهوة لدرجة الغياب الكامل للعقل، كما تفعل عرائس البحر«السيرينات» في الأوديسا، فهن ينشدن أغان ساحرة بأصوات لا يمكن وصفها ليخطفوا قلوب وعقول البحارة المارين بجانب جزيرة كابري، فيتوهون عن مقصدهم ويظلوا بجوارهن للأبد. مما حدا بأفلاطون أن يطلب بأن تكون الدولة هي المنظمة لتأثيرات الموسيقى وألا تترك تلك القدرة الخارقة في يد أي موسيقي مجهول.

ولكن مع بزوغ عصر العقلانية، حاول الإنسان تقييد ذلك السحر بالهياكل العقلانية محاولًا السيطرة عليها وتحديدها واستيعابها. فهو كإنسان عقلاني – كل قراراته نابعة من أرضية عقلانية صلبة ولأسباب منطقية – يرفض أن تسيطر عليه عواطفه أمام شيء غير مفهوم يظهر كأنه من عالم آخر، فيقول جانكلفيتش «فما فائدة العلم إلا كوسيلة تحمينا من الإغراءات التي تمارسها الظواهر الساحرة؟». وبالتالي فجانكلفيتش يتنبأ بفشل أية محاولات لجعل الموسيقى علمًا يمكن تدريسه فيجعل من أي شخص موسيقيًا ساحرًا، لأن سحر الموسيقى لا يمكن نقله باللغة لشخص لا يدركه سلفًا، فهل يعقل أن نصف المطلق بالمحدود؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد